كيف ولماذا هزمنا أمام صدام حسين ؟ (14) ـ ومن قتل "الحزب الشيوعي العراقي"؟ !

بعد عام 1988 عند نهاية الحرب العراقية الإيرانية، دخل البعث الكردي هو الآخرنهايته، تنقل من السطو اللصوصي الناعم بعد عام 1964 على قيادة الحزب، مستغلا ظروف مابعد ضربة 1963 الى التحضير للاشتراك في التدبيرية الدولية الثا وامتداده العربينية، بعد 17تموز1968 بصفتهم مساهمين في نظام البعث كممثلين للشيوعية الراغبة في الاندماج بالبعث الصدامي، الى الطرد من الجبهة والتحول الى قوة قومبة كردية استغلت موقها الجديد لتصفي إمتدادات الحزب في المناطق العربية، الى الطرد الثاني بعد نهاية الحرب مع ايران 1988 مع عودة القوات العراقية الى كردستان، وقتها قرر تيار اللصوصية الدولي ترك الحزب بعد سرقة ماخف وزنه، وغلا ثمنه ليثبت هذه المرة وجهارا، كونه جمع من اللصوص وعصبة من الافاقين. كان المرحوم "عبدالجبارالكبيسي" عضو القيادة القومية، امين سر قيادة قطر العراق في سوريا، يرفض خلال اجتماعات تحالفات المعارضة الالتقاء بممثلي الحزب المذكورين، مطالبا بحضور "شيوعيين" لا أعضاء في المخابرات السورية، وكان يطلب تفتيش من يعنيهم لانهم يحملون هويات صادرة عن المخابرات، والجهاز الأمني المذكور هو جهاز سوري، و"عبدالجبار الكبيسي" بعثي لكنه "عراقي" الروح، تحمل على يد المخابرات المعنية مايعرفه الجميع من معارضي تلك الأيام في سوريا وغيرها، وقتها كان الحزب الشيوعي في الخارج يتحول الى سلعة للبيع والشراء حيثما وجد وفي أي من البلدان حل، بما في ذلك بلدان اوربا الغربية، في حين جففت كليا أي منابع تفكير او مراجعة، وتفاقمت أنواع السلوك المتهتك المعيب، حتى انه بلغ مستوى خطرا امنيا وتسببت تصرفات قادة جراء استشراء الغفلة بحصول اختراقات نجم عنها اضرار بمنظيمات الحزب، وبمصائر رفاق داخل العراق، ولم يكن هؤلاء معنيين فقط بتدمير وسرقة ماتبقى من الحزب، بل جهدوا أيضا لضمان مابعد خروجهم منه، فحرصوا على مسالتين اساسسيتين: الأولى تخص الحؤول دون عودة الحزب الجنوبي وممثلوه تحت أي ظرف من الظروف الى القيادة، والتانية تامين سياسة صمت وتعاض كلي على ماقد اقترفوه خلال الفترة بين 1964 الى التسعينات. ولم يكن هؤلاء بحاجة لبذل الكثير من الحهد حتى ينفذوا بجلودهم ومااقترفوه وسرقوه، ومع انهم لايعلمون اذا كانوا سيتعرضون للحساب او لا، الا ان مسار الأشياء ووجهة المتغيرات الوطنية أتت بصالحهم، فساعدت على تجنيبهم ماكانوا يتحسبون له، خاصة وان الأعظم كان على الأبواب، والعراق اصبح معرضا للغزو وللحصار الاقتصادي ( الاقسى المضروب على دولة في التاريخ) وشاعت الليبرالية، وابيح التعامل مع الإحتلال، أي ان مسالة الحزب ماعادت تدخل ضمن الاهتمامات الأساسية على المستوى الوطني، وخرج هذا الكيان او التيار من قلب الفعالية الوطنية ليصبح مجرد هيكل ثانوي، غير مؤثر سياسيا ولافكريا او ثقافيا. وبما ان الفاعلين الذين ختموا حياة الحزب بالطريقة التي سبق ونوهنا بها، فانهوه عمليا، لايعون تماما افعالهم، وان بنيتهم لاتتيح لهم الخروج من ذواتهم ووعيهم الزائف، فلقد استمر التردي بين صفوفهم وصفوف الوكلاء الذين تركوهم من بعدهم، فوضعوا على راس الحزب شخصا من مكون اجتماعي خاج التاثير، وخاضع لان حياة الحزب استمرت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي مرتهنة لمساعدة الكرد وقياداتهم القبلية، ولم يبق لهذا الكيان شبه الميت من مبررات البقاء غير التغني بالامجاد، وبالعزف على كثرة الضحايا والشهداء يصادرونهم ويتباهون بكثرة اعدادهم ، مع انه ينبغي ان يحاسبوا عليهم، ويسألوا عما فعلوه بهم وبتضحياتهم الوطنية الثرة والغزيرة، ولربما جاء يوم تعقد فيه "محكمة وطنية" يقدم فيها رمزيا وحضورا رهط القادة المفرطين تحت شعار :" مالذي فعلتموه بتضحيات الشعب.. ولماذا بددتموها وسرقتموها؟" بالاخص بعد ان ارتكب هؤلاء ووكلائهم جريمتهم الكبرى الإضافية، ففرطوا بالسيادة الوطنية، وقبلوا العمل كذيل لنظام "المحاصصة الطائفية" المركب من الاحتلال الأجنبي، هذا غير ترددهم في الدفاع عن بلادهم وهي تحت الحصار القاتل، حين راحوا يتفذلكون ويتذاكون، فيفرقون بقدرتهم الخارقة على التملص من المهمات الداهمة، بين الشعب والنظام، مطالبين بتشديده على الأخير وتخفيف وطاته عن الأول، أي