في ذكرى انقلاب 8 شباط 1963

ثورة، 14 تموز

سبق لي أن كتبت في ذكرى انقلاب 8 شباط 63 وقلت في واحدة من المقاربات بأن ذكراها كما 14 تموز 58 تشبه الاحتفالات الدينية بذكرى عاشوراء حيث تصل العواطف الى أعلى مناسيبها وتتغلب على أي تفكير عقلي وتصبح أي ملاحظة مهما كانت منطقية وصادقة وحسنة النية ضربا من الاستفزاز الذي قد يستدعي ردود فعل قاسية وتمنيت لو أن هذا الحدث ينتقل من تجاذبات الشارع الى أروقة العلم ليتم تداوله وبحثه بعيدا عن الصخب والضوضاء التي تحرص بعض الأطراف السياسية إثارتها من أجل التوظيف السياسي لأنها لا تملك برنامجا أو فعلا حقيقيا تقدمه للناس فتلجأ كما هي العادة الى التاريخ لتبحث عن العوض فيه وفي هذا لا يختلف منتسب الحزب الشيوعي عن الآخر الإسلامي الذي ينبش في ذكريات ما يزيد عن ألف وأربعمائة عام فيعبئ الناس بظلامات تاريخية وفق نظرته ورؤاه .

وكما هو مألوف في مثل هاتين المناسبتين كل عام فإن الاستذكار يكون إما باستعادة الصورة الشعبوية عن السفرطاس وبيت الإيجار والدينار وربع التي تركها الزعيم مع أن هذه الحالة لم تكن يومذاك نادرة واستثنائية بل هي العادة الجارية لكل المسؤولين سواء في العراق أو البلاد العربية أو بضخ الكثير من الأساطير السياسية الساذجة التي تتداولها الأجيال التي لم تعاصر تلك الفترة ولا تملك الرغبة في البحث عن تفاصيلها في عصر العبارة المختصرة والمعلومة السريعة من قبيل أن الزعيم كان يرفض بيع النفط بغير الدينار العراقي وغيرها مما سنراه هذه الأيام .

ثم يصار بعد ذلك الى الأحكام القاطعة التي يراد ترسيخها في أذهان من ولد بعد أحداث تلك الفترة الزمنية بعقود من قبيل أذناب الاستعمار وعملائه ورواية القطار الأمريكي وغيرها هربا من أي تناول يبحث ويدقق في الأحداث والتطورات والسبب هو أن أي إعادة نظر ولو كانت علمية في فيها قد تحمل الطرف الآخر الشيوعي مسؤولية اتجاه الظروف السياسية نحو ذلك المنحى المأساوي الذي اتخذته وقد تنهض صورة مغايرة وغير مرغوبة من الوعي .

عندما يقرأ المرء ما يكتب اليوم عن تلك المرحلة وبالمناسبة في معظمة عاطفي سطحي فإنه سرعان ما سيجد أن فصلا من ذلك الكتاب قد سقط أو حذف عمدا حتى يستطيع من يرفعون لواء تمجيد عبد الكريم قاسم اليوم إستغلال الصورة النمطية التي يحاولون طبعها في ذهن أجيال ولدت بعده بعقود ثم الإختباء وراء هذه الصورة التي تختلط فيها الحقيقة بالأساطير وإن كان عبد الكريم قاسم هو المقياس والمعيار وبه يمكن أن يدان كل من عارضه وعاداه وإختلف معه فلماذا يقتصر الحكم على البعثيين والقوميين ولا يشمل الشيوعيين والحركة الكردية مثلا ولا يخفى على أحد بأن القطيعة قد أصابت العلاقة بين قاسم والشيوعيين منذ أن أدان الجرائم التي أرتكبوها في الموصل وكركوك بعد أن حقق غايته من نشاطهم ورماهم خلف ظهره وحتى عندما أرادوا قطف ثمار الخدمة التي قدموها في تثبت نظامه بإجازة حزبهم بعد تقنين الأحزاب رفض إجازة حزبهم وأشر بخط يده على طلب الإجازة : " إنهم عملاء " وأجاز مقابلهم حزبا شيوعيا كارتونيا كما ألقى في السجون العديد من ناشطيهم وحكم على بعض من ثبتت مساهمته في جرائم القتل والعنف السياسي التي قامت آنذاك بالإعدام ومن بينهم قياديين في الحزب وبعض كوادره العسكرية وقد جاء البعثيون الى السلطة فنفذوا فيهم أحكام محاكم الزعيم الطريف في هذا الجانب أن هناك من يرى محكمة المهداوي نموذجا للقضاء الثوري وأحكامها نموذجا للعدالة بينما أحكام المجلس العرفي العسكري كيدية وغير عادلة مع أن طبيعة المحكمتين استثنائية خاصة لا علاقة لها من حيث الهيئات والإختصاص بالقضاء العادي سواء كان مدنيا أو عسكريا وكلاهما تتبع الزعيم ورغباته وأوامره .

