مشاريع عراقية تسابق التحالفات الانتخابية

قتل سبعة واصيب اكثر من مئتين في بغداد أول من أمس في صدامات بين قوات الامن وآلاف من انصار الصدر (أ ف ب)نور أيوب

بانتظار إقرار دمج انتخابات مجالس المحافظات بالانتخابات النيابية المقررة في نيسان 2018، لم تتبلور صيغة التحالفات السياسية في العراق بعد، حتى أنّ القانون الانتخابي لم يُبت به. ويطغى النقاش الدائر حول شكل القانون الانتخابي على المشهد السياسي والأروقة السياسية الداخلية، إذ سيحدد هذا القانون شكل التحالفات وطبيعتها.

ويأتي حراك «التيار الصدري» الأخير للمطالبة بتشكيل «مفوضية انتخابات وتغيير أعضائها وقانونها»، وهو ما وافق عليه رئيس الوزراء حيدر العبادي. وإلى أن تبصر «المفوضية» الجديدة النور، ومعها القانون الانتخابي الجديد، ليس واضحاً ــ إلى الآن ــ سوى المشاريع السياسية لبعض القوى.
مثلاً، إنّ مشروع «التسوية السياسية» الذي يروّجه رئيس المجلس الإسلامي الأعلى عمار الحكيم، يصبّ مباشرة في سياق حملته الانتخابية، لأن مشروع الحكيم السياسي هو «تحقيق مصالحة تاريخية بين مكوّنات الشعب العراقي من أجل إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، وترميم الثقة المفقودة بين مختلف الشرائح الاجتماعية»، وذلك في إطار الإعداد لمرحلة «ما بعد داعش».
مع ذلك، يبقى مشروع الحكيم، المتأرجح بين الدعم الخارجي والصد الداخلي، في إطار الحراك السياسي، فيما يستمرّ العمل على إجهاض ما سبق لأسبابٍ تعود إلى الرؤية الخاصة بمجمل القوى السياسية، وإلى صعوبة تحقّق مصالحة في ظل غياب تمثيل حقيقي للمكوّن السني.
مشروع آخر مطروحٌ بقوّة يقوده الجناح الآخر في «التحالف الوطني»، المتمثل في «كتلة دولة القانون» بزعامة نوري المالكي، وهو «الأغلبية السياسية»، أي السعي إلى حصر اللعبة ضمن دائرة القوى «الكلاسيكية»، وإعادة إنتاج أغلبية نيابية تعبّد الطريق للمالكي للعودة إلى قلب المشهد السياسي و«صناعة دولة رئيس الحكومة المقبل».
في مقابل المالكي، يتوافق مشروع زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر، مع المطلب الرئيسي للشارع، وهو «الإصلاح السياسي ومحاربة الفساد». ويأتي المشروع في سياق الصراع مع المالكي، إذ أعلن الصدر أكثر من مرّة رفضه عودة نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء. ويرى الصدر في الحراك القائم والمطالب بـ«تغيير المفوضية والقانون الانتخابي» باباً للحدِّ ــ قدر المستطاع ــ من عدد مقاعد المالكي وحلفائه في البرلمان. كذلك، يتقاطع مشروع الصدر مع مشروع رئيس كتلة «الوطنية» إياد علّاوي، الداعي إلى «الإصلاح وبناء الدولة المدنية وتحقيق العدالة الاجتماعية وتغيير نمط السياسة الحالية»، وذلك بالاستبدال بالوجوه السياسية أخرى «نظيفة» شبيهة بحكومة «التكنوقراط» الحالية.
أما العبادي، فله مشروعه الخاص بالبقاء في رئاسة الحكومة لولاية ثانية وبناء تحالفٍ يخوّله لذلك، لكنه يصطدم إلى الآن بأمرين: الأوّل مقبولية البقاء في المنصب لدى القوى المختلفة، والثاني الطرف الداعم والمؤيّد لذلك. فالعبادي، بإجماع الفرقاء العراقيين، هو «خيار المرحلة»، أو «خيار اللاخيار»، فيما يعوّل هو على «الانتصارات على تنظيم داعش» التي حُقّقت في عهده، والدعم الخارجي له ــ تحديداً الأميركي والبريطاني على ما يبدو ــ لكن ذلك كله مرهونٌ بمن زكّاه من خلف الكواليس. هنا تعبّر مصادر سياسية رفيعة، في حديث إلى «الأخبار»، عن «التململ من الارتهان الخارجي»، الأمر الذي أدّى إلى سحب الدعم عن العبادي وتركه في ساحة الصراع والبحث عن حليف.
