"مذكرات سجين" بقلم الشاعر إبراهيم البهرزي "3" : قطة وريشة وفراشة

إبراهيم البهرزي

مع  ازدياد سطوة البرد  يزداد منسوب الحنين  ، هذا بالنسبة للأحرار  كما  عهدت حيث مرت علي سنوات حياتي الحرة  ، لم تكن حرّة تماما  ،  لكني كنت   اخادعها بقناعات الحرية ..

اما بالنسبة للسجين  ، فالحنين  كما خبرت احواله ،   كان يتمتع بضراوة  ووحشية مخيفة ، كنا على وشك مغادرة العام والدخول في  عام جديد  وصارت تلازمني  نوبات برد شديدة   .

الزنزانة خالية من أية وسيلة تدفئة ، ولم تكن. لتحتاج  مثل هذه الوسائل   ، فحسبك ان تعرف  ان  زنزانة بحجم 100 متر مربع  محشور فيها اكثر من ثمانين نزيلا  كانت انفاسهم  تعوض عن أية وسيلة تدفئه.

كنت محشورا  بالمساحة المتاحة لي  ( نصف متر*متر ونصف ) لا حق لي بتجاوزها  ، متلفعا ببطانية ثخينة وفروة صوف  أهداني إياها احد الأصدقاء   في زيارةً سابقة ، متمددا  او مقرفصا ، فلم أكن لأنام  اكثر من ساعة او ساعتين في  اليوم   في عادة ستلازمني حتى بعد  انتهاء مدة السجن

قال  لي ضابط الموقف يوما خلال تفقده الليلي :

هل انت شيخ عشيرة

أجبته دون تعجب  او طول تفكير

لا انا ابراهيم.

قال : هذه الفروةً التي ترتديها هي فروةُ  شيوخ ، وهي ممنوعة في السجن

خلعت الفروة  وفِي اول مواجهة تالية ارسلتها للبيت ،فقد حدست انه يريد مصادرتها ..

لم اشعر بالدفء مطلقا طوال  شتاء السجن  ، وبالتالي  لم يفارقني الحنين  ساعة الحنين كان لاشياء كثيرة  أحببتها في حياتي السالفة  بين أهل وصديق ، ولكن كان هناك حنين من نوع   جارف لوجه  كان   حبي له  بمثابة  معادل للطمأنينة   والفرح اللذين افتقدتهما  طوال حياتي ،حرا او سجينا وحيث لم أرد لوجهها الجميل ان يكون سجينا معي ،ولو لمجرد الخيال ، فقد كنت  انظر لوجهها عبر فتحة  للتهوية صغيرة كانت في سقف الزنزانة ليلا ونهارا كنت اتطلع لوجهها الطيب المبتسم  المطل علي كملاك  من هناك ..

في فجر بارد  سمعت  مواء قطة  ورايتها  تطل من ذات  فتحة التأملات، كانت قطة حقيقية  ، ربما ذكرتني شقرة فروها. بشقرة الوجه الغائب الذي احببت

لعدة ايام بقيت مستأنسا  بمواء القطة في زورتها  الفجرية ،حتى قال بعض السجناء لحرس السجن :ان هذه القطة النجسة تزعجهم بموائها كل فج.ر

صعد الحرس ،كما اخبرنا تاليا ، ووجد انها  تعيل  عددا من القطيطات الصغيرات. اللواتي حملهن والقاهن في السوق القريب من السجن ، فتبعتهن الام  ، وغادرت  معهن الى الأبد ..

في  غروب مساء بارد  هبطت من الشرفة ريشة عصفور ، كانت ريشة هفهافة من ذلك النوع الزغبي  ، ظلت تتطوح في الهواء  نهضت اتابعها  لأحاول إمساكها. ، تعثرت بأكثر من سجين راقد وجالس   في محاولتي لإمساكها  ،سمعت كلاما  محتجا من بعضهم وساخرا  من اخرين ،   لم يمنعني من المطاردة ، كانت هذه الريشة الهابطة  من هناك هي  كل الحياة الحرة  القادمة من هناك ، من  خلف  هذه الجدران ، وكانت هذه الريشة هي  انفاس ذلك الوجه الذي احب  والذي  يخيل لي دوما من تلك  البقعة الصغيرة من الزرقة ، إمسكتها  فرحا. بعد طول طراد ، تأملتها بين يدي ،كانت رهيفة ناعمة  مثلك ِ ، مثلك ِ ِ، هكذا كنت اهمس لها  ،ثم وضعتها في محفظة ورقية  كنت صنعتها من  علب السكائر ، وبقيت محتفظا بها حتى  إطلاق سراحي ، انت من المؤكد من ارسلتها لي ، فكانت. الحياة معها ،كل الحياة ريشة ، والحريّة ريشة ، والقلب  ريشة ...

ومع اخر ايام البرد ،وفِي ظهيرة  مملة  دخلت من  فتحة التهوية فراشة شاردة  ، كانت بهية الألوان بشكل  يقطع رتابة اللون البني الموحد الذي يسم  ملابس السجناء .تهبط قليلا وتعلو ، لكن السجين (.....)وهو جلاد سابق قبل سجنه ، جلاد  حقيقي مخضرم    في النظامين السابق واللاحق ، لاحقها  بجسده الضخم المديد. وفِي محاولته لإمساكها.  هصرها بين راحتي يديه الضخمتين وحين فتح  يديه  لم تعد هناك منٌ الفراشة غير لطخة  زرقاء حمراء

- انجعصت

قال وقهقه ضاحكا:

افتعلت النوم الكذاب ، تناومت كعادتي  ،  أضع. البطانية على وجهي  لاستر عن الاخرينً دموعي لقد قلت لي ، قال لي  ليلتها وجهك البشوش الذي يطل علي  كل مساء من  تلك الفتحة الصغيرة من سقف الزنزانة :

يا ابراهيم  لماذا تركت فراشتي تموت ؟