سماتُ الاستشراق (الصهيوني) التقليدي عند برنارد لويس

برنارد لويس وكيسنجر

أسعد أبو خليل

لم يحدث أن احتلَّ أكاديمي المرتبة الرسميّة والشعبيّة المرموقة التي احتلّها برنارد لويس في أميركا. وقد تزامنَ موت لويس (بمسافة أيّام) مع وفاة ريتشارد بابيبس (الذي شغل لعقود كرسيّ تدريس التاريخ الروسي في جامعة هارفرد) لكن رد فعل الإعلام والسياسة للوفاتيْن لم يكن متماثلاً أبداً. وزير الخارجيّة الأميركي، مايك بومبيو، رثى بنفسه برنارد لويس في رثاء خاص وتحدّث عن تأثّره بكتاباته، فيما صدرَ رثاءٌ رسميّ عنه من رئيس الوزراء الإسرائيلي. ورغم أن بايبس كان بالغ التأثير في إدارات أميركيّة متعاقبة، وترأس «فريق باء» في الاستخبارات الأميركيّة عام ١٩٧٦، وترأسَ دائرة الشؤون السوفياتيّة في مجلس الأمن القومي في عهد رونالد ريغان، فإن تغطية الإعلام لوفاته لم تصل إلى درجة تبجيل برنارد لويس في المؤسّسات الأميركيّة النافذة (الرسميّة منها والخاصّة). «نيويورك تايمز»، على غير عادتها، تريّثت قبل نشر مرثيّتها عن لويس، ربّما لأنها تأنّت في صياغتها بسبب تدهور سمعة لويس عبر العقود في بعض الأوساط الليبراليّة خصوصاً بعد غزو العراق في ٢٠٠٣، إذ كان من أشدّ مؤجّجيه. 

يمكن الفصل بين حقبتيْن في حياة برنارد لويس: مرحلة التدريس الجامعي في بريطانيا، ثم مرحلة انتقاله عام ١٩٧٤ إلى جامعة برنستن حيث درّس هناك حتى تقاعده. في المرحلة الأولى من مسيرته، كان لويس أقرب إلى المستشرق التقليدي المعادي للعرب، وكانت كتاباته تاريخيّة تتسم بالبحث والتمحيص والتوثيق الدقيق (تمكن ملاحظة ذلك في كتابه عن «انطلاق» تركيا الحديثة، الذي اعتمد فيه على الأرشيف العثماني)، رغم استنتاجاته السياسيّة الخاصّة به. وكان يكتب بأسلوب الاستشراق التقليدي الأخّاذ، الذي يتسم بمسحة أدبيّة وبلاغة وتدقيق لغوي. يختلف هذا الأسلوب عن أسلوب علم الاجتماع المعاصر الذي يدفعه تدريب «الجارغن» ــ أي اللغة الأكاديميّة المكتسبة ــ للوقوع على الأذن مثل وقع قراءة تقارير حكوميّة عن إنتاج القمح. هناك متعة خاصّة في قراءة كتب الاستشراق التقليدي لا تخفى على مَن غرفَ ويغرف منها. لكن كتب لويس عن العالم العربي لم تتمتّع بسعة معرفة أمثال جاك بيرك أو فيليب حتّي أو ماكسيم رودنسون. الأخيران كانا متميّزيْن من حيث قدرتهما على متابعة شؤون العالم العربي المعاصر مع تبحّر في التاريخ القديم. لويس لم يتحرّر من الإرث التاريخي القديم، وكان جاهلاً في شؤون العالم المعاصر. وكان عداء لويس للعرب والإسلام واضحاً في المرحلة الأولى، حيث أشرف على أطروحات العديد من المؤرّخين الشباب (مثل كمال الصيلبي، الذي كتب تاريخ لبنان المعاصر بطلب من لويس ــ ومن الطبيعي أن يكون لويس مهتماً بتاريخ قُطري وانعزالي ــ لا تاريخ عربي جامِع).

في المرحلة الثانية من حياته قلَّ إنتاج لويس الأكاديمي وتحوّل إلى داعٍ سياسي صفيق ومباشر


في المرحلة الثانية، قلَّ إنتاج لويس الأكاديمي البحثي وتحوّل إلى داعٍ سياسي صفيق ومباشر، ولم تكن كتبه في تلك المرحلة إلا إعادة تجميع لمقالات قديمة منشورة وطبعات جديدة «منقّحة» لكتبه القديمة. وتعرّفَ لويس مبكراً في مرحلته الأميركيّة إلى السناتور «سكوب» جاكسون (زعيم الصهاينة في الكونغرس على مدى عقود) وأصبح عميداً لما عُرف بـ«المحافظين الجدد»، أي إن نفوذ لويس السياسي سبق حصوله على الجنسيّة الأميركيّة في ١٩٨٢. ولم يكن نفوذُه السياسي محصوراً فقط بالحكومة الأميركيّة بل كان شديد الالتصاق بالحكومة الإسرائيليّة (ترجمت وزارة حرب العدوّ كتاباً له، كما أن غولدا مئير كانت تفرض على وزرائها قراءة كتابات له). وكان وثيق الصلة بالملك حسين وشقيقه الأمير حسن (لكنه سخرَ من «عادة» الأردنيّين في تناول الطعام باليديْن) (1)، كما أن مستشار السادات، تحسين بشير، مرّرَ له عام ١٩٧١ رسالة من أنور السادات إلى حكومة العدوّ عن نيته إقامة سلام معه. وكان الطاغية العسكري التركي، كنعان افرين، يعقد جلسات إفراديّة معه عندما كان يزور واشنطن. هو فتحَ علاقة مع النظام الليبي في مرحلة انفتاح القذّافي على الغرب، قبل قلبِ نظامه من قبل الغرب. ونفوذ لويس السياسي بالغ إلى درجة أنه رفع بوساطته مِن مرتبة عرب اقتربوا من إدارات أميركيّة متعاقبة، مثل فؤاد عجمي وأحمد الجلبي وكنعان مكيّة، وهو الذي ــ كما أخبرني إدوار سعيد في حينه ــ كان وراء دعوة صادق العظم إلى برنستن في زيارة تدريسيّة فقط لأنه هجا سعيد (وكان لويس دائم الاستشهاد بالعظم ضد سعيد). وفي إدارة جورج دبليو بوش، اقترحَ لويس على مجلس الأمن القومي تعيين تلميذه السابق، مايكل دوران، مسؤولاً عن الشرق الأوسط فيه، وتمَّ له ذلك.
يتسم الاستشراق الصهيوني لبرنارد لويس بعدد من الصفات المتلازمة، يمكن تلخيصها في ما يلي:
1) مركزيّة التحليل الاختزالي الإسلامي، وشخصنة الإسلام. هذه سمة من عناصر الاستشراق الغربي الذي أطلق عليها ماكسيم رودنسون مصطلح «ثيولوجوسنترك»، أي التحليل الذي ينحاز للتفسير الثيولوجي الإسلامي (2)، الذي يرفض الأخذ في عين الاعتبار صوابيّة التحليل المادّي أو تأثير الغرب على العرب والمسلمين. ردُّ كل مظاهر الحياة عند المسلمين إلى أن الإسلام هو دوغما متحجّرة. الإسلام عند لويس هو شخص، وهو كل شيء: تكفي مراجعة بعض عناوين كتبه، مثل «الإسلام والغرب» و«الرق في الإسلام» و«أزمة الإسلام» «ما خطب الإسلام» و«لغة الإسلام السياسيّة»... إلخ. ويقول لويس في أكثر تعبير صراحة عن منهج دراسته الراسخ: «عند المسلمين، الإسلام ليس نظام إيمان وعبادة، أو مقصورة من مقصورات الحياة... بل هو الحياة كلّ الحياة» (3). لكن ماذا يعني ذلك، وكيف يُطبّق في الدراسة الأكاديميّة؟ كيف يكون الدين ــ أي دين ــ طاغياً على كل جوانب الحياة، السياسيّة منها والقانونيّة والخاصّة؟ تجد مثلاً في بحث قيّم لجيمس بيسكاتوري أن الشريعة، حتى في إيران والسعوديّة، لا تحتلّ كل القوانين النافذة في البلاد (4) بل إن البلدين المعنيّيْن أدخلا عناصر قانونيّة لا علاقة لها بالشريعة. والكليشيه أنه عند المسلمين ــ كل المسلمين، بصرف النظر عن الجغرافيا وطبيعة الحكم ــ لا فصلَ بين الحياة الدينيّة والمدنيّة ترسّخَ في أذهان ملايين الدارسين والدارسات الذي مرّ تحت أنظارهم كتاب لويس القديم المُقرّر (الذي لا يزال مستعملاً في الجامعات الغربيّة): «العرب في التاريخ».
ولا يستطيع لويس أن يحلّل المظاهر السياسيّة والثقافيّة عند العرب والمسلمين من دون الاستشهاد والركون إلى نص ديني قديم، وقد يعود هذا لجهله بالتاريخ العربي والإسلامي المعاصر. عاشَ لويس أسير قراءاته التاريخيّة القديمة، ولم يخرج منها في تحليلاته عن عالم معاصر. ويظهر ذلك جليّاً في مقالة بعنوان «العودة إلى الإسلام» (أين كان الإسلام قبل عودته؟) في مجلّة «كومنتري» الصهيونيّة. (5) وهذه المقالة أطلقته في الثقافة الأميركيّة والغربيّة العامّة. ويربط فيها كل الظواهر والأحداث ربطاً دينيّاً خالصاً. ويقول عن علاقة ياسر عرفات (بعد أن يستفيض في المغزى الديني لاسم «أبو عمّار»، مع أن عرفات شرح أن مساهمته في «الإعمار» لها علاقة بالكنية الحركيّة) بالخميني أن ذلك ينبع من رابط إسلامي ديني بين الرجليْن. لكن بعد طبع المقالة في عدد من كتبه التي تُجّمع مقالاته، أضافَ في سنوات لاحقة على تحليله المذكور جملة «بعد ذلك، افترق الاثنان»، كأن هذه الحاشية لا تنسفُ كل التحليل المربوط. ويصرّ لويس على أن الروابط بين المسلمين تعلو على أي روابط أخرى: لم يلاحظ الحرب العراقيّة ــ الإيرانيّة، ولم يلاحظ على مدى القرن الماضي والحالي تحالف مسلمين مع غير المسلمين ضد مسلمين آخرين. وفي قراءته «فلسفة الثورة»، لا يرى إلا الإسلام، ولا يعير لقوميّة عبد الناصر العربيّة اهتماماً (لا بل يربطه بـ«الإخوان المسلمون»).
وهوس لويس برد الظواهر السياسيّة إلى أمور دينيّة دفعه إلى واحدة من فضائح إنتاجه في حقل النيوميرولوجيا، إذ هو طلع في ٢٠٠٦ بمقالة في «وول ستريت جورنال» توقّع فيها أن تدمّر إيران إسرائيل والعالم في يوم ٢٢ آب (أي ما وافق ٢٧ رجب حسب التقويم الإسلامي) (6). لكن توقّع وتحليلات لويس كانت تلقى الآذان على أعلى المستويات في البيت الأبيض، وكان ديك تشيني ودونالد رمسفلد يستشهدون به. لكن مكانة لويس عانت الكثير في الأوساط الأكاديميّة الرصينة. المؤرّخ في جامعة كولومبيا، ريتشارد بليت، كان يقول عنه: «هو يحتقر العرب». هذه هي القصّة.
2) مركزيّة البناء على الجذر اللغوي عند العرب. يصرّ لويس في تحليله السياسي أن يأخذ كل مصطلح أو كلمة ويردّها إلى جذرها الوارد في «لسان العرب». وكتاب لويس «اللغة السياسيّة للإسلام» من أسوأ كتبه على الإطلاق. والعنوان لا معنى له: وهل أن المسلمين ينطقون بلغة واحدة؟ وهل نتحدّث عن اللغة السياسيّة لليهود؟ لكن هو يرى أن المسلمين كتلة متراصّة لا خواص ذاتيّة لهم، كما يبدون في لوحة «الجامع» لرينوار. وإصراره على الجذر اللغوي يعيده إلى عالم النياق والصحارى، وهذا كان من جملة ما أغضب إدوار سعيد عليه في «الاستشراق». والهوس بالجذر اللغوي يبلغ حدّه عن لويس في ربط الحياة العاديّة للناس فيقول إن الحريّة عصيّة على العرب لأن مفهوم الحريّة تاريخيّاً بالعربيّة كان يعني «غير العبد» (كأن المعنى في لغات أخرى لم يعنِ ذلك). هذا كأن تقول إن مصطلحات الجنس في اللغات الغربيّة، وهي حديثة نسبيّاً، تعني أن الغربيّين لم يمارسوا الجنس قبل أن يجترحوا مصطلحات عنه. ويبدي لويس استغرابه لأن بعض الكلمات مثل «الدولة» فقدت معانيها الأصليّة كأن ذلك حكرٌ على اللغة العربيّة. (7)
3) لهجة السخرية والعداء للعرب والمسلمين. تتصف لغة لويس في كتاباته ــ حتى تلك التي تبدو أنها رصينة في الحقبة الأولى من إنتاجه ــ بالكثير من العدائيّة والعنصريّة غير المكبوتة ضد العرب. هو الذي قال لجورج بوش (الذي عمل بصفة مستشار «رفيع» له) إن لغة القوّة هي اللغة الوحيدة التي يفهما العرب (8)، وإن شعب العراق «سيبتهج» لغزو بلاده من الأميركيّين. ويجد لويس أوجه مقارنة بين ألمانيا النازيّة ووضع غير المسلمين في التاريخ الإسلامي (9) (لا يُجملُ في التعميم عن وضع المسلمين في الحضارة الإسلاميّة ــ بصرف النظر عن الجغرافيا والزمان ــ إلا الجاهلين بالتاريخ أو المُغرضين). وفي النسخات الأولى لكتاب «العرب في التاريخ»، كان لويس يتلذّذ في ذكر أن كل الفلاسفة في الحضارة الإسلاميّة كانوا من أصل غير عربي (باستثناء الكندي طبعاً). لكن ما معنى هذه الملاحظة إلا تحقير العنصر العربي جينيّاً، في سياق حضارة كان ينتمي إلى حضارتها (بالمعنى الثقافي) أفرادٌ من أصول وجذور وأديان مختلفة (باعترافه)؟ ولا يجد لويس غضاضة من تناول موضوع «العقل العربي» (ومفاصلته مع «العقل الغربي» (10)، ويرد هذا الذكر في كتابه «الإسلام والغرب»). يقول إن العقل العربي (هذه المقولات وجدت طريقها إلى الكتاب العنصري المعروف، «العقل العربي» للمؤلّف الإسرائيلي رافائيل بتاي) يتصف بـ«ذريّته»، أي عجزه عن ربط الظواهر، وبانفصال عناصر معرفته. ويعود بأصل ذلك إلى القصيدة العربيّة القديمة وأن أبياتها كانت مستقلّة ذاتيّاً، بعضها عن بعض. أذكر أن أستاذ الفلسفة في جامعة هارفرد، محسن مهدي، حدثّني عن ذلك قبل سنوات وقال إن فرضيّة لويس غير صحيحة (وليس فقط عنصريّة) حتى في ما يتعلّق بوحدانيّة القصيدة العربيّة القديمة. قال إن دراسات جديدة من مستشرقين جدد تثبت أن القصيدة لم تكن كما افترض جيلٌ سابق من المستشرقين عنها. وليس الأمر مسألة عداء عابر عند لويس، بل هو يعتنق أيديولوجيّة عداء ضد الإسلام والمسلمين وتحمل في طيّاتها نفس عناصر أيديولوجيّة العداء ضد اليهود: هو يشتبه في مؤامرة إسلاميّة دائمة (يربط دوماً بين الكل: المسلمين)، ويرى في المسلمين أمّة متراصّة تتحرّك على أنغام الجهاد الحربي (لا معنى للجهاد عنده إلّا الحرب المقدّسة)، وهو لا يأخذ في تحليله أن تغييراً يحدث في عوائد المسلمين.