ارسال القول المستحيل بإزاء قضية حيوية إنسانية داهمة وانية، بوجه قرار محدد واضح صادر عن "الأمم المتحدة" وجار تنفيذه من قبل اعتى قوة استعمارية. في المؤتمر العاشر الأخير،وجه هؤلاء نداء الى الديموقراطيين، لاجل التحاور بهدف تشكيل قوة لها وزن ومؤثرة في الحياة، وقد رد عليهم زعيم التيار الشيوعي في المناطق العربية الأصل الأستاذ باقر إبراهيم بان"التحاور ممكن اذا اقدمتم على ادانه الإحتلال وموقفكم منه وسيركم في ركابه" والغريب ان هؤلاء اكتشفوا مؤخرا انهم ينبغي ان يتحرطوا ضد نظام المحاصصة والتخلف والطائفية والفساد السائرين في ذيله وكنفه، لكن من موقع "الإصلاح" هم ومنظمات المجتمع المدني، وتحت شعار الدولة المدنية، وبعد اشهر من التظاهرات المجازة من السلطة الطائفية، عادوا ووقعوا تحت هيمنة تيار ديني، وقيادة رجل معمم، فاثبتوا بذلك ومرة أخرى، انهم خارج الفعل، ولاقيمة لحضورهم في أي ميدان من ميادين الحياة والفعل الوطنيين، علما بان موقفهم الأخير من "العملية السياسية الطائفية المحاصصاتية" هو بالأساس موقف القيادة الكردية، وموظف في خدمة مناكفاتها وصراعها مع المركز. تغيرت الظروف والاولويات والمحركات التي كانت تتيح في يوم من الأيام لحزب بمواصفات عصرية جذرية وماركسية، مستندة الى صعود الاتحاد السوفياتي، ممكنا وضروريا، بالاخص في الثلاثين سنة الممتدة بين الثلاثينات والستينات، ومع تغير وجهة التشكل الوطني وتعثرها، والهجمة الثانية الاشرس عليها عبر نظام البعث المتخالف مع التيار البعثي الكردي، انتهت المبررات التاريخية التي كانت تمنح هذا التيار مكانه المتقدم وحيويته، وعلى سبيل المثال ولتقريب المقصود، نشير لظاهرة انعدام الرد على وضع تسيّد على راس الحزب في غفلة، فصفاه ومزقه طائفيا ومناطقيا، وارتكب باسمة شتى صنوف الموبقات والفساد، وصولا للسرقة،غير طرد قرابة 28 قياديا منه، يمثلون خلاصة تاريخه وتجربته التاريخية الأولى الفاعالة، وكل هذا من دون ان تبرز بوجهه أية حركة مضادة ذات وزن او اثر يمكن الإشارة اليه. علما بان أسباب مثل هذا الاعتراض ومادته غزيرة، لابل وفائضة عن كل حد، وهي لاتماثل باي شكل من الاشكال تلك التي افضت الى انشقاقات الستينات، وبالأخص منها انشقاق 17 ـ آب ـ 1967 ، صحيح ان الظروف العالمية، ووضع الحركة الشيوعية على مستوى العالم قد تبدل كليا، الا ان حالة العراق تبدو بالقياس الى ضخامة التجربة، وسعة جماهيريتها، وحجم التضحيات التي واكبتها، حرية بان تحتفظ ولو بادنى قدر من الحيوية الدالة على الاستمرار، او على بقية من الحياة، او قدريسير من الزخم التاريخي، علما بان الظرف او المحفزات العالمية لم تكن قد منعت الفاعلية الداخلية من ان تؤجج سلسلة الانشقاقات التي عرفها الحزب في الاربعينات والى الخمسينات، والتي بسببها اضطر "فهد" عام 1942 لكتابة كراسة : " حزب شيوعي لااشتراكية ديموقراطية" الذي هو نسخة باهته مختزلة من كتاب لنين "ماالعمل" مطبقا على واقع مختلف كليا. ولانقصد مما سنقوله التبرير لحالة بلغت نهايتها، ليس فقط بفعل فاعل، فايا كان هذاومهما كانت براعته، ماكان ليستطيع تحقيق ماحققه لولا تظافر الظروف وتبدل الاشتراطات الموضوعية، ونحن نعلم ان مثل هذا الحكم سياخذ من قبل بقايا الايديلوجيين في غير زمنهم، ليحولوه الى ذريعة يبررون بها افعاله، بالضد من المستقبل، وخارج مقتضيات الوطنية ويضادها، والدليل او لنقل اخر الأدلة هو إصرار هؤلاء على عدم الكشف عن المسارات الحقيقية للكارثة، وعملهم على تأخير وثبة الوعي الوطني المتنامية، والتي بدات تشير نحو مايتجاوز ويتعدى الزمن الذي قتله هؤلاء، وضيعوه، يوم بددوا تضحيات الشعب التي عبدته بتحمل الالام والدماء والامل المبدد على مذبح الأغراض والمصالح الشخصية الضيقة، والجهل، وضيق الأفق والتكوين المتدني اخلاقيا. لايمكن لموضع مثل العراق ان يبلغ اغراضه التاريخية وهو اخرس مفهوميا، مشبع بالاستعارة وبالافكار المعلبة الايديلوجية، ان تاريخ هذه البلاد في الدورتين الحضاريتين الأولى السومرية البابلية والثانية العربية الإسلامية العراقية، هو تا ريخ الابداعية والثراء الكوني، تاريخ غزارة الابتكار والتضحيات من اجل مايضع العقل عند حواف مالا يدرك، والفترة الايديلوجية هي أسوأ مامر في تاريخ هذه البلاد من هيمنة جلفة، عصبوