كيف ولماذا هزمنا امام صدام حسين ؟(16)* ـ حزب يموت فيجنب قاتلية العقاب/ ب

 

من اهم الاعراض التي تلازم حالة الظواهر التي يحضرها الموات، وتصبح خارج التاريخ، ايغالها المطرد في الجمود، هذا حتى في حال كانت تتمتع خلال فترات حياتها السابقة ببعض من الحيوية، واما تلك التي هي من صنف القوى الايديلوجية المحكومه أصلا لقدر كبير من التكلس والاحادية، فتصبح وقت انكماش مجال حركتها وعلاقتها بالواقع، مبتلية بنوع من غلبة المنطق الانعزالي، الاقرب الى اعراض الرهاب، والى نزعة غلق الأبواب والشبابيك، وكل المنافذ والثقوب التي يحتمل ان تطل منها الشمس، او الهواء النقي، في حين يصبح كل ماهو خارجها عدوا وشيطانا، وكل من لا يوافقها الراي اويختلف عنها ومعها، غريبا هبط من الكواكب الأخرى. لايمكن لهذه القوة ان تعترف، ولا حتى في الأحلام، باحتمال ان تكون الحياة قد بدات تتجاوزها، وانها غدت اكثر فاكثر خارج الضرورة التي صارت صالحة لانبات أنواع أخرى من البذور المتلائمة مع الحقيقة والحياة، غير ان هؤلاء عادة مايحكمون على انفسهم بالنهاية بايديهم، فاحكامهم البالية والعصبية المتعسفةعلى الظواهر، وحماستهم في كيل التهم لغيرهم من موقع اعتقادهم المضحك، بشرعية مازالوا يتمتعون بها، غالبا مايضعهم بموضع السخرية المحزنة، فيظهرون بمظاهرغير لائقة تستدر العطف. يوم حصلت انشقاقات 1964 / 1967 تصرف هؤلاء من منطلق كونهم القوة الأصل، الام الرسمية الطبيعية التي لاام سواها، فتكررت وقتها نفس الاسطوانه عن "التطرف" و "التياسر" و " الخروج على الإجماع الاممي" و "النزعة التخريبية"، وتذكر هؤلاء مستلين من خيالهم، ذكريات الاربعينات والخمسينات، وترسانتها من الأقاويل وأساليب تصفية الخصوم، ولم يخطر لهم ابدا، احتمال ان يكون وراء الظواهر الحالية، دوافع ومحركات أخرى غير "النزعات البرجوازية الصغيرة"، و" قصر نفس بعض المثقفين"، وماالى ذلك من مصطلحات جاهزة مثل جهوزية كل مايحمله هؤلاء من أفكار، وقواعد نظر وتفكيرمتخشبه. كان هؤلاء يومها قد ارتكبوا خطيئة "خط آب"، مباشرة بعد سطوهم على قيادة الحزب عام 1964، وبعد تصفيته وذبح قيادته على يد انقلابي 8 شباط 1963، فكأنهم كانوا يقولون ان الخيار الاسلم هو خيار الاستسلام وقبول الامر الواقع، فهل كان هؤلاء وقتها يحاولون جس النبض لمعرفة درجة ومستوى الإحباط الناجم عن عملية التصفية الدموية، ام انهم كانوا قد اساءوا التقدير هم ومن يقف خلف عملية ترتيب الوضع دوليا بعد ثورة 14 تموز1958 ،ولغرض اجهاضها، و احتواء زخمها ومفاعيلها المحتملة، كما هو محسوس من مراقبة ورصد افق وحركة القوى الشعبية التي تقف في قلبها؟. حين تقرر تنفيذ انقلاب 1968 ،كان الضباط الذي اضطلوا بالتنفيذ المباشر قد بدوا ملزمين بشرط لايمكن تحقيق الانقلاب من دونه، الشرط يقول ان الانقلاب يجب ان يرتكز الى قوة عقائدية حزبية، أي ان "العسكر" في العراق قد تبث عدم صلاحيتهم بالمقارنة بينهم وبين الأحزاب الايديلوجية، بالأخص اذا ماتم تحويرها، وارسيت على قواعد ومراكزاجتماعية ومناطقية راسخه على مستوى تامين ديمومة السلطة وممارستها، بضمان قوة نواتها( يأتي الريع النفطي هنا في القلب من تلك العملية، وهو ماحصل لاحقا بعد ازمة الطاقة عام 1973 وانفجار الأسعار). ومن المعلوم ان عسكريا اخر كان أصلا في دست الحكم، ومن نفس طينة من نفذوا الانقلاب الأبيض عليه،هو "عبدالرحمن عارف"، تمت ازاحته بسلاسة واحترام، لم يعرفه تاريخ العراق السياسي، وسبل تبادل السلطة فيه من قبل، وعليه كانت اللحظة لحظة تبديل سلمي للضرورة، من حكم العسكر العادي المتزايد عجزا عن معالجة حركة جماهيرية تتفوق عليه زخما واهدافا، الى عسكر متحالفين مع حزب عقائدي منظم، مؤهل لممارسة عملية تصفية شمولية، وفق شكل من اشكال حكم الحزب الواحد الذي كان معروفا ومعتادا، وغير مستهجن عالميا وفي المنطقة. على هذا تم وقتها الاستدراك، فاحتسبت التوازنات وطريقة الأداء والاحتمالات المترتبة عليها، فكان البعث وقتها صاحب الحظ الاوفر كمنفذ للمهمة، الى جانب قوة رديفة جرى احتساب مكانها ودورها على أساس متأت من احدى