سياسة هندية جديدة في كشمير
5 تشرين الثاني (نوفمبر) 2010 , بقلم محمد السمّاكالمستقبل - الجمعة 5 تشرين الثاني 2010
كان من تداعيات أحداث 11 ايلول 2001 في نيويورك وواشنطن، ان الولايات المتحدة اعتبرت المقاومة الكشميرية "عملاً ارهابياً". حدث ذلك لأول مرة منذ أن بدأت القضية الكشميرية اثر انقسام شبه الجزيرة الهندية الى دولتي الهند والباكستان في عام 1947. كانت الولايات المتحدة طوال تلك العقود من الزمن أقرب الى الباكستان منها الى الهند. كانت الباكستان عضواً في حلف المعاهدة المركزية الذي كان يضم تركيا وايران والعراق بقيادة واشنطن. وكانت الهند أقرب الى الاتحاد السوفياتي (السابق) من خلال تزعمها مع مصر وأندونيسيا ويوغسلافيا السابقة حركة عدم الانحياز.
وقد حاولت الولايات المتحدة مراراً التوسط بين الهند والباكستان لتسوية قضية كشمير انطلاقاً من الاعتراف بقرارات الأمم المتحدة التي تعطي الشعب الكشميري حقوقاً في تقرير مصيره. ولكن بعد أن قرر الرئيس السابق جورج بوش الابن الحرب على الارهاب، وعندما ربط بين الارهاب والاسلام، ضمّ المقاومة الكشميرية الى لائحة المظمات الارهابية، ونقل "بارودة" التضامن من "كتف" الباكستان الى "كتف" الهند، في عملية انقلابية على ديبلوماسية أميركية استمرت نحو أربعة عقود.
وقد تمثل هذا الانقلاب في اتفاقية التعاون النووي التي عقدها مع دلهي، علماً بأن الهند ليست عضواً في معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية (شأنها في ذلك شأن الباكستان).
وبموجب هذه المعاهدة تعهدت الولايات المتحدة تزويد الهند بالتقنية النووية المتطورة وباليورانيوم المخصب، خلافاً لما تقول به معاهدة الحظر الدولية، ورغم معارضة واسعة في مجلس الشيوخ الأميركي.
كما تمثل هذا الانقلاب الأميركي بسحب أو بتجاهل الوساطات السياسية الأميركية لتسوية القضية الكشميرية، والسكوت على سيطرة الهند عليها رغم معارضة الكشميريين متسلحين بقرارات صادرة عن الأمم المتحدة.
أدى هذا الموقف الجديد الى قيام تحالف أميركي هندي كان بمثابة صبّ للزيت على نار المقاومة الكشميرية. وللتصدي لهذه المقاومة استنفرت الهند نصف مليون جندي ودفعتهم الى كشمير. وفي عام 2001 فقط (أي عام التحول الأميركي) سقط في كشمير 4500 ضحية من أهلها. وسقط في العام التالي ثلاثة آلاف ضحية أخرى. الا انه لا ضخامة عدد القوات الهندية، ولا فداحة الخسائر البشرية الكشميرية ولا الاتهامات الأميركية للمقاومة الكشميرية بالارهاب، أخمد حركة هذه المقاومة. ففي الأشهر الثلاثة الأخيرة من هذا العام سقط ثلاثة آلاف ضحية جديدة، الأمر الذي اقنع السلطات الهندية بعقم سياسة القوة التي تنتهجها في كشمير. ومع احتدام الاشتباكات في أفغانستان بين قوات حلف شمال الأطلسي وحركة الطالبان، مارست الولايات المتحدة (الرئيس جورج بوش تحديداً) الضغط على اسلام اباد لسحب القوات الباكستانية من الحدود مع الهند كشمير الى الحدود الأفغانية. فبالنسبة لادارة الرئيس بوش كانت الأولوية هي القضاء على الطالبان وليس الدفاع عن كشمير. وطالما أن المقاومة الكشميرية في حساباته هي حركة ارهابية فلتطلق يد القوات الهندية للفتك بهذه الحركة على أن يتولى الجيش الباكستاني الفتك بحركة طالبان.
هنا وجدت اسلام اباد نفسها مدفوعة لخوض معركة على جبهتين ضد قوى ترفع شعارات اسلامية. الأولى هي جبهة التخلي عن كشمير (وهي بالنسبة للباكستانيين مثل فلسطين بالنسبة للعرب)، والثانية هي جبهة مواجهة طالبان.
ومما زاد الطين بلة ان ذلك يحدث بضغط من الولايات المتحدة التي كانت تشن حرباً على الارهاب تبدو وكأنها حرب على الاسلام.
لم يتغير هذا الموقف الا بعد وصول الرئيس باراك أوباما الى البيت الأبيض. فقد اقنع الهند باعادة النظر في سياستها من القضية الكشميرية بدءاً برفع القبضة الحديدية، والانفتاح على القوى الوطنية الكشميرية لتجديد الحوار معها بعد انقطاع دام لأكثر من عقد من الزمن !. ومما عزز هذا التحول، خسارة الحزب الهندوسي المتطرف للانتخابات العامة، وبالتالي اضطراره للتخلي عن رئاسة الحكومة في دلهي لمصلحة حزب المؤتمر الذي يحمل أفكار نهرو وحفيدته انديرا غاندي.
وهكذا تراجع عدد الضحايا في شوارع المدن الكشميرية وخاصة في العاصمة سريننغار التي تقع في سفح أحد قمم الهمالايا. ومع هذا التراجع انتعش من جديد الأمل باستعادة الكشميريين حقوقهم الوطنية. الا ان كشمير منقسمة منذ بداية الصراع الى قسمين، قسم تحتله الهند، وهو الأكبر، وقسم ثان تحتله الباكستان ويعرف باسم ازاد كشمير ( اي كشمير الحرة).
الا ان الحركة الوطنية الكشميرية تعتبر القسمين واحداً. وهي لم تعد تقبل مبدأ الاختيار بين الانضمام الى الهند أو الانضمام الى باكستان كما كان الأمر في عام 1948 ولكنها تتطلع لإقامة دولة مستقلة من القسمين معاً. ولكن دون ذلك صعوبات جمة مع كل من الهند والباكستان. فمع الهند، هناك مشكلة رسم الحدود بين كشمير (الاسلامية) وجامو (الهندوسية). ومع باكستان هناك مشكلة إخراج ازاد كشمير من تحت السيادة الباكستانية. ثم ان هناك مشكلة أخرى مع المارد الصيني المجاور حول تقرير مصير المنطقة الشمالية الشرقية من كشمير والتي ضمتها الصين اليها في الستينات من القرن الماضي عندما وقعت الحرب الهندية الصينية والتي منيت فيها الهند بهزيمة عسكرية.
لقد تزامنت ولادة القضية الكشميرية مع القضية الفلسطينية. ويبدو أن ثمة أملاً بحل القضية الأولى، فيما تستمر القضية الثانية في متاهات الحسابات المتناقضة والمعادلات المتغيرة.