دحض الدعاية الصهيونيّة في وثائقي محطة «العربيّة»: نبذة عن النكبة [٢]

أسعد أبو خليل

بوقاحة، يزعم الوثائقي-الدعائي، الذي بثّته «العربيّة» في حلقتيْن، أن وصول مهاجرين يهود إلى فلسطين في الثلاثينيّات قد «منح الاقتصاد دفعةً جديدة». لكن أي اقتصاد هو هذا؟ هناك كان -ولا يزال - اقتصاد لدولة ومجتمع الاحتلال، وهناك - في الجانب الآخر - اقتصادٌ منفصلٌ آخر للشعب الواقع تحت الاحتلال. وفي نفس المدة التي يتحدّث عنها التقرير، زاد الفقر في أوساط الشعب الفلسطيني لأنه كان يُطرد من أرضه في الرّيف عندما يتملّكها يهود، وكان المهجّرون من الريف الفلسطيني يواجهون «العمل العبري» (أي المقاطعة الصهيونيّة الصارمة لتوظيف عمّال عرب في المنشآت الاقتصاديّة اليهوديّة) في المدن. لم يعمّ أي نفع اقتصادي للعرب من الهجرة اليهوديّة، على عكس ما تخيّل ثيودور هرتزل في كتابه «الأرض القديمة-الجديدة»، الذي يتخيّل فيه وضع فلسطين عام ١٩٢٣، ويسبغ على الدولة اليهوديّة صورة طوبائيّة نافرة.

حرص الوثائقي على الإشارة إلى أن المهاجرين الجدد كانوا «مفكّرين ومهندسين وعلماء وفنّانين»، كأن ذلك يغيّر طبيعة المشروع الاحتلالي العنفي الذي انضمّوا إليه. وقد استوردت محطة «العربيّة» من هذا الوثائقي الفرنسي-الإسرائيلي الفصل العنصري بين العرب المتخلّفين وبين اليهود «الراقين»، فيتحدّث التقرير عن أماكن «راقية» في تل أبيب (ربّما لأنها كانت الوحيدة ذات أكثريّة يهوديّة) وعن أن المقاهي فيها كانت «على مستوى المقاهي في أوروبا». قد يكون القصد من وراء ذلك أن الشعب الفلسطيني كان يجب أن يقبل الاحتلال لأنه أقام مقاهي «ذات مستوى أوروبي». ما قيمة الوطن أمام مقاهٍ ذات مستوى أوروبي؟
أما تعريف المنظمّة الإرهابيّة «الهاغانا»، فكان أنها «الجماعة المسلّحة من أجل الدفاع عن اليهود الفلسطينيّين». وبهذا التوصيف، يعتنق الوثائقي مشروع فرض الدولة اليهوديّة بالعنف ضد السكّان الأصليّين. هذا الوصف هو تبنٍّ كامل للإرهاب الصهيوني في مسيرة احتلال فلسطين. ولماذا تكون هناك حاجة إلى الدفاع عن النفس فيما كان التسلّح هو في صلب المشروع الصهيوني اليهودي، ودور «الهاغانا» في إنشاء الدولة كمنَ منذ البداية في الهجوم وليس في الدفاع. والمسؤوليّة الكاملة عن أعمال العنف في فلسطين بين أعوام ١٩٤٣ و١٩٤٨ -حتى لا نتحدّث عمّا قبلها - تقع على «الهاغانا» وعلى «إرغون» وعصابة «شتيرن» اللتيْن انشقتا من رحم «هاغانا». (1) وتعود جذور «الهاغانا» إلى القرن التاسع عشر عندما أنشأ المهاجرون الصهاينة أولى المستوطنات الزراعيّة وأحاطوها بحرّاس مسلّحين. وتحوّلَ الحرّاس إلى ميلشيا مسلّحة ومنظمّة بعد الحرب العالميّة الأولى. وخلافاً لمزاعم التقرير، كان هدف إنشاء وتسليح «الهاغانا» من أجل التحضير للاستيلاء على فلسطين بالقوّة المسلّحة وضدّ إرادة السكّان؛ وهذا كان بالضبط ما حدث على أرض فلسطين. 