رغم أن كتاباته القديمة كانت محشوّة بالمراجع الموثّقة، فإن اللاحقة مضحكة في نوعيّة توثيقها


4) ضحالة وضآلة البحث والإسناد في كتاباته عن العالم العربي المعاصر. تغيّرت طبيعة الإسناد والتوثيق في مؤلّفات لويس في مرحلته الثانية، خصوصاً عندما يتحدّث عن التاريخ العربي المعاصر. لم يعد يكترث لوضع مراجع موثوقة لتعميماته المطلقة عن العرب والمسلمين. وحتى في تاريخه عن العرب تجده يستشهد بوثيقة عن الإسماعيليّة ثم يضيف: «إن الوثيقة غير صحيحة على الأرجح» (11)، لكن إذا لم تكن صحيحة لماذا تستشهد بها؟ لكن هذه هي عادته: التفتيش عن كل قول غريب ومتعصّب عند المسلمين والتعامل معه على أنه يمثّل الأمّة الإسلاميّة ــ كأنه كان هناك في الماضي أمّة إسلاميّة متراصّة في تاريخ عرف تضاد الخلافات ــ برمّتها. لويس هو «ميمري» قبل أن تتأسّس ميمري على يد مسؤول «سابق» في المخابرات الإسرائيليّة السابقة (وهذه المؤسّسة تترجم الغريب والكريه في الإعلام العربي لتمدَّ به حكومات وإعلام الغرب). ولهذا تعامل لويس مع أسامة بن لادن مبكّراً على أنه بمنزلة الإمام الغزالي عند المسلمين المعاصرين (12). 
رغم أن كتابات لويس القديمة كانت محشوّة بالمراجع الموثّقة، فإن كتاباته اللاحقة كانت مضحكة في نوعيّة توثيقها. يمكن مثلاً مراجعة كتاب «الإسلام والغرب» (وهو من الكتب المدَرّسة على نطاق واسع)، فهو يستشهد بقول مسلم ما (لم يذكر اسماً له) وفيه يدعو إلى ممارسة تعدّد الزوجات «تحت حكم المسيحيّين». (13) وينتقد لويس في الكتاب فكرة عامّة لدى المسلمين، ثم يأخذك المرجع إلى «رسالة إلى المحرّر» في «نيويورك تايمز». (14) وفي موقع آخر، يذكر مرجعاً هكذا: «وقعتُ أخيراً على مقالة في جريدة كويتيّة» (15)، من دون ذكر اسم الجريدة أو اسم صاحب المقالة. وهو يذكر مقولة للخميني من دون ذكر مصدرها (وهذا نفس الكاتب الذي يعطي عادة مصدراً حتى للأحاديث النبويّة (16)). ولا يتورّع لويس عن الاعتماد على «الإشاعة» (17)، كمصدر لتعميماته، وفي موقع آخر مصدره هو شخص «صادفته وأنا أتسوّق» (18). لا، وهو يسوّغ الاستعانة بنكات (يقول لحضوره إنها شائعة بين المسلمين) كمصادر عن الرأي العام العربي لأنه ليس هناك من استطلاعات رأي بين العرب. لهذه الدرجة بات لويس يجهل العالم الذي يدرسه، والذي بات المستفيد الأكبر من صناعة دراسته الغربيّة.
كتابات لويس تجاوزها، تأريخيّاً وأكاديميّاً، الزمن. خذ مثلاً كتابه «اكتشاف المسلمين لأوروبا»، فيه يعيد تعميم فكرة أن المسلمين لم يبدوا أي اهتمام أو حشريّة بالغرب لأنه غير مسلم بسبب عقدة تفوّقهم المتعصّبة. لكن سلسلة من الكتب الحديثة للأكاديمي الفلسطيني، نبيل مطر، تدحض ذلك وفيها الكثير عن اختلاط في القرنيْن السادس عشر والسابع عشر بين أناس العالميْن الإسلامي والمسيحي. (19) وقع لويس في خطأ تاريخي فاضح عن أن المسلمين لم يهتمّوا بدراسة العالم غير المسلم إلا في القرن التاسع عشر. والغوص في الأرشيف الهندي والإيراني من قبل باحثين وباحثات جُدد ساهم في توضيح الصورة.
أصبح لويس كاريكاتوراً عن المستشرق التقليدي في السنوات الأخيرة. هو بات صريحاً في دعواته إلى استعمال العنف ضد العرب والمسلمين: «على الغرب أن يدافع عن نفسه بكل الوسائل المتاحة» (20)، ويقبل تشبيه العرب بـ«الأطفال المصابين بمسّ». (21) ولويس على قناعة أن محرّك العرب السياسي هو الانتقام من الحروب الصليبيّة التي تؤرّقهم، كما يؤرّقهم غياب الخلافة. لكن تحليلاته عن العالم العربي المعاصر لا تتناسق. فهو ينسب كل الظواهر السياسيّة عند العرب إلى الإسلام (والمسيحيّون العرب لا ينجون من تعميماته فهم كلّهم ــ من جورج حبش إلى قسطنطين زريق ــ تتحكّم فيهم نوازع طائفيّة محض)، لكنه ينسب «أمراض» العالم العربي إلى تاثّر العرب المعاصرين وحركاتهم السياسيّة بالنازيّة والأنظمة الشيوعيّة في أوروبا الشرقيّة. وفي كتابه الأخير، يُعلم لويس قراءه أن «الكراسي ليست من تقاليد أو ثقافة الشرق الأوسط». (22) كلّما كانت إخباريّات لويس عن موضوع دراسته غريبة، انجذب إليه جمهوره الغربي المتعطّش دائماً إلى أخبار غرائب وعجائب من الشرق العربي.
لا يمكن التقليل من أهميّة ونفوذ وتأثير برنارد لويس في الثقافة السياسيّة للإمبراطوريّة الأميركيّة. في مقالته الشهيرة في مجلّة «اتلانتك» (23)، صاغ لويس مقولة «صراع الحضارات»، التي ذهب بها سامويل هانغتتون بعيداً في مقالة له (ثم في كتاب) عن خطورة التماس مع «الحضارة الاسلاميّة». حفظ هنتغتون فضل لويس عليه ذلك. لكن لم يكن لويس مُحرِّكاً لسياسات وحروب الإمبراطوريّة بقدر ما كان مرّوجاً لها بين النخبة والعامّة. وكتبه الأخيرة كانت نادرة الحظوة لأكاديمي لأنها بقيت على قائمة «الكتب الأكثر مبيعاً» في «نيويورك تايمز». هو حضّ الغرب وإسرائيل على مواجهة العرب بالقوّة المفرطة لأن لا وسيلة أخرى تنفع معهم. وتشخيصاته عن المجتمع العربي لم تكن تحيد عن تشخيصات رافايل باتاي (أو فؤاد عجمي فيما بعد) في تحديد أمراض نفسيّة جماعيّة للعنصر العربي. وهذه التحليلات تفيد الإمبراطوريّة لأنها تبرِّئ عن قصد سياسات وحروب واحتلال الغرب وإسرائيل في الشرق الأوسط. سيبقى للويس موقعه، لكن لن يكون كما أراده: سيُذكر لويس في دراسات نقد الاستشراق التقليدي أكثر بكثير مما سيُذكر في دراسات عن الشرق الأوسط.

مراجع
(1) «ملاحظات على قرن: تأمّلات مؤرّخ للشرق الأوسط»، ص. ٢١٧. 
(2) راجع كتاب رودنسون، «الافتنان بالإسلام». 
(3) راجع كتاب جيمس بيسكاتوري، «الإسلام في عالم الدول القوميّة». 
(4) «الإسلام والغرب»، ص. ٤. كل الترجمات الواردة هنا هي ترجمتي عن الأصل الانكليزي لكتبه. 
(5) صدرت المقالة في يناير/ كانون الثاني ١٩٧٦. 
(6) راجع مقالته «٢٢ آب»، «وول ستريت جورنال»، ٨ آب، ٢٠٠٦. 
(7) راجع مجلّة «نيووزويك»، ٣١ آذار، ١٩٧٦. 
(8) «لغة الإسلام السياسيّة»، ص. ٩٦ 
(9) «يهود الإسلام»، ص. ٣. 
(10) «الإسلام والغرب»، ص. ١٠٤.
(11) «العرب في التاريخ»، ص. ١١٧. 
(12) راجع مقالته: «رخصة للقتل: إعلان أسامة بن لادن للجهاد»، مجلّة «فورين أفرز»، نوفمبر-ديسمبر، ١٩٩٨. 
(13) «الإسلام والغرب»، ص. ٥٥
(14) المرجع نفسه، ص 100. 
(15) المرجع نفسه، ص. ١٢١. 
(16) المرجع نفسه، ص. ١٥٨. 
(17) المرجع نفسه، ص. ١٥٢. 
(18) المرجع نفسه، ص. ٥٧. 
(19) راجع كتابيْ نبيل مطر: «الإسلام في بريطانيا» و«الأتراك والمور والانكليز في عصر الاكتشاف». 
(20) «أزمة الإسلام»، ص. ٣٢ (من المقدّمة).
(21) «ملاحظات على قرن»، ص. ٢٢٧. 
(22) المرجع نفسه، ص. ٢١٨. 
(23) «جذور الغضب الإسلامي»، أيلول ١٩٩٠.

*كاتب عربي (موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)

الأخبار