كيف ولماذا هزمنا امام صدام حسين ؟ (17) ـ "مجتمع اللادولة المسلح" و"الحزب الشيوعي" الأعزل

   مع نهاية الاحتلال العثماني في أوائل القرن العشرين، حلت الحقبة الثالثة من تاريخ التشكل الوطني في الثلاثينات متخذه شكل " الوطنية الحزبية" لتحدث انقلابا جوهريا على الطابع المميز للحركة الوطنية العراقية الحديثة بحقبتيها الأسبق القبلية والدينية التجديدة، والغريب ان ذلك الطابع كان بارزا بحيث لم بفت الشيوعيين الأوائل، وانتبهوا له، فعقد " فهد " في بعض كتاباته مقارنه بين حالتي الفلاح العراقي، والفلاح المصري، وبالذات لجهة علاقته بالسلاح، فالمصري لم يعرف عنه امتلاكه ماهو اكثرمن "الشوم"، أي العصا الغليظة، بينما الفلاح العراقي يبيع مايملك، لابل يبيع جلده، حتى يمتلك قطعة سلاح، لدرجة ان صفته كرجل تساوي قطعا امتلاكه السلاح الناري أولا، ومن يتتبع تاريخ العراق الحديث، من القرن السابع عشر حتى العشرين، يدهشه عدد الانتفاضات والعصيانات المسلحة التي لم تكن تهدأ يوما، وفي كتابه "أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث"، يسجل لونغريك وقائع مثيرة للدهشة عن الانتفاضات والمنتفضين، من بينهم شيخ من مشايخ المنتفك، ظل يقاتل الاتراك لمدة عشرين عاما، الى ان تم القبض عليه، وقطع راسه وحمل الى الإستانة، والمثير ان الشيخ العصي المذكور، كان اعمى ، ويسجل باحث حديث غير علي الوردي الأقل عناية بالانتفاضات المسلحة الريفية، والتي يرى بخصوصها رايه المدينوي المعروف، يسجل الباحث المذكور انه عندما عزم : "على دراسة أحوال العراق السياسية والاجتماعية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، لتكون مدخلا لدراستي للحياة الأدبية في الحله،هالتني كثرة الثورات والانتفاضات الشعبية والوطنية ضد جكم الاتراك العثمانيين، منذ وقوع العراق فريسة أطماع الدولة العثمانية، حتى نهاية الاحتلال العثماني في أوائل القرن العشرين، وبخاصة في القرنين الأخيرين من الاحتلال، فقد تميزا بكثرة تلك الانتفاضات وعنفها، حتى تكاد لاتمر سنة من السنين في القرن التاسع عشر دون قيام تمرد مسلح في قبيلة من قبائل العراق، او عشيرة من عشائره،، او عصيان في ريف من اريافه، او انتفاضة شعبيه في مدينة من مدنه ضد الحكم الاجني والحكام الدخلاء، ولعل من يتصفح كتب التاريخ التي تناولت حياة العراق في تلك الحقبة من الزمن، سيراها مكتظة بتلك الحوادث والاضطرابات والانتفاضات التي لم تنقطع حتى رحيل العثمانيين من العراق سنة 1917 " ـ محمد حسن علي ـ مجلة افاق عربية / العدد 11 السنة الرابعة/ تموز 1978/ "انتفاضة سنة 1787 العربية الثلاثية" / يراجع للمزيد " مطالع السعود" لابن سند/ مخطوط/ و "حديقة الزوراء"، و " أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث" همفسلي لونغريك.. وغيره .. هذه الغابة المتصلة من المقاومة الشاملة، لم تولد عند الايديلوجيين ممن تبنوا السردية الاستعمارية في العصر الحديث، ماكانت تصدر عنه من حقيقة وواقع وطني مميز، فعجز هولاء وفي مقدمهم "الشيوعيين " عن ان يدركو حقيقة التمايز والانفصال بين عالمين، عالم ناشيء يسير نحو التشكل، وهو حديث، ابتدأ منذ القرن التاسع عشر، واعقب فترة من "الانقطاع الحضاري" استمرت من سقوط بغداد عام 1258، هو "مجتمع لادولة" مستقل، وبين مختلف السلطات والحكومات البرانية المتعاقبة، والتي تاخذ من المركز الذي أقامه العباسيون كعاصمة لدولتهم في الدورة الحضارية الثانية، والاهم في هذا الوضع المميز لحالة العراق كون حركة المقاومة، وغزارة الاحداث العنيفة ضد المركز، لم تكن من قبيل الانتفاض المتكرر العادي، ولاهو من نوع التحركات الفلاحية المتعارف عليها، والتي تبنى الشيوعيين نموذجها، انما هي تعبير عن الاستقلالية، فكما تقيم الدولة من الأعلى عادة وجودها داخل مدن محصنة ومعسكرة، كان مجتمع اللادولة في الأسفل يدافع عن حضوره واستقلال نموذجه، ب "عبادة السلاح" وقوة التضامن والاستعداد غير المحدود للرفض والمقاومة، مدافعا بذلك عن حدوده وسماته واستقلال عالمه المشاع. وفي حين كان هذا العالم بحاجة منذ العشرينات، وبعد الثورة الكبرى عام 1920، لان يعيد تنظيم صفوفه، ويقيم من جهته جيشه الخاص، مقابل الجيش "الحديث"الذي اقامته " الدولة البرانية المدعومه من الإحتلال"، وفي حين كانت حركات تحررية، وأحزاب شيوعية في العالم مثل الصين كمثال قد اعتمدت وسائل، وابتكرت نمطا من المقاومة، وانواعا من الجيوش القادرة على مواجهة الجيوش الاستعمارية الحديثة، ابتعد الايديلوجيون العراقيون تماما، عن التفكير، الا بالمنطق والرؤية الاستعمارية للواقع الوطني، فاستنكفوا عن التفكير بالاتجاه الطبيعي و "الواقعي " تماما، الطريق المنسجم مع ضرورة إقامة الجيش العصري لمجتمع اللادولة العراقي، جيش الأنصار الذي يمنع ازلام الدولة البرانية الاستعمارية من الاقطاعيين الجدد، من مواصلة سرقة الأرض، بدعم وحماية المؤسسة العسكرية الجديدة. على العكس من ذلك، تبنى هؤلاء المنظور الاستعماري، وتصرفوا باعتبار الدولة الجديدة وجيشها، هما المؤسستان الوطنيتان، القابلتان للحياة، ولكن من دون استمرارالحضور الاستعماري، واما سياسات نهب الأرض، وتصنيع الاقطاع، فقد وقف هؤلاء ضدها، انما من دون الخروج على شرعية الدولة الجديدة، وبهذا وفي الحصيلة، كانوا يتصرفون كجزء منها، ومع استفادتهم القصوى شدة الرفض والسخط الوطني العارم، فلقد صرفوه باتجاهات تخدم في النهاية أغراض تصفية مجتمع اللادولة، بأن تتركه بلا وسائل حماية مناسبة، تتلائم مع التطور الذي احدثه الحضور الاستعماري والغربي على مستوى وسائل الهيمنة. وبرغم ان مجتمع اللادولة الذي ابدع خلال ثورة العشرين مبتكرا وسائل غير تقليدية في المقاومة وصلت درجة المقاومة بالسلاح الأبيض، بمواجهة السلاح الحديث، ناهيك عن المستوى غير المسبوق من الاستنفار بحدوده القصوى ( وصل جيش الثورة قرابة المائة الف في مجتمع لم يتعد الثلاثة ملايين ونصف) بينما تواصلت الانتفاضات المسلحة، وتكررت، بعد انتفاضة 1935 وانتفاضات الاربعينات والخمسينات، بينما ظهر وقتها وبجلاء، ان الحاجة كانت ملحة وتتطلب قيام "جيش حديث من اسفل" أي (جيش "مجتمع اللادولة" في ظل الدولة الاستعمارية البرانية الحديثة). ولايوجد بلد في العالم على الاطلاق، تتوفر له وفيه الأسباب والدواعي التاريخية والموضوعية والطبيعية، لرفع السلاح يومها، مثل الشعب العراقي، بما يوجب الحكم على من تصدوا وقتها كما يقولون لقضية النضال الوطني التحرري، وبالذات منهم "الشيوعيين" بالتعارض مع الحقيقة التاريخية الوطنية، ومجافاة تقليد تاريخي راسخ، لابل وبيئة طبيعية مؤاتية للغاية، فالعراق في الثلاثينات كان مغرقا بالمياه وغابات القصب والبردي، والاهوار فيه تمتد من كربلاء والهندية، الى الشامية وصولا الى الديوانية وحدود ابي صخير، والى الكوت، وصولا لاهوار الجنوب المنبسطة على مساحة تصل قرابة خمس وعشرين الف كيلومترا أي ضعفي ونصف مساجة لبنان، بينما الوسائل العسكرية المتوفرة بيد الجيش العراق وقوات الشرطة آنذاك محدودة الفعالية واقرب للبدائية. هذا عدا عن طبية التكوين المجتمعي الجنوبي الملائم،وتراث تاريخي يقدس السلاح واستعماله ضد الحكومات المتعاقبه على مر التاريخ، يوم ذهبت عام 1967 الى الاهوار في الجنوب( ارض سومر)، عبر القرنة، ذهلت، واصابني شعور عميق بان من يسمون انفسهم الشيوعيين الوطنيين المعبرين عن مصالح الشعب وحركته التحررية، ومن يتغنون بالامجاد والتضحيات، لايمتون باية صله للوطنية، ولا للبلاد التي هم منها، ونشاوا بين ضهرانيها، وانهم بالأحرى قوة مبددة لطاقات الشعب وجموحه الثوري، وقوة تصريف لطاقاته واحلامه، بما لاينفع، وبما من شانه تدمير تطلعاته الوطنية، وهذا ماقد حصل فعلا. ترى مافائدة وماقيمة صراع " فهد" مع من يسميهم او يتوهمهم "شتراكيين ديموقراطيون" وماعلاقته هو بحزب "مالعمل" اللينيني الروسي، ومامبرر حرصه الشديد على نقاوته المبداية، بينما هو عاجز عن رؤية، او تحسس حقائق بلاده الابرز، ومتغافل عن مميزاتها وخصائصها التكوينية والتاريخية، الم يكن الاحرى به ان يسجل ماثرة تاريخية، تضعه بصف لنين نفسه، لابل وقد يكون، لو استطاع الاستجابة لصوت الحقيقة والتاريخ وقتها، ان يصبح اهم من لنين بحكم موقعه، ودلالة المكان الذي يرفع الصوت من خلاله كونيا على مشارف اوربا؟