fb

العلمانية الغربية صورة مثالية وواقع ملتبس

21 أيلول (سبتمبر) 2010 , بقلم جيروم شاهين

ا

نقرأ كل يوم في عالمنا العربي أدبيات تعالج مسألة الطائفية واستطراداً مسألة العلمانية. ومعظمها ينطلق من مواقف مبنية على استنتاجات شبه ثابتة، وكأنها أصبحت من المسلّمات البديهية. من هذه الاستنتاجات التبسيطية (وبالتالي التشويهية):

أن انتصار العلمانية على الدين قد اكتملت فصوله، لذلك، بات المجتمع الغربي لا يستلهم قوانينه وتشريعاته وقيمه من الدين، بل من الفلسفة المادية والعلم والتكنولوجيا والسياسة المؤسسة على المنفعة والبراغماتية.

في الواقع، لو اعتمدنا الموقف النقدي من تلك الأطروحات الشائعة لوجدنا: أن فصل السلطة الدينية عن السلطة الزمنية لم يتم في الغرب إلاّ منذ وقت قصير، وبعد مفاوضات، ومدّ وجزر. لا بل نذهب إلى أبعد من ذلك ونقول: إن فصل السلطتين ليس نهائياً، وليس محكماً، ومقفلاً، حتى أيامنا هذه. فهناك اليوم، جيوب طائفية ما زالت تعشش في قلب المجتمعات الغربية الحديثة.

من محطات مسيرة العلمنة الغربية ما هو قريب جداً منّا تاريخياً:

الولايات المتحدة الأميركية هي أول من نزع الطائفية من دستورها. وكان ذلك في العام 1776. لكنها استبْقت عبارات تنمّ عن التديّن الرسمي، مثل "إله الطبيعة"، "الخالق"، "العناية الإلهية". ولكنها في العام 1791، عدّلت دستورها بمنعها "إقرار أي قانون يجيز إنشاء ديانة، أو يمنع ديانة من إقامة شعائرها". وعلى الرغم من غموض هذا التعديل، يبقى أن المعنى العام المقصود هو اعتبار الدين شأناً خاصاً.

أما في فرنسا، فإن ثورة 1789 الشهيرة، لم تلغِ، كما يشاع، الدولة الدينية في البداية، بل إنها هدفت، في مرحلة أولى، الى تنظيم العلاقة بين الدولة والإكليروس.

بعد ذلك، عرفت فرنسا سلسلة من الاتفاقات (Concordats) بينها وبين الفاتيكان لتنظيم العلاقة بين الدولة والكنيسة (وأشهرها اتفاق عام 1801 مع بونابرت الذي عدّله هذا الأخير، من طرف واحد في العام 1802). وصحيح أن المجلس النيابي الفرنسي قد أقرّ في العام 1905، "فصل الكنائس عن الدولة"، إلاّ أن دستور عام 1945 هو الذي جعل فرنسا، دستورياً، دولة علمانية.

إسبانيا، وفي عهد فرانكو، عادت إلى تراثها الطائفي. وفي العام 1978، نصّ البند 16 من الدستور على أنه لم يعد في إسبانيا دين دولة. لكنه أضاف: على السلطات الرسمية ان تأخذ بالاعتبار معتقدات المجتمع الإسباني الدينية..

- الدستور البرتغالي نصّ، في عهد سالازار، وفي العام 1933 أن الديانة الكاثوليكية هي ديانة الأمة البرتغالية.

قانون جمهورية ألمانيا الفيديرالية جاء فيه، في العام 1949، "أن الشعب الألماني واعٍ لمسؤوليته أمام الله"...

إلى تلك الإشارات التي ذكرنا، يجدر التنبّه إلى أن العلمنة الدستورية لا تتطابق دائماً، وبشكل كامل، مع الواقع السوسيولوجي. فمن كان يتصور أن كاثوليكياً (الرئيس جون كيندي) كان سيتمكن من الوصول الى سدّة رئاسة الجمهورية الأميركية! واليوم، من لا يعتقد أنه من الصعب أن يتبوأ السلطة الأعلى: غير كاثوليكي في إسبانيا والأرجنتين، وغير انغليكاني في انكلترا، وغير بروتستانتي في النروج والسويد. كما أن انكلترا هي دولة علمانية، لكن ملكتها هي رئيسة الكنيسة الانغليكانية. والولايات المتحدة الأميركية هي أيضاً علمانية، لكن رئيس جمهوريتها يبدأ ولايته بقسم بالله. والدولار عليه شعار ديني!...

وعديدة هي المشكلات التي تعانيها اليوم، الدول المسمّاة علمانية. ومنها: التعليم الخاص، وهو حقاً إسفين في سور الدولة العلمانية. تشكّل تلك المدارس الخاصة، في بعض الدول، قوّة "ضاغطة" على سياسة الدولة. ففي فرنسا مثلاً، استطاع مؤيدو المدارس الخاصة أن ينظموا، في العام 1984، تظاهرة في شوارع باريس ضمّت أكثر من مليون مواطن..

لا أحد يتخلّى بسهولة عن موقع السلطة، لا سيما السلطة الدينية مع ما لهذه من هالة قدسية تضمن ديمومتها. وهكذا فالمجتمع الديني لن يتخلّى للمجتمع العلماني عن سلطته بسهولة. وحين يضطر، مرغماً، على ذلك، يسلك الطرق البديلة. يتحايل. يخرج من الباب ليعود من النافذة. يحلق لحيته ويخلع ثوبه الديني ليعود بثياب العلماني. هذا ما نسميه "تحولات الطائفية". فما معنى أحزاب "الديموقراطية المسيحية"؟ ما هي أهدافها ؟ أليس لها " مردود" تستثمره القوى الطائفية؟ أما النقابات المسماة مسيحية، فإنها إذْ تستفيد من حياد الدولة العلمانية الايجابي، تحتلّ، ما استطاعت إليه سبيلاً، من مساحة القوة السياسية الضاغطة لحمل السلطة التشريعية المدنية على أن تطابق القوانين التي تسنها مع مبادئ دين معيّن، بأخلاقياته وتقاليده وتراثه...

ولن نتحدّث عن مجموعة كبيرة من المنظمات والحركات والمؤسسات الخيرية المسماة مسيحية: كحركة الشبيبة العاملة المسيحية، والطالبة المسيحية، والكشافة، واتحادات الكتّاب المسيحيين، والصحافيين المسيحيين، والمياتم، ودور العجزة، والمستشفيات، والمستوصفات، إلخ... ليست الطائفية، في الدول الغربية العلمانية المتقدمة والحديثة، أسطورة تنتمي الى الماضي. لا بل قد تكون معششة في تضاعيف تلك المجتمعات، تظهر حيناً، وتختفي أحياناً. تتقنّع تارة، وطوراً تنزع قناعها، تتخذ أشكالاً محدثة، ظاهرها علماني، وقد يكون باطنها طائفياً. تلك بعض ملامح من الوجه الآخر للعلمانية الغربية. إنه وجه عطوب. وليست العلمانية نظاماً متكاملاً ، متناسقاً، مترابطاً، يقف شاهراً سيفه على الدين باسم الالحاد، أو باسم الإنسان المعاصر الذي نصّب نفسه مشرّعاً وحيداً في الكون.

fb