ظلمة ودرب عاثور
23 كانون الأول (ديسمبر) 2009 , بقلم علي السودانيوكنا نزلنا اول القرن البائد ، الأب والعيال والجدة ، في موضع بور خلاء من مشرق بغداد العباسية يسمى مدينة الثورة وصارت في خاتمة السبعينيات مدينة صدام ثم انتهت بعد عصرية ساحة الفردوس المشهورة الى مدينة الصدر . استعيد حارتي العتيقة الليلة على وقع رقصة مطر عملاقة انطشت على الربة عمون فسالت الأودية وتعرت وانغسلت وارتوت السفوح واطمأنت الناس على ماء الصيف وضمن الرعاة حشيش الغنم وسمنهم وشحذ القصابون سكاكينهم وحضّر اهل الوجاهة والكروش بطونهم على امل موسم ذبح عظيم . دفتر المطر دفتر ضخم يشبه كتاب العقاب والثواب ساعة حشر العاقبة . كتب فيه بدر شاكر السياب مرثية موجعة وترنيمة اطفال خاصرتها تغني : يا مطراَ يا حلبي ، عبّر بنات الجلبي ، يا مطراَ يا شاشا ، عبّر بنات الباشا حتى انقصف عمره من مرأى مطر يرقص ووحشة تطعن . اما رياض احمد المطعون بكبده فلقد ناح وناح القوم معه " بستة " حلوة من زمن بحة داخل حسن : ظلمة ودرب عاثور ، ليلة شتا وغت ، روحي اشتهت ملقاك عتّتني الك عت . في شتاء الحارة ، كنا نلبس البجامة المقلمة تحت البنطرون ونرحل الى الصف الأول باء في مدرسة ابن جبير الأبتدائية للبنين بالجزمات ، والجزمة هي حذاء مصنوع من النايلون المقوى ومبطن بقماش ابيض يصل مع النايلون الى حد الركبة ، فأن غصنا في أمواه المطر الى ما فوق الركبة ، انترست الجزمة ماء وصارت دوسة القدم تصدر نغمة مستلة من سلّم العفطة التي تشعر صاحبها بالعار . ان انقطع المطر ونضبت المزاريب ، صارت الأرض طيناَ والطين سيتعتق فيصير " سيان " منصوبة والسيان هو الطين البائت الزلق المخضر المسود المزرق المنقوع بماء آسن جائف قد يعيدك الى الدار بمؤخرة ملطخة وجنطة مسيّنة ومقطاطة ضائعة ومبتدأ راشدي ابوي قوي يبزخ فوق خدك مشفوعاَ بخطبة قصيرة زبدتها " عمت عينك يا اثول وطيّح الله حظك وموت الكرفك "
نظام المجاري والصرف كان عبارة عن ساقية تشق بطن الزقاق الى شطرين وتتغذى من بوريات ممددة من حوش الدار الى شفة الساقية وحيث يشتد مطر الرب ويلظم الليل بخرزة النهار ، تتفجر بالوعة المرحاض ويهدد طوفانها غرفة المنام والمعيشة والطبخ فيشمر الأب الفدائي عن ساعديه ويشيل الردن ويكفه عند المرفق ويطمس سطلة الطارئات في حلق البالوعة ويهرب بها الى ساقية الشارع بخدود محمرة وعيون تتلفت كما لو انها تحمل فضيحة ، لكن الخجل سيتبدد والحرج سيخبو على منظر ثمانية آباء يلولحون بأيمانهم ثماني سطلات ويرسمون على وجوههم ابتسامات مؤقتة حتى موعد زيارة " نزاح الطهاير " وسيارته الشافطة التي قد تطمس تايراتها في مطينة الزقاق لتوفر لنا فرجة مجانية وبطناشات ولعنات وفشار ألعن من فشار حمزة الحسن المرشوش على سيطرات الجند والمنبثق من شاحنة الكاولية حتى منتهى سفر روايته المهمة الممتعة المثقفة الموجعة " حقول الخاتون " عند عاليات ديانا وما حولها من ربيئات .
في حارتي العتيقة ، ثمة بيوت تتبختر وتشيل خشمها على الناس فتزرع عند اعتابها حديدة حادّة تفيد في عملية قشط الطين من جسد القندرة . من مسموعاتي ان الدنيا امطرت مرة ضفادع ومرة بزازيناَ او قططاَ فذهبت الواقعة مثلاَ فأن واعدك صاحبك قال مطمئناَ قلبك الرهيف انه سيأتيك حتى لو امطرت السماء ضفادع او عكاريك او ان ديكاَ قد alialsoudani61@hotmail.com
ركب ديكاَ وهذه لها موضع آخر على ذمة الأسبوع الجاي . اما مبررات تدوين هذا المكتوب فهي البلوى بشيء من الخوف والجوع واليأس والقهر والبطر والأنصات لتنويمة ام غاربة " عساها ببخت من صاح بسمك علي يمّه " وقرقرة ومطبات هوائية في المعدة تجعل القاعد لصقك يضحك عليك ويقول لك : تستاهل وحيل بيك وببو زايد !!