رجيس دوبريه.. أو فلسطيني ليوم واحد
23 كانون الأول (ديسمبر) 2009 , بقلم نصري الصايغشكراً رجيس دوبريه لأنك ذكرتهم بي:
عليك أن تكون فلسطينياً قليلاً، كي تعرف كيف أنك غير موجود، وإن كنت على وجود، فلأنك لم تجد من يضع شهادة على مثوى أحلامك الزهيدة.
عليك أن تمر بتجربة فظة: أن تكون فلسطينياً، ذات عدوان على غزة، منذ عام. أو أن تكون مقدسياً، بالعبور المكاني، كي تدرك أن ولادتك لم تكن في المكان المناسب، فالقدس لإقامة الصلوات من بعيد، والاحتفال السري بالركام الفلسطيني.
عليك أن تكون فلسطينياً ولو من باب التمثيل المسرحي أو السينمائي، لتتعرف على الإطار العربي الواسع، المكتظ بالحضور البشري والقيادي، والمفرغ من صورة الفلسطيني. عليك أن تكون فلسطينياً، بطريقة مسالمة، كي تعاين أن «استسلامك» حتى، غير مرغوب فيه. عليك أن تعرف أن الحل الأفضل، هو «الحل النهائي»، أن لا تكون موجوداً بالمرة. أن لا تنوجد في الماضي وأن تستحيل في المستقبل.
عليك أن تقف في هذا العراء الدولي، في هذا المدى الديني، في هذا الأسفل الأخلاقي، في هذا السفلس السياسي، في هذا التغيب الإلهي، وتسأل: لماذا أنا لعنة العصر، منذ قرن؟ لماذا أنا الجحيم وقد أسلمت لأكون الوقود... بلا خطيئة؟
لأنك لن تكون فلسطينياً، كالفلسطينيين، فإنك ستنفض يديك من ضميرك، وتغسل عقلك من لغتك، وتطالب الله بقيلولة دائمة، لترتاح مما لا راحة لك فيه، ومن دونه كذلك؟
لذا، دعه يتكلّم. دعه يقل: قاتلت حياً ومقتولاً، ولم أجد الطريق للخروج من جلجلتي. انتفضت حتى كسرت عظامي. أسرت حتى بات السجن وطني بلا وطن. تهجرت وأقمت في العراء، فلم تتعرف عليَّ السماء. في مدن الزنخ أقمت. بين «إخوتي» كانت مذلتي. زربوني في مخيمات الصفيح. منعوا عني فلسطين وأشغلوني في سوق الرخص الأخلاقي، من أجل حفنة من النوم. مع كوابيس العودة.
كل ما يمكن أن يتصوّره عاقل، قمت به. مارست إرهاباً نظيفاً، خطفت الطائرات. حملت السلاح في أمكنة مباحة وممنوعة! اعتقلني إخوتي، وعلى ثيابي اقترعوا. فتكوا بي فتكاً خلاصياً، فنجوت من مذابحي، بسبب المعجزة. وحدها «مريم فلسطين» أنجدتني، وقالت لي: إياك أن تموت. فانتعلت قامتي ومشيت إلى كل العواصم. دخلت عمان وذبحت. دخلت بيروت، وتوهمت أنني عائد أو مقيم، فمنعت. حملتنا البواخر كالطرود، كالأغراض، ووزعونا على المنافي. وحده البحر يعرف قصتنا، لأنه كان أكثر احتضاناً لنا من بلاد كانت يوماً عربية، على ما قيل في الكتب.
كل ما يمكن أن يعمل، فعلناه. قصدنا الأمم المتحدة. خرجنا منها بخفين داميين، وفي كل مرة كنا نقبض على نص، من أجلنا، كان حبره يتحول إما إلى دمع وإما إلى مقصلة. مضينا إلى الكواليس، خرجنا من أوسلو بما بلغنا إليه اليوم... من كارثة. هل نحن من هذا العالم؟ أو، هل هذا العالم، مقيم فيه أحد مثلنا؟
خسرنا كل شيء فينا، والمطلوب، أن نخسر كل شيء لنا. ومن أجل ذلك، سنطحن من جديد، على رجاء خبز مر وفتات من أجسادنا.
غزة التي ذبحت مراراً، ودمرت ركاماً، واستنجد العالم بكل أدواته ضدها. تستعد اليوم لمعركة خنقها... من أشقائها، ومن أعز شقيقاتها.
استطعنا أن نقاوم، بعدما احتلوا الأرض، كل الأرض. استطعنا أن نصمد، بعدما احتلوا الماء، كل الماء. استطعنا أن نصبر، بعدما أخذوا البحر، كل البحر. احتفظنا بإيماننا، بعدما أخذوا الله وجندوه في صفوتهم... الآن، يحفرون الأرض حولنا، كي يمنعوا عنا الأنفاق. سنختنق جداً... ولكن فلسطين ستبقى حية، ولو من دوننا. ماذا بعد؟
عليك أن تكون فلسطينياً، كي تعرف أن الحل لن يُعطى، إلى إذا جاء العالم وسكن في فلسطين. أنا الفلسطيني، بالشبهة، لست صاحب هذا الاقتراح. منذ مدة، اقترح الكاتب الكبير رجيس دوبريه، نقل مقر الأمم المتحدة إلى القدس، وأن تقيم الأمم المتحدة مؤسساتها في فلسطين، ضفة وغزة. اقترح أن يأتي الأمين العام ومساعدوه ومستشاروه ليعيشوا في فلسطين. ليروا، كيف يموت الفلسطيني على الحاجز. كيف يدهم بيته. كيف يستشهد بدم بارد. كيف يمنع عن بيته وبستانه. كيف يبنى الجدار على أعضائه. كيف لا يسمح له بقطاف عيون الزيتون. كيف يعتصر قلبه حزناً على أسراه. كيف يصير «إرهابياً»، فينفجر في حافلة أو حانة أو معبر أو مدرسة، وكيف يقتل ويعيش حروباً.
يقول دوبريه، على هؤلاء أن يعيشوا في فلسطين، كفلسطينيين، ويختبئوا في الملاجئ، ويتوقوا من القصف في غزة، والمداهمات في الضفة. عليهم أن ينتقلوا من بيت إلى مخيم ومن مخيم إلى جبانة، كي يعرفوا أن الفلسطيني يحتمل ما لا طاقة لبشرية على احتماله. يتحدّى دوبريه، أن هؤلاء العظماء الدوليين، الذين يدخنون السيجار في فنادقهم ومنازلهم الأميركية، لن يكون لديهم متسع من الوقت لنفث دخانهم، لأنهم لن ينفكوا عن البحث عن حلول، وسيجدونها، لأن فيها خلاصهم الجبان وخلاص الفلسطيني معهم. على العالم أن ينال معمودية فلسطين، كي تحل عليه نعمة الحل.
حلم... ذات خطاب. شكراً ريجيس دوبريه.
أما المخرج مايكل مور، فقد اقترح على الفلسطيني أن يتخلى عن «الإرهاب» ويلتحف الأرض، إضراباً بعد إضراب. لا حجر ولا سلاح. لن ينقذنا أحد يا مايكل. لن يرانا أحد. فعندما قتل أحمد الدرة، اتهمه الإعلام الغربي المتصهين، بأنه كان السبب. لماذا عرّض نفسه للرصاص؟ لماذا يتاجر الفلسطيني بدماء أولاده؟
هل المطلوب تعريب فلسطين؟
يا حرام!
هل المطلوب تدويل فلسطين؟
حدث ذلك.
لعله من المطلوب، أن يكون بعض العالم، فلسطينياً، ولو ليوم واحد.
مرة أخرى.. شكراً رجيس.