أوراق من الذاكرة"2"

مناجم الحسينات

لم تكن بداية أعمالي في مناجم الصحراء الغربية العراقية (1/10/1995)سهلة او حتى مألوفة بالنسبة لي بل كانت تغيير في المسار بشكل كامل، مشاهدها، تفصيلاتها، اجراءاتها، جميعاً غير مسبوقة، وكان ملاكي في هذه المِحنة ابو طارق/ حسين علي حسين، مختارا الجلوس الى جواري مقدما سكائر اللف، مشرعا بالحديث، بدون إطار محدد، وعن كل شيء، وانا في الاعم منصتا، وموجزا في مواضع تطلب الامر. عرفت منه عائلته، وسكنه، وأبناءه، وانه اصبح سائق شفل منذ صغره، ابتدأ مشواره مع المقاولين، ثم تحول للعمل مع قطاع الدولة. لاحظت اشتراكنا في استخدام اليد اليسرى، والبساطة والتعقيد في الشخصية، وكلانا يهوى الطبيعة، ويهوى نموذجها الفطري المباح، بدون الحاجة لإثقال الدين والمجتمع.

صحبته، هونت الامر علي كثيرا، وكنت دائما اركب الى جواره في الشفل في ذهابنا الى العمل، ونرجع معا، ولكن بوجهين حرقتها الشمس، وغطتها تراب المقالع، لنكون اشبه بممثلين كوميديين. لم نتبادل الحديث عن الاديان والمذاهب قط، كنت اعرف انه شمري، وانا تميمي، ومرة في احد احاديثه، ذكر امر ، ولتصديقه، قال بالعقيدة،،،استغربت الامر، وسألته، ان كان بعثيا ام شيوعيا؟؟

قال لا هذا ولا ذاك، ولكن في عام 1963انخرطت مع الحرس القومي، وسلمونا بدلة وغدّارة، وفِي اول يوم لي معهم، رأيت اهوال ما يقومون به، وأرجعت البدلة والسلاح اليهم، بدون عودة ثانية لهم. عرفت إصابته بقرحة المعدة، التي تسبب له نزفا بين الحين والآخر، نميزها بشحوبه الفاقع. رتبت له موعدا مع جاري د.سميع سفر، الجراح الأخصائي في الجهاز العظمي، وبعد اجراء المعاينة والعلاج والممنوعات، تم ابلاغه بأن لحظة حدوث نزف مزدوج من الفم والدبر، فأنها ايذان باقترابه من الموت، وينبغي قدومه الى المستشفى فور الاجراء عملية القرحة له، سيماوانا قد ذكرت للدكتور بأن صاحبنا نبتة برية تعيش على سجيتها. ووقع المحذور، بتأوهات وصراخ ابو طارق في احدى صباحات تموز، وكان يعاني نزفا مشتركا، نقلناه الى مستشفى الرمادي، وهو فاقد الوعي، أعطيناه أربعة قناني دم، ليستفيق، وهو يتمتم باسم د. سميع ما تطلب منا نقله الى مستشفى البشارة/بغداد. وأجريت العميله، له فورا، ليخرج د. سميع بعد ساعات، وهو يبتسم، لقد انقذت صاحبك، وكتبت له حياة إضافية. لم افقه من هذه الجملسوى معنى واحد، ان الامر خارج خطورته الان.

كانت اجازة ابو طارق الطبية، أطول من ان يتحملها، قطعها ورجع إلينا، فارس الشفل المغوار، بالرغم من اعتراضاتنا واحتجاجاتنا، ولكن من يقدر على منعه؟؟اصبحت علاقتنا اكثر رسوخ، واستبدلنا صيغها الإدارية، بروح الصداقة المتينة. ولكن احداث2003جلبت غيوما من الهموم على الجميع، سيما ابو طارق، بسبب ولديها اللذين أظهرا حماسا في مواجهة الاحداث، مما تسبب في اعتقالهما من قبل الامريكان، انعكس عزوف وعدم اهتمام في العمل من قبل ابو طارق، وانشغاله، في متابعة أمرهما في معسكرات الإعتقال، ولم يبالي وقتها عندما سلمته هدية التقاعد مع دمعتين انهمرتا، بعد فشلي، في احتجازهما، توفي بعدها د.سميع، بمرض لم يقدر على فك شفرته العلاجية، وبقى ابو طارق محترقا بنار العجز والانتظار الذي لم يمارسه في حياته.

وانا ازداد قتامة وعزلة، أسير في الشوارع كالدهماء، وأرنو الى الصبات الكونكريتية بهلع، بسبب تذكرتها لي بأني في منطقة القتل المحتمل... يتبع.