أما أن السلطات البريطانيّة «حظرت عملها» كما ورد في التقرير، فهذا غير دقيق. إن الحكومة الانتدابيّة سمحت لليهود فقط (وليس للعرب حكماً) بالاحتفاظ بالسلاح. كما أن مصادرة السلاح من قبل حكومة الانتداب كانت واضحة في مراميها، وفي انحيازها، إذ إنها تساهلت مع اليهود وتشدّدت كثيراً مع العرب، كي تجعلهم عزّلاً أمام الهجمة الصهيونيّة والقمع البريطاني. ففي ١٩٣٦، مثلاً، صادرت سلطات الاستعمار البريطاني ٢٠٥ بندقيّات و١٠٨ مسدّسات و١٠١٨٥ ذخيرة للسلاح الفردي من العرب، فيما لم تصادر من اليهود إلا بندقيّتيْن و١٩ مسدّساً و٢٦٤ ذخيرة للسلاح الفردي. أما في ١٩٣٧، فصادرت تلك السلطات ١٢٤٠ بندقيّة و١٣٤٠ مسدسّاً و٢٠.٧٣٢ ذخيرة للسلاح الفردي من العرب، فيما لم تصادر من اليهود إلا خمس بنادق و٧٥ مسدّساً و١٠٤٧ ذخيرة للسلاح الفردي. (2)
حتى حكومة الاحتلال البريطاني التي كانت مولجة بتطبيق وعد بلفور اعترفت في «ورقة بيضاء» أصدرتها عام ١٩٤٦ أن «الهاغانا» تحوّلت إلى منظمّة عسكريّة مسلّحة جيداً. وقالت إنها تضمّ في ما تضمّ: قوّة ثابتة بقوّة ٤٠،٠٠٠ عنصر، وجيشاً ميدانياً بقوّة ١٦،٠٠٠ عنصر. وقوّة متفرّغة («بلماخ»)، وهي معبّأة باستمرار وتضم في حالة السلم ٢٠٠٠ عنصر، و٦٠٠٠ في حال الحرب. أليس مِن المخزي أن تصف «العربيّة» في تقريرها الجيش المنظّم - الذي فاق في تنظيمه وتعداده مجمل «الجيوش العربيّة التي غزت فلسطين»، وفق الرواية الصهيونيّة المتضمّنة في التقرير - بأنه جماعة مسلّحة للدفاع عن النفس؟ أما قوّة «الإرغون»، وفق «الورقة البيضاء» البريطانيّة عينها، فكانت بقوّة ٣٠٠٠ إلى ٥٠٠٠ عنصر، فيما كانت عصابة «شتيرن» بقوّة ٢٠٠٠ إلى ٣٠٠ . هذا الإعداء لبناء جيوش لم يكن في حجمه أو تسليحه (طائرات في مرحلة لاحقة) بدافع الدفاع عن النفس.

محطة محمد بن سلمان اعترفت بدولة الاحتلال الإسرائيلي قبل إنشائها


وفي إشارة إلى الثورة الفلسطينيّة في ١٩٣٦-١٩٣٩، اختصر التقرير مسبِّباتها بعامليْن فقط: الهجرة اليهوديّة وبيع الأراضي. لكن اكتشاف تهريب هائل للسلاح إلى المستوطنين اليهود عبر مرفأ يافا عام ١٩٣٥ أشعل غضباً فلسطينيّاً عارماً، لأنه كشف نيات المخطّط الصهيوني المسلّح، كما كشف التواطؤ البريطاني معه. وكان التقدير البريطاني في تقرير رسمي في عام ١٩٣٧ أنه كان عند اليهود ما يكفي لتسليح وتجهيز جيش كامل من عشرة آلاف جندي. (3)
ولا يمكن طبعاً إغفال الحديث عن الحاج أمين الحسيني في الروايات الصهيونيّة، إذ يصبح هو مُرتكب النكبة، أو يصبح كما زعم بنيامين نتنياهو قبل سنة أنه مُرتكب المحرقة ومُخطّطها، وأن هتلر بريء من فكرتها. وأتوا بمؤرّخ إسرائيلي كي يفتي أن تعاطف الحسيني مع ألمانيا لم يكن بسبب عداء ألمانيا لبريطانيا، بل لأنه تعاطف شخصيّاً مع العقيدة النازيّة. لكن هذه الفكرة مضحكة للغاية، أن يكون عربيٌّ مُتعاطفاً مع عقيدة تأسّست على فكرة تفوّق العرق الآري، فيما وصف مؤسّس النازيّة، هتلر نفسه، العرب بأنهم «أنصاف قرود مصبوغين». ما مكمن تعاطف عربي مع عقيدة لا تكنّ للعرب إلا الاحتقار؟ إن هذا القول أشبه بالقول إن تحالف الحكومة الأميركيّة مع الاتحاد السوفياتي في الحرب العالميّة الثانية كان بناء على تعاطف أميركي مع الشيوعيّة، وليس بناء على مبدأ «عدوّ عدوّي صديقي»، وهو المبدأ الذي دفع الحاج أمين للتواصل مع هتلر، على ما في هذا التواصل من ضرر للقضيّة الفلسطينيّة. لكن هل الحركة الصهيونيّة والغرب برمّته كانوا سيتعاطفون مع الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة لو أن الحسيني تحالف، مثلاً، مع روزفلت؟ والقيادة الفلسطينيّة التقليديّة، خلافاً للرواية السائدة، لم تكن هي التي تقود الشارع بقدر ما كان الشارع يؤثّر في القيادة. (4) وكان الحاج أمين يحاول المهادنة مع الاستعمار البريطاني، لكن المزاج الفلسطيني العام لم يعد يقبل ذلك بعد ١٩٣٦. (5) والمزاج اليهودي في فلسطين كان عسكريّاً للغاية، حتى أن الأيّام الأولى من الثورة الفلسطينيّة شهدت مظاهرات هتف فيها اليهود مُطالبين بإنشاء جيش يهودي. (6)
لا، والتقرير استشهد بالمؤرّخ الصهيوني هاغاي هوروفيتس للحكم ليس فقط على الحاج أمين الحسيني للقائه مع هتلر بل لوصم «الحركة القوميّة العربيّة» بالنازيّة، كأن الحسيني كان زعيماً للحركة القوميّة العربيّة في يومٍ في حياته. والمُريب أن التقرير تجاهل بالكامل العلاقة بين الحركة الصهيونيّة (بفصائلها وقياداتها المختلفة) وبين النظام النازي، الذي تطرّقت إليه حنة أرندت بجرأة في كتابها «أيخمان في القدس»، ما أثار حفيظة صهاينة أميركا وإسرائيل ضدّها. إن هذا الموضوع من المحرّمات وإن تطرّق إليه عدد من المؤرّخين الشجعان، مثل ليني برنر. (7) وقد كرّس محمود عبّاس موضوع أطروحته للدكتوراه في جامعة «باتريس لومومبا للتضامن بين الشعوب» في موسكو (8) لتلك العلاقة، لكن عبّاس جاهلٌ ويفتقر إلى العلم والمعرفة، وهو من مُنكري المحرقة (واستشهد في أطروحته بمعادي الساميّة الكريه، روبرت فوريسون، لإنكار استعمال غازات الإبادة في معسكرات الاعتقال النازي)، ولهذا لا يُعوَّل عليه في التأريخ (أو السياسة) خصوصاً أنه نسب زوراً قول «أرضٌ بلا شعب لشعبٍ بلا أرض» إلى هرتزل (9)، في حين أن القول المذكور عمّمه الصهيوني، إسرائيل زنغويل، وإن أقرّ باستعارته من اللورد البريطاني، شافتسبري. (10)
ويكرّر التقرير اللازمة الصهيونيّة عن إغلاق بريطانيا الحدود الفلسطينيّة أمام اللاجئين اليهود الهاربين من ألمانيا النازيّة (كأن الشعب الفلسطيني كان ملزماً استقبال اللاجئين لضمّهم إلى مشروع صهيوني يستهدف القضاء على الوطن الفلسطيني، كأن النازيّة كانت شنيعة فلسطينيّة). لكن التقرير لم يذكر أن التأريخ لتلك المرحلة يميّز بين اللاجئين «الشرعيّين» - أي الذين لجؤوا إلى فلسطين بإذن الاستعمار البريطاني - واللاجئين غير الشرعيّين الذين كانوا يُهرَّبون عبر الحدود مع لبنان مثلاً. وقد قابلتُ مزارعين مسنّين في الثمانينيّات من القرن الماضي في قرى صور حيث اعترفَ بعضهم بالمساهمة في تهريب مهاجرين يهود مقابل نقود أجنبيّة. أما عن «الكتاب الأبيض» في عام ١٩٣٩، الذي أصدرته الحكومة البريطانيّة ردّاً على ثورة شعب فلسطين، فقال التقرير إنه «يحدُّ كثيراً» عددَ المهاجرين اليهود إلى فلسطين. يحدُّ كثيراً؟ بأي معيار؟ المقترح البريطاني في الكتاب المذكور سمحَ بدخول ٢٥ ألف مهاجر يهودي إلى فلسطين مع وضع كوتا بـ١٥،٠٠٠ سنويّاً على مدى خمس سنوات (أي ٧٥،٠٠٠ على مدى السنوات الخمس المقبلة)، على أن تكون الموافقة العربيّة شرطاً للدخول اليهودي بعد ذلك. أي إن الدخول اليهودي المهاجر إلى فلسطين على مدى خمس سنوات سيكون قسراً ورغماً عن أنف السكان الأصليّين. (11) وأهمل «الكتاب الأبيض» موضوع تسرّب عدد كبير من المهاجرين «غير الشرعيّين» إلى فلسطين (كأن الغزوة الصهيونيّة لأرض فلسطين بمباركة الاستعمار البريطاني كانت شرعيّة).
وكما أن التقرير على محطة «العربيّة» زوّرَ في نصّ وعد بلفور لخدمة الدعاية الصهيونيّة التي تشكّل محور ودافع الوثائقي، فإنه زيّفَ بشكل مفضوح أيضاً نصّ «الكتاب الأبيض» البريطاني عندما يروي أنه جاء لـ«يؤكّد بحزم أن نيّتهم (أي البريطانيّين) لم تكن إنشاء دولة يهوديّة في فلسطين». لا، لم يرد ذلك في تقرير الحكومة البريطانيّة على الإطلاق. كان كلام الحكومة البريطانيّة واضحاً في هذا الشأن، وإن كان مُخادعاً كالعادة. هو نفى فقط أن تكون نيّة الحكومة البريطانيّة «تحويل» كل فلسطين إلى دولة يهوديّة ضد إرادة السكّان العرب، أي إنها كانت تنفي فقط منح كل فلسطين إلى اليهود أو أنها تفرض على العرب العيش تحت حكم دولة يهوديّة. لكن صياغة التقرير لم تنفِ نيّة إقامة وطني لليهود على أرض فلسطين. فات ذلك التقرير المغرض، الذي سمح لـ«الخبراء» الصهاينة الإسرائيلي في التقرير بالإشارة إلى فلسطين في عهد الانتداب كـ«أرض إسرائيل»، أي إن محطة محمد بن سلمان اعترفت بدولة الاحتلال الإسرائيلي قبل إنشائها.

معيار الوثائقي على مقاس الدعاية الصهيونيّة: اليهود وحدهم ضحايا


والمفارقة في التقرير أنه يستفيض في وصف الوحشيّة النازيّة ضد اليهود، ويتناسى أنه كانت هناك وحشيّة بريطانيّة وصهيونيّة ضد العرب على أرض فلسطين في نفس تلك الحقبة التاريخيّة. لكن معيار الوثائقي هو على مقاس الدعاية الصهيونيّة الغربيّة والإسرائيليّة: اليهود وحدهم ضحايا، ولا يمكن أن يكون العرب ضحايا مثلهم، لأنهم ينتمون إلى درجة متدنيّة من العنصر البشري. والتعاطف في التقرير مع الصهيونيّة يصل إلى جعل المشاهد (المشاهدات عورات في حكم آل سعود) يتعاطف مع اليهود الذين يصوّر التقرير محنتهم بأن فلسطين فقط كانت الحلّ الوحيد والضروري لمشكلة الشتات اليهودي، كأنه لم يكن هناك بلدان أخرى يمكن أن تستضيف اللاجئين اليهود، خصوصاً الدول الغربيّة التي لها سجلّ حافل في تاريخ من معاداة اليهود وارتكاب الجرائم ضدّهم. كان بإمكان حكومات الغرب، مثلاً، فرض عودة اليهود إلى ألمانيا التي تتحمّل أكثر من غيرها وزر الجرائم ضد اليهود، وإن كانت دول أوروبيّة أخرى -والكنيسة - تتحمّل هي الأخرى المسؤوليّة عن تاريخ من القتل والقمع والذمّ ضد اليهود.
