من هو العدو: السؤال الحاضر الغائب

رعد أطياف

لفهم الواقع المأساوي الذي نعانيه ينبغي عدم حصره في الحكومات المحلية. وعدم الحصر هنا ليس التضييق على الرأي العام الناقم على هذه الحكومة التابعة، ولا يصب في صالح تكريمها!، وإنما لكي نعرف عدونا الذي أمعن في خرابنا، فيغدو التركيز وحصر الخراب وإعطائه طابعاً محلياً يقودنا إلى استنزافات لاجدوى منها تماماً.

ومن وجهة نظري أن عدونا التاريخي هو القابع في السفارة الأميركية التي تعد من أكبر السفارات في العالم. وهذا الكلام لا يندرج في سياق الشعارات المجرّدة، إذ يكفي أن نسترجع تاريخ الحصار الاقتصادي اللاأخلاقي ضد الشعب العراقي لنفهم النتائج الحالية التي نعانيها. قد يعترض أحدنا بالقول: إن السياسة لا تحتاج مبررات أخلاقية لتفعيل قراراتها. والجواب على ذلك: إن أميركا نفسها ترفع الشعارات أخلاقية دوماً( ديمقراطية.. حقوق إنسان.. سلام عالمي..ألخ)، ومن جهة أخرى أن سياسة النظام الأميركي تجاه الشعوب ينبغي أن تكون سياسة أخلاقية محضة، ذلك أن الشعوب ليست الأنظمة، وحينما يصل الأمر لمحاربة الناس في غذائها ودوائها ومعدل أعمارها! وتدمير نسيجها الاجتماعي.. بكلمة واحدة: تدمير نظامها الاقتصادي والاجتماعي، بالمعنى المكيافلي للكلمة، فعند هذا الحد لا يمكن للمبررين، من أبناء جلدتنا!، أن يبرروا هذه العداوة ويضعونها في إطار براغماتي منمّق. حينما تصل الحذلقة والنفاق لهذه الدرجة فذلك يعيطنا مؤشرا بارزاً عن حجم الانحطاط الفكري الذي بلغناه. على أي حال، يمكن سرد قائمة طويلة بتاريخ الإجرام الأميركي، لكنّ النخب المستفيدة تجاهر آناء الليل وأطراف النهار لنسيان الماضي، وليت نسيانهم شمل الماضي الإسلامي!.

إنهم قادرون على نسيان تاريخ حافل بالإذلال من قبل النظم الغربية، لكنّهم يعزّ عليهم كثيراً نسيان تاريخ الإسلام!. بالطبع لا أقصد هنا الكف عن النقد والتحليل، أو "التبشير" بحركات الإسلام السياسي. لكن حتى هذه الأخيرة تحفل بالدعم والصداقات من قبل أميركا، من الوهابية إلى الأخوان المسلمين، فالنقد لفهم واقعنا المتخلّف شيء، والتبرير للإجرام الأميركي شيء آخر تماماً. لقد "اكتشفت" هذه النخب "المتنورة" أن أسباب تخلفنا هو الإسلام السياسي، ولمجرد القضاء على هذه الحركات سيأكل العرب المن والسلوى!. وبالمناسبة أن تقليعة "الإسلام السياسي" يراد منها الإسلام!، بحسب الراحل هادي العلوي، لكنّها شكل تعبيري ملطف يمنحهم "شرعية" في تمرير نفاقهم. وليتهم أكملوا الحكاية وأخبرونا عن " اليد الطويلة" التي تمكّن هذه الحركات المتخلفّة من هذا النفوذ، بالطبع ستكون مشيخة السعودية استثناء من هذا النقد" التنويري" عند بعض النخب، خوفاً على امتيازاتهم "الليبرالية" التي تغرقهم فيها مشايخ الخليج!. المهم في الأمر، إن المتتبع لسير الأحداث سوف لايجد جهداً كبيراً في فهم العدو الأبرز لمنطقتنا: إنه النظام السياسي للولايات المتحدة الأميركية، وحلفاءه في الشرق الأوسط( إسرائيل ودول الخليج) للتصدي لأي حركة نهوض في هذه المنطقة المغضوب عليها. في الصين وجدوا، تايوان، وكوريا الجنوبية، واليابان للحد من صعود الصين، وفي الشرق الأوسط وجدوا، إسرائيل، ودول الخليج لضرب أي محاولة للنهوض بواقعنا المتخلّف. فمن هنا، أن تحديد من هو عدونا أولوية قصوى، ليس للانظمة، ولا للنخب التابعة بالطبع، وإنما لشعوبنا المسكينة التي تتجرع سم التضليل الإعلامي من إمبراطوريات الإعلام الخليجي التي تقودها نخب إعلامية " محترفة" تتخذ من "حقوق الإنسان" و" والديمقراطية" أولوية قصوى، للتبرير لكل هذا الخراب الذي يجري بمباركة السي آي أيه والموساد المدعومة بمليشيات ممولة من الخليج واجبها " المقدس" تدمير البنى الاقتصادية والاجتماعية باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان. هؤلاء هم العدو وليس غيرهم.

العالم الجديد