مشكلات الكيان العراقي كما تتمثل بالقضية الكردية، فحجز لهؤلاء دور مبرر، وحاجة تؤمن شمولية الحكم واستقراره، لهذا قام "الحزب السيوعي " عام 1975 بالقتال وحمل السلاح الى جانب الحزب الحاكم ضد " الثورة الكردية" بقيادة مصطفى البارزاني، يوم الحقت بهذه الأخيرة اكبر هزيمة في تاريخها، كانت تفتح امام "بعثيي" الجبال، افاقا راسخة يمارسون من خلالها وبالتحالف الاندماجي مع حكم صدام حسين/ البكر ماهم مهيئون له ومكلفون به. ووقتها كانت عناصر السردية الوطنية مطلوب وبالحاح ان تعدل او تبدا بالتبلور، لولا عوامل بنيوية عامة، وأسباب عالمية عاصفة، منعت الفكر الوطني وقتها من ان يغادر لحظة الاعتراض التي كانت ملزمة وقتها بالبقاء داخل اطار نفس الموضوعات الايديلوجية، وذات السردية الاستعمارية، فلم يخطر على البال، النظر للبعث وحكومته مع حلفائه، باعتبارهما البدائل الوريثة للدولة التي أقامها الإنكليز من خارج المجتمع وركبوها فوقه عام 1921، ليستخدموها كاداة، الغرض الأول منها قتل المجتمع المشاعي الأسفل، وكبح جماح ثورته الكبرى وتداعياتها الوطنية، فحكم 17 تموز 1968هو الدولة الثانية، وجدت لتضطلع بذات المهمة، التي اضطلعت بها دولة نوري السعيد واسقطتها إرادة مجتمع اللادولة في 14 تموز 1958، سوى ان هذه قد اضطلعت بتصفية تداعيات ثورة تموز، بالاستناد لقوة الحزبين الايديلوجين الأكبر في البلاد، بعد تحويرهما، واقتلاعهما من مجالهما الأول الذي نشاءا ضمنه، أي الجنوب العراقي، حيث "مجتمع اللادولة المشاعي" نحو شمال البلاد، حيث تقاليد وارث وطبيعة تكوين "الدولة القاهرة" على مر التاريخ، ماقد نقل الحزبين من موقع الى آخر ومن طبيعة الى طبيعة مختلفة مضادة للاولى، واذا كانت عملية التدبير وترتيب شكل الحكم وقتها قد اختلفت كثيرا عن تلك التي حدثت تحت الاحتلال في العشرينات، فلاسباب ناجمة عن تغير الظرف الوطني والعالمي اختلافا جوهريا. وقتها تغير مفهوم الوطنية وعناصرها ومن يمثلونها، فخرجت كليا من الاطار الايديلوجي للأحزاب الثلاثينية التي انتهت، ولم يعد لها أي وجود يصلها بماضيها الذي نشأت ضمنه، وغدا النضال الوطني، وكل اشكال التعبير المنتمية الى المستقبل والى الحقبة الرابعة من حقبات التشكل الوطني العراقي، منوطا بمنظومة من الموقف والتعبير، منفصلة كليا عن الحقبة الايديلوجية المنتهية الى سلطة معادية للشعب، متناقضة مع كينونة البلاد وطبيعة مسارها الحديث، واهداف وممكنات تاريخا الحاضر. وللتذكير الواجب، ولاجل القضية الأساس الخاصة بانقلاب الوعي والتصور التاريخي للسردية الوطنية، لابد ان نذكر بقوة وطغيان مفعول البنية العراقية على المسار التاريخي الحديث، مع أهمية تشديد العزم على نبذ المفهوم المبسط المنقول عن الوطنية المستعارة، لصالح المفهوم "الامبراكوني" وفعله في التاريخ الحديث، واثره الحاسم في تعيين موقع الظواهر الحديثة وتغييرات دلالات أدوارها، وحقيقة ومغزى ودرجة فعلها، فمن دون نبذ السردية المستعارة ( الاستعمارية )، لن يعرف العراق الطريق المؤدي به اليوم، ووسط الكارثة الكبرى الحالّة عليه، بظل الغزو والاحتلال، وتدمير وسحق الموجود من هياكل "الدولة الحديثة" بعد 82 عاما من وجودها، وتسيّد قوى ماقبل الدولة الرثة، لن يعرف انطلاقة النداء الأول نحو المستقبل الذي طال حجبه عن الأنظار،بحيث كاد يُقتل الأمل. ـ يتبع ـ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ • حجب موقع " الحوار المتمدن" الموقر، الجزء (15/أ) من سلسلة مقالاتي المثبت عنوانها أعلاه، وكان قد حجب قبلها جزءاخرمن السلسلة بداعي احتواء القسمين على مايخالف شروط النشر في البلد الذي يستضيف "الموقع" / الدانمارك/ . الموقع معروف بسعة صدره وقبوله الآراء المختلفة، ومن حقه علينا ان نعترف له بذلك، ومن حقه برايي نشر مايراه متوافقا مع ظروفه، وخطته المعتمدة،خصوصا اذا كانت تتعلق فعلا بشروط النشر في البلد المستضاف فيه، وإذ ابادرلوضع هذه الإشارة فلكي اجيب على استغراب بعض القراء ممن يتابعون المقالات، مع الشكر للجميع، ولموقع "الحوار المتمدن" الذي اكن له كل تقدير واحترام.