من المنتصر؟!

رعد أطياف

من مزايا صدام حسين "وعطاياه" لعائلتي، أنه حرمني من رؤية والدي وإنا أبن ثلاثة أعوام. لقد تفنّن صدام في تعذيب والدي وتذويبه بحامض التيزاب. غطس والدي في حوض البانيو المملوء بهذا الحامض المركّز فاحترقت جثته بثوانٍ معدودة واختفت من هذا العالم دون أن تبقى ذرة واحدة شاهدة على هذا العصر. كثيراً ما كان يخيفني سؤال الناس عن صورة والدي وكنت أجهل عن ماذا يتكلمون. بعد بلوغي سن الرشد سمحت لي والدتي، التي كانت مختبراً للأمراض، بالاطلاع على صور والدي، وكان يشبهني كثيراً، وأغلب الناس كانت تعرفني من خلال الشبه الذي يجمعنا. عاصرتُ حقبة صدام ورأيت ماذا حلّ بهذا البلد من رعب وويلات ومقابر جماعية اكتشفناها فيما بعد. والغريب إنّي لم تتولد عندي روح الانتقام أو التشفي، ليس لأني جبان!، (وحدهم الجبناء من خبروا روح الانتقام)، وليس لأن صدام شخص ماتت روحه منذ سنين، وإنما روحي لم تألف الانتقام يوماً ما، لأن الانتقام لا يرطب أرواحنا التي جفّفها الحزن والفقدان. لقد رأيت صدام وهو معلّق من رقبته، في مشهد من أكبر المشاهد صدمة في تاريخنا السياسي المعاصر، فارتجفت قدماي وبقيت مبهوتاً؛ كيف لمثل هذا الكائن أن يموت؟!. مات صدام حسين في لحظات حرجة من تاريخنا، ومات معه شعب بأكمله، وبقيت أحلم في تكوين عائلة لأرى نفسي في لحظات الأبوة ولكي "أتقمّص" روح والدي التي بقيت عطشى لهذه الغريزة القاتلة!، لأنني أعلم - بعد أن أصبحت أباً- إن والدي في لحظات الموت كان مهموماً بأطفاله الذين لم يستمتع بمشاهدتهم. إن ملامح ابنتي الصغيرة تحيل العالم إلى لحظة عصيّة عن الوصف وأنا أنوب عن والدي، في هذه اللحظة العابرة لكل أشكال التعبير، فيتكوّن لابنتي روحين تحرسهما: روح والدي (جدها)، التي قطع عليها الطريق صدام حسين للفوز بنعمة الأحفاد، وروحي المفعمة بالرحمة والشفقة، ليستنشق من خلالهما رائحة أحفاده السحرية. لقد كرّمت الحياة صدام حسين أن يكون جداً وينعم بدفء أحفاده، وإنا من هذه الناحية لا أحسده أطلاقاً، وأتمنى لأحفاده أن يعيشوا حياة هانئة، وأتمنى أن لا يطالهم الأذى، وأتمنى لهم أن يسلكوا طريق السلام. منحتني الحياة وردتين يخترق عطرهما روحي المفعمة بالغبطة والسرور من أجلهما وهما ينعشان أشواقي القلبية. (ومنح الحياة كثيرة ولا تقتصر على منحة الانتقام!). لقد وهبتني الحياة أكثر مما وهبت صدام حسين من ناحية أخرى، وهبتني معلمين وأصدقاء وعائلة جميلة تعوض روح " اليتيم"!، ووهبتني فرصة ذهبية لأكفّر خطيئتي وأغدو والداً!، فاختَزَلَتْ لي رحلة الألم والبؤس لأنتصر في النهاية على ما حرمني إياه صدام وحرم خلقاً كثيراً من هذه الغبطة. وحده الحب في هذه اللحظات العجاف يبرئ الجروح وينعش الأرواح المعذبة بهمجية الانتقام والتشفي، لأن الانتقام لا يستعيد لنا من أيتم عوائلنا. لقد أعطت الحياة صدام حسين قبراً من مرمر يقصده "محبوه"( فالمرء لا ينسى أرباب نعمته)، ومنحتني الحياة قلباً نابضاً علمني: إن الحياة بلا حب تغدو غصة مؤلمة، وإن روح الانتقام ستعيد إنتاج نفسها فيما لو وجدت الحاضنة المناسبة لها، وسيحيلنا الانتقام إلى طغاة جدد.