لكن ورطة النظام السعودي من وراء نشر التقرير كبيرة: عوّلَ على أن التركيز على معاناة اليهود في الحرب العالميّة الثانية -وهي معاناة حقيقيّة وأكيدة وفظيعة - يمكن أن يؤدّي إلى تفهّم المشاهد منطق الصهيونيّة في الاستيلاء على الوطن الفلسطيني وطرد أهله العرب. لكن هذه قد تسري على الجمهور الغربي (وهي تسري بدرجة أقل هذه الأيّام) الذي لا يعرف الخلفيّة التاريخيّة للصراع العربي-الفلسطيني. لكن كيف يمكن أن تسري هذه على الجمهور العربي الذي يعرف الخلفيّة التاريخيّة للقضيّة الفلسطينيّة؟
أما خلفيّة الانسحاب البريطاني من فلسطين، فكانت وفق التقرير إصرار «المنظمّات اليهوديّة» على رفض الحكم البريطاني، كأن الشعب الفلسطيني كان كومبارساً في هذه الحكاية. ولا يرد في التقرير ما يرد في كتب التاريخ الغربيّة عن إرهاب المنظمات الصهيونيّة التي أدخلت كل أعمال وأنساق الإرهاب التي يعاني منها الشرق الأوسط اليوم. حتى المؤرّخ الصهيوني، والتر لاكير، في كتابه عن تاريخ الصهيونيّة، يذكر إرهاب المنظمّات الصهيونيّة بدءاً من الثلاثنيّات من القرن الماضي. (12) يعترف الصهيوني لاكير في كتابه أن المنظمات اليهوديّة كانت مسؤولة عن «رمي قنابل بصورة عشوائيّة في الأسواق العربيّة ومحطات الحافلات». (13) تغافل التقرير عن كل هذا الإرهاب، كأن الضحايا العرب لم يعن لهم شيئاً على الإطلاق. 
والكلام في التقرير عن أن التعاطف مع اليهود هو الذي أدّى إلى قرار الجمعيّة العامة للأمم المتحدة إنشاء دولة يهوديّة كلام باطل، كما أوردتُ في الحلقة الأولى. لم يكن التعاطف له علاقة، وكأن التعاطف مع الضحايا اليهود في أوروبا لا يمكن له أن يُترجم إلا بإنشاء دولة يهوديّة على أرض فلسطين وطرد السّكان الأصليّين منها. وساهم إلياس صنبر (الذي وصف حاييم وايمزمن بـ«المُسالم» أو «اللاعنفي») في غرض التقرير عبر لوم القيادة الفلسطينيّة لعدم أخذها المحرقة في الحسبان، كأن دول الغرب أنشأت دولة يهوديّة على أرض فلسطين ووافقت على طرد السكان الأصليّين لأسباب إنسانية محض. واستعان التقرير بسري نسيبة وإلياس صنبر وعميرة هاس للقول إن العرب ارتكبوا خطأً كبيراً برفض قرار تقسيم فلسطين عام ١٩٤٧. لكن كيف يُلام الشعب الفلسطيني على رفض تقسيم أرضه ومنح اليهود (وجلّهم من المهاجرين الجدد) أكثر من نصف فلسطين (حيث الأراضي الأكثر خصوبة)، فيما كان الشعب الفلسطيني يشكّل أكثريّة السكّان ويملك أكثر من ٩٠٪ من الأرض؟ على العكس، كان من الجنون أن يقبل شعب فلسطين والعرب هذا القرار الجائر، ولو اختلفت عميرة هاس أو غيرها مع الحق الفلسطيني.
والتقرير يرى (حسب آراء الإسرائيليّين المشاركين فيه لأنهم شكّلوا فريق الحَكَم في الموضوع) أن الصراع بين العرب واليهود لم يبدأ إلا بعد قرار التقسيم لأن العرب رفضوا القرار. لكن الإرهاب الصهيوني ضد العرب بدأ في العشرينيّات وتنامى كثيراً وتنظّم في الثلاثينيّات. لم يذكر التقرير أن ثلاثة آلاف عربي قُتلوا في ثورة ١٩٣٦. لم تكن هناك حقبة في تاريخ الوجود الصهيوني على أرض فلسطين إلا وكان العنف سمة من سمات الانتشار اليهودي المهاجر فيها. وكان اليهود يتعاملون مع الشعب الفلسطيني على أساس أن العنف سيفرض عليهم ما لم (ولن) يقبلوه طوعاً. 
ويميّز التقرير بين الإرهاب الصهيوني فيفصل بين «الهاغاناه» (صاحبة الدور الأكبر في الإجرام الإرهابي الذي فرض تأسيس دولة احتلاليّة على أرض فلسطين) وبين «الإرغون» و«شتيرن» (التقرير يعطيها الاسم الأكثر احتراماً لها، أي «ليهاي»، لكن الراوي يخطئ لفظها بالعربيّة). وعلى الأرض، كانت المنظمّات الإرهابيّة الصهيونيّة الثلاث تتعاون في كثير من الأحيان، خلافاً لمنحى التقرير. (14) وكان يتم تخصيص العمل (أي الإرهاب) بين التنظيمات، فكانت «شتيرن» و«الإرغون» مثلاً تتخصّص في أعمال تفجير عشوائي في أماكن مكتظّة بالعرب. ولا يمكن المقارنة في الأعمال الحربيّة بين الطرف اليهودي والطرف العربي، إذ إن اليهودي استفاد من تشكيل قوّة عسكريّة يهوديّة لمساندة الجيش البريطاني في الحرب العالميّة الثانية، كما أن استيراد السلاح - الممنوع على العرب - كان متوفّراً لليهود. ويقلّل التقرير من عدد ضحايا دير ياسين فيقول إن ٢٠٠ منهم قد سقطوا (لا يذكر أنهم رجال ونساء وأطفال وأن القرية كانت في حالة عدم اعتداء مع «الهاغاناه»). لكن مناحيم بيغن اعترف بقتل ٢٤٠، فيما ذكرت «نيويورك تايمز» أن ٢٥٤ سقطوا ضحايا في القرية. (15) وخلافاً لتبرئة «الهاغاناه» في التقرير من دير ياسين، فإنها شاركت في ضخ الدعاية عن المجزرة لتخويف العرب وطردهم. أما عن «الغزوة» العربيّة - وفق لغة التقرير * لفلسطين عام ١٩٤٨، فهذه ستلي في الحلقة المقبلة.
(يتبع)

المراجع
(1) سامي هداوي، «الحصاد المرّ»، ص. ٥١.
(2) راجع ملحق ٣ في كتاب «من المأوى إلى الاحتلال»، تحرير وليد الخالدي، ص. ٨٤٥. هذا المجلّد الضخم عن النكبة هو أفضل مرجع وإن لا يزال غير متوفّر باللغة العربية للأسف الشديد.
(3) باميلا آن سميث، «فلسطين والفلسطينيّون»، ص. ٦٣.
(4) يذكر غسان كنفاني ذلك في كتيّبه، «ثورة 1936-1939 في فلسطين».
(5) يبقى كتاب فيليب مطر عن الحاج أمين الحسيني أفضل مِن كل ما كُتب عنه، ولم يتأثّر لا بالروايات الدعائيّة العربيّة أو الغربيّة عنه.
(6) راجع ديفيد هرست، «البندقيّة وغصن الزيتون»، ص.٨٢.
(7) درس الكاتب الأميركي ليني برنر تلك العلاقة ونشر وثائقها. راجع كتابه: «٥١ وثيقة: التعامل الصهيوني مع النازيّة».
(8) الطريف أن عبّاس لم يدرس اللغة الروسية لنيل تلك الشهادة التي لم يستحقّها وتحادث مع المُشرف على الأطروحة بالعربيّة والإنكليزيّة التي لا يجيدها. هذه الأطروحة هي مثل أطروحة رفعت الأسعد. وقد نُشرت الأطروحة بالعربيّة بعنوان: «الوجه الآخر: العلاقات السريّة بين النازيّة والصهيونيّة»، عمّان، ١٩٨٤.
(9) راجع كتاب محمود عبّاس المُترجم إلى الإنكليزيّة، «عبر أقنية سريّة»، ص. ٢٠٧ وص. ٢١٧.
(10) راجع مقالة أدام غرفنكل، «أصل ومعنى واستعمال وإساءة استعمال عبارة»، «ميدل إيسترن ستاديز»، تشرين الأول ١٩٩١، مجلّد ٢٧.
(11) راجع كتاب تشارلز دي سميث، «فلسطين والصراع العربي - الإسرائيلي»، ص. ١٤٧.
(12) والتر لاكير، «تاريخ للصهيونيّة».
(13) المرجع نفسه، ص. ٣٧٥.
(14) راجع كتاب تشارلز دي سميث، ص. ١٨٥.
(15) راجع عدد «نيويورك تايمز»، ١٣ نيسان، ١٩٤٨.
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت: 
angryarab.blogspot.com)

الأخبار