على جهة مقابلة، لم تطرح أطراف المكوّن السنّي حتى الآن أي مشروع واضح في ظل غياب قيادةٍ حقيقية تعكس تطلعات شرائحه، لكن ما يدور في الكواليس يشي بنيّة لولادة قيادة جديدة، وهو مسعى رجل الأعمال خميس الخنجر، إلى إعادة ترتيب «البيت السني الداخلي»، ولملمة وجوهه المتناثرة في محيط العراق، مدعوماً من بعض قيادات «البعث» والعشائرية.
بالتوازي مع ذلك، لم يتضح الموقف الكردي من الانتخابات بعد، خصوصاً مع رفض زعيم الإقليم مسعود البرزاني، خوض الغمار الانتخابي، إضافةً إلى خلافاته الحادّة مع باقي القوى الكرديّة، والنقمة الشعبية على أدائه، في ظل حديثٍ عن فساد مستشرٍ في دوائره الضيقة وصل إلى حدّ مئات ملايين من الدولارات.
وتخلص المصادر المتقاطعة، التي قدّمت هذه المطالعة للمشهد السياسي العراقي المتقلّب، إلى أنه إلى الآن «الحراك غير فعلي بسبب افتقاد البلاد القانون الانتخابي... فالتحالفات لن تحسم قبل إقرار القانون»، مضيفةً أن «القانون الجديد، الذي سيعرض للتصويت على البرلمان، قد يقدّم الكتل الكبيرة على الصغيرة، أو العكس، وسيكون مقدّماً للبحث بشكل التحالفات وتركيبها».
وفي ظل صراع المشاريع الحالية، فإن حراك مختلف القوى يهدف إلى «رفع السقف التفاوضي للتحالفات المقبلة». وتستشهد المصادر بأن «العبادي يناور حالياً ويطرح أمام مقرّبيه إنشاء حزب جديد، أو قائمة جديدة ليرفع سقف المفاوضات داخل دولة القانون»، وذلك في وقتٍ يحاول فيه الصدر وعلّاوي تقريب وجهات النظر، ومحاولة إنتاج تحالفٍ «عابر للطوائف».
وترى مصادر مطّلعة أن حراك الصدر هدفه «إثارة انتباه معظم الكتل النيابية بشعار الإصلاح، وقوّة القاعدة الشعبية، لتجييرها لمصلحته في مواجهة المالكي»، فيما تصف مصادر منشقة عن «التيار الصدري» أن «شتاتاً كبيراً يسود التيار، الأمر الذي يعني أن مقتدى لن يجازف أكثر، خصوصاً أنه في أحسن الظن لن يتجاوز عدد مقاعده 25 مقعداً».
لذا، تبدو خيارات الصدر محدودة بين علّاوي والعبادي: الأوّل لتقاطع الرؤية السياسية «الحالية»، ورغبة علّاوي في العودة رئيساً للوزراء، إلى جانب قوّته المالية في تمويل الحملة الانتخابية، أما الثاني، فلرغبة العبادي في البقاء رئيساً للوزراء والبحث عن حليفٍ ذي شعبيةٍ قوية، وهو بذلك يستطيع تجيير الأصوات له، خصوصاً أن الصدر لا يزال على اتصال غير مباشرٍ بالمرجعيات الدينية، ومحافظاً على علاقته معها، على عكس جميع السياسيين. هذا أمرٌ يدركه العبادي جيّداً للبقاء في منصبه، لكن ما هو مستبعد تركيب تحالف ثلاثي بين الصدر ــ علّاوي ــ العبادي، لرغبة الأخيرَين في رئاسة الوزراء، ما قد يدفع العبادي إلى العودة إلى «بيت الدعوة» حيث تشتعل راهناً منافسته مع الأمين العام للحزب، نوري المالكي.
هنا تحديداً تلفت مصادر مطّلعة إلى أن مصلحة الصدر تقتضي التحالف مع العبادي، والعودة به رئيساً للوزراء لإمكانية الضغط عليه، وهو أمرٌ قد يفشل به مع علّاوي. أما الحكيم، فسيكون حليفاً مع المالكي، إلى جانب بعض قيادات «الحشد الشعبي» وفصائل «المقاومة العراقية».
أمام هذا المشهد المعقّد، يقرّ الجميع بضعف الدولة وهشاشة الحكومة، ما يشير إلى النية بابتزاز الشارع بمختلف ألوانه، ما سيؤدّي لاحقاً إلى تهديد سلامة العملية الانتخابية نفسها.

الاخبار