توهمات استراتيجية.. روسيا وسوريا

لم يعرف العالم العربي بدوله واحزابه ومثقفيه، يوما موقعهم الفعلي من العالم، او وزنهم، او مكانهم في التوازنات، ولاتوجد ابدا رؤية استراتيجية تحدد او حددت في الماضي، سياسات الاطراف والجهات العربية النافذة والمقررة،سواء ازاء نفسها او بازاء غيرها، دائما تتبنى الاوهام بلا حسابات، وتكون مادتها التمني، ونخسر فلا نعترف بالخسائر، ونذهب الى قلبها فتصبح انتصارات خطابية تصم الاذان، ولانرى في السياقات التي افضيت اليها اي ذنب قد يكون ارتكبه احد، او تسبب بها من دون تحسب، او من دون شعور بالمسؤولية. بالعموم تذهب الاراء عادة، وتتخذ المواقف من منطلقات ينقصها التروي والحكمه، ومحاولة معرفة ابعاد الموقف وتداخلاته وتفاصيله، مع احتساب قدراتنا واستعدادنا، فكل نقص يحال فورا الى الحماس الفارغ، واحيانا الهوس والتخريف. في سوريا اليوم روسيا قوة حاضرة بقوة، وهي بصدد القيام بالكثير وقامت اصلا بما لم يكن متوقعا من تدخل مباشر، بعد ان قررت ان لاقوة في سوريا التي هي في صفها، وان المعركة بالاحرى معركتها هي اولا واخيرا، عسكريا وسياسيا، هذا الموقف موقف استراتيجي، يجعل من سوريا موضع استثناء عملي راهن، ومجال تصادم، لايجعل منها اهم من تركيا، او من السعودية، اومصر، فروسيا حسب رؤيتها لمعركتها الراهنة، تريد كسب "اوراسيا" وانتزاعها من المشروع الاوراسي الامريكي المقابل، وهي لاتفكر بالتخلي عن احد بل يهمها الجميع، واولهم اوربا، وهذه معركة ستطول، وهي بذاتها معركة كونية عبرها تتحدد اليوم ملامح الكوكب،وسيتوقف علها الكثير. التهويل والتخيلات من نوع الاعتقاد بان روسيا مستعدة للموت، او للانهيار لاجل سوريا بذاتها، او لان سوريا بذاتها ذات اهمية استثنائية، ليست سوى توهمات، والارجح ان روسيا تعاني من وجودها في سوريا، من اكثر من إشكال ونقص، تعاني من الدور الايراني وترغب في تقليصه، وتعاني من ضعف النظام السوري، وضعف اداء قواته المسلحة، ومن انعدام مرونته السياسية ومساحة مناورته، مع تدني مستوى حيويته ومبادراته، وهي او " بوتين" لايمكن ان يصرح بالاعباء التي ترافق وجوده في سوريا، والتي منشؤوها ضعف وتخلخل الجبهة التي يقودها، والتي هو مضطر مع ذلك لتحملها والسكوت عنها، بانتظار اي منفذ او منعطف يمكن ان يحدث اختراقا في المواقف الحالية، مثل اجتذاب تركيا، او ايصال المملكة السعودية لحد الشعور بالخطر المباشر. ابواب روسيا ليست مغلقة على احد في المنطقة، او تستهدفه بالعدءعداء ابديا او بينها وبينه ثارعشائري، الامرصراع استراتيجي، سوريا فيه هي بؤرة الاشتباك، ونقطة التمترس الانية، وقد يكون الروس مقتنعين بانها ليست الموضع المؤثر او القابل لتغيير المعادلات داخل المنطقة، ان لم يكن الموقع الاصعف، والذي يحتاج ويستدعي بذل جهود استثنائية لاجل ان يظل واقفا على قدمية بانتظار متغيرات من خارجه. اعان الله سوريا وشعبها، بالاخص من اولئك المتوهيمين الواهمين، ومن لاهم لهم سوى خلط الحابل بالنابل وبيع القصور في الجنة...