احتقار الفرد العراقي: من الملفات التي لم تحسم بعد!

Submitted on Tue, 03/27/2018 - 19:01

رعد أطياف

لازالت صورة صدام حسين شاخصة في مخيلتي وهو يشكو من ضيق الحال، وأنه لا يجد ما يكفيه من الملابس كحاكم للعراق، وأنه أضاع بطاقته التموينية. وبالطبع لم يكن صدام حسين يخشى تذمّر العراقيين، لا بل لم يكن يوماً ما يعمل لهم حساب أو يقلق بشأنهم. لقد كان يتحداهم، أو بعبارة أوضح،يحتقرهم احتقاراً شديداً. فمن هنا كان يضحك و " يحشش" على العراقيين بهذه الطريقة الاحتقارية والحاقدة. وأذكر كذلك كان يعطي دروساً " قيّمة" في كيفية الاستحمام، وكان يؤكد بقوة على تدليك الإبطين بالصابون لكي تذهب رائحة العرق غير المحببة. كانت "هذه المحاضرة القيمة" تعرض من شاشة التلفزيون ويشاهدها ملايين العراقيين، وبالطبع كانوا متذمرين جداً في حينها!. يفكّك أحد الفلاسفة معنى التهكّم ويصل لنتيجة مفادها: إن التهكّم ليس احتقاراً للآخر، وإنما هو محاولة لنفي الجوهرية من الأشياء. بمعنى، حينما اتهكّم من شيء ما فانا بهذه المحاولة أنفي أي جوهرية مزعومة. مؤكد إن هذه المحاولة العظيمة، والشاعرية للغاية، بعيدة جداً عن مخيلة صدام حسين الرديئة، ولم يكن ليحلم بها حتى لو قدر له العيش لقرون!، بمعنى، أنه لم يكن متهكماً، فقد كان الرجل واطئاً بكل معنى الكلمة، وحاقداً على كل عائلة عراقية حافظت على ثباتها حتى الرمق الأخير. ولكي يفرغ عقده الدونية ويتحدى هذا الشعب الأعزل كان يتسلّى باحتقاره وتحديه علناً: أنا أتحداكم وأشعركم بدونيتكم، أعلم إنكم لا تصدقون ما أتكلم به، فانا متعمد لأحطم آخر لحظة احترام للذات تنعمون بها. والسؤال الذي يخامر أذهاننا: لماذا يحتقر السياسيون الشعب العراقي بكل هذا الصلف والتحدي، ويعلنون من شاشات التلفزيون أنهم لا يملكون شيئاً، وهم يصورون هذه اللقاءات من قصورهم الفارهة؟. لقد كان صدام حسين تفتك به عقدة الدونية والانتقام من شعب لم يفعل له شيئاً يذكر، بل على العكس، لقد قاتل هذا الشعب بضراوة من أجل عرش صدام وتثبيته، وتحمل عذابات الحصار الأميركي المنحط، وكان الكثير " يهوّس" ويعربد له. وقد أعاد هذا الشعب السيناريو القديم تماماً. لقد دلل العراقيون هؤلاء السياسيين دلالاً لم يحلموا به؛ انتخبوهم، مكنوهم من رقابهم، جمعوا شملهم بعدما كانوا لاشيء يذكر، قاتلوا واستشهدوا من أجلهم!، مكّنوهم من خزائن العراق التي يحسدهم عليها قارون( لا أدري إن كان الكثير منهم قد حلم يوماً ما بارتداء بذلة رسمية أو من هذا القبيل!). ببساطة شديدة: لقد حدث لهم ما لم يكن بالحسبان. ماهو جزاء العراقيين؟: كان جزاؤهم أقصى حالات الاستفزاز والاحتقار. يفهم الكثير منّا إن ما يصرّح به السياسيون من أنهم يعانون الفقر، أو لا يملكون رصيداً في أحد البنوك، أو أن المرتبات لا تكفيهم، يفهم من هذا انه حالة استغفال(استغفال؟!). إن للاستغفال جيوش من المحترفين يديرون مؤسسات محترفة تحاول تخدير الرأي العام لكي يتسنى للطبقة الحاكمة تمرير مشاريعها. يذكر الكاتب عامر محسن ما مضمونه: تحاول الطبقة السياسية الأميركية صناعة "بعبع" يخيف المواطن الأميركي، وعلى الطريقة الهوليودية يلجأ صناع القرار لتضخيم الدور الصيني العسكري، على سبيل المثال، وخلق سيناريوهات صِدامية مع الصين لكي يوافق الكونغرس في نهاية المطاف على المبالغ الهائلة للميزانية العسكرية.

أما ما يحدث في العراق فهو ليس استغفال ولا يحتاج لمثل هذه السيناريوهات الأميركية المحترفة( والتي هي في نهاية المطاف تصب في صالح الأمن القومي الأميركي وليس أمن القصور الفارهة!)، ببسيط العبارة، إنه أمر بسيط للغاية: عليك أن توجه خطاباً احتقارياً واستفزازياً يهين ذكائنا البشري، وستجد الرأي العام مشغولاً - كما يذكر الروائي حمزة الحسن – بالدعوة لحرق كتب الشاعر سعدي يوسف!، أو تعذبه إنسانيته تجاه حقوق المرأة، المهم يبقى متذمّراً، فاحتقار العراقيين من قبل الطبقة الحاكمة ملف لم يحسم موضوعه بعد.