ومثل ذلك عن الحركة الكردية التي أطلقت تمردها على الدولة العراقية في أيلول 61 مع أن عبد الكريم قاسم وحكومته كانا أكثر حكومة عراقية من قبل ومن بعد رعت التمايز القومي بين العرب والأكراد وبذلت جهدا حثيثا لتحقيق المساواة وتلبية الطموحات القومية للأكراد في العراق وأعادت مصطفى البارزاني من منفاه البعيد والطويل .

وكثيرا ما رددت الأساطير السياسية العراقية بأن قانون رقم 80 لسنة 61 كان السبب الذي قاد الى إنقلاب 8 شباط 63 مع أن هذا الربط غاية في السطحية ذلك أنه يغيب الصراع السياسي المحتدم يومذاك وله أسبابه وجذوره فإن الانقلاب لم يمس القانون المذكور بأدنى شيء بل وقد وضع موضع التطبيق بعد مقتل عبد الكريم قاسم بسنوات وقد تم تناول الأمر في منشور سابق قبل عامين ولم يتم نقض القانون عمليا الا بعد الاحتلال عام 2003 من خلال صفقات واتفاقات الثنائي " نوري المالكي - حسين الشهرستاني " ومادامت إمكانات الربط بين الأحداث السياسية قائمة فلماذا لا يكون التحرك الكردي الذي تزامن مع مفاوضات قاسم مع شركات النفط هو الرد الحقيقي للأخيرة على محاولات قاسم انتزاع الحقوق العراقية خاصة وأن إرتباط الحركة الكردية بأطراف خارجية عديدة وفي مختلف العهود بات معروفا ومن بديهيات التاريخ السياسي العراقي .

تتباهى أدبيات الشيوعيين ومذكرات قادته بأمرين الأول أن المجموعة العسكرية المحيطة بعبد الكريم قاسم والتي كانت تملك بيدها زمام السلطة " كطه الشيخ أحمد وفاضل عباس المهداوي وماجد محمد أمين ووصفي طاهر وعبد الكريم الجدة " كانوا ينتسبون الى الحزب الشيوعي ويعملون في خلية خاصة يقودها سلام عادل قائد الحزب نفسه والثاني أن الحزب أو على الأقل جناحا فيه يقوده سلام عادل كان يفكر في إستلام السلطة وهناك تلاوم متبادل بين أطراف الحزب حول هذا الأمر الذي قطعه الاتحاد السوفييتي بسحب سلام عادل الى موسكو وابعاده عن العراق وادخاله في دورة إعادة تأهيل مذلة .
 وإذا كان عبد الكريم قاسم يرى بأن الجيش للعراقيين جميعا وهو فوق الميول والاتجاهات كما كان يعبر دائما في خطاباته فلماذا تم خرق هذه الخصوصية التي يراها للجيش بتنظيم المذكورين أعلاه في خلية خاصة في الحزب ومما لا شك فيه بأنهم كمنتسبين للحزب يأتمرون بأمره حتى بدون نقاش أو قدرة على الرفض والممانعة وما هو الدور الذي لعبه الحزب من خلال هؤلاء في التأثير على شخص قاسم ودفع الأحداث والصراعات الى مدى يراه ويريده الحزب وكيف يدان حزب البعث لأنه أقام تنظيماته في الجيش التي أطاح بها بنظام قاسم ويعتبر الأمر نفسه إنجازا يتباهى به بالنسبة للشيوعيين .

ترى إن كان الانقلاب على حكومة عبد الكريم قاسم جريمة فهل يحق للشيوعيين ما لا يحق لغيرهم ويصبح الأمر عاديا بل ومطلوبا وعدم إنجازه تقصيرا رغم أن السبب المانع كان خارجيا ومتعلق بتهديد حاسم وجهه الرئيس الأميركي جون كيندي لنظيره السوفييتي خروتشوف بأنه سيحرق بغداد إذا استولى الشيوعيون على السلطة حزبان كان يتصارعان على السلطة هما الحزب الشيوعي وحزب البعث ويتسابقان نحوها سوى أن الفرق بينهما أن الأول مقيد الإرادة والآخر حرها فعجز ذاك ونجح هذا وما كان الوضع ليتغير في المحصلة لو تبدل الحال وتبودلت الأدوار .

ماذا سيكون عبد الكريم قاسم في نظر الذين يرفعون راية تمجيده اليوم ولا أعني عامة الناس التي تستذكره بالخير بدوافع متعددة ومختلفة ولكن الطرف الأكثر إمعانا في محاولات الاستحواذ على ذلك الحدث التاريخي الهام والضخم في العراق وكأنه من صنع هذا الطرف مع أنه وعمليا لم يشارك فيه أي ضابط من المنتسبين له أو التخفي وراء شخصية عبد الكريم قاسم هربا من التقييم التاريخي لأخطاء وخطايا كبرى أو محاولة الحصول على تأييد الناس والتفافهم بإثارة غريزية لستر العجز عن عمل أو برنامج حقيقي يجمع الناس حوله خاصة وأن هذا الطرف ركب طائرة أو قطار أو دبابة أو همرات الاحتلال الأميركي العدو الموضوعي لقاسم وغيره من الضباط الأحرار وساهم بإدخال العراق في الكارثة التي يمر بها اليوم وبماذا كان سيوصف أو يقيم الإنقلاب عليه ودوافعه وأسبابه .

يضيق المجال هنا عن مناقشة كل الانتقادات التي توجه الى الأطراف الأخرى في الصراع السياسي العراقي وكأن أحدها في السلوك والممارسة وخاصة في جانب الاستحواذ على السلطة ومكاسبها وامتيازاتها واستخدام العنف السياسي في أقصى صوره لأن الأحزاب جميعها أبنة البيئة العراقية ووضعها السياسي وتاريخها وهي أقرب الى العصبيات العشائرية منها الى العمل السياسي كما أنها تنهل من قاعدة واحدة هي الطبيعة الشمولية الاقصائية " التكفيرية الإبدالية " لها جميعا وإن كان الاحتلال الأميركي قد ضبط حركة الجميع بعد تأسيسه العراق الجديد فإن فقدان الضوابط من أي نوع ووجود المبررات الكثيرة لدى كل حزب حتى لو كانت مختلقة وسخيفة يمكن أن تسوق لتبرير أي جريمة وقد أثبت التاريخ العراقي الحديث مع الإختلاف النسبي الطبيعي بين الأشخاص بأنه لا حزب يختلف عن آخر سوى أن أحدها يجد بين يديه مصادر القوة والآخر يفتقر اليها . 
في الصورة عفلق في بغداد وفي استقباله كامل الحكومة العراقية بكل أعضائها من مجلس السيادة ومجلس الوزراء ولم يتخلف عن الترحيب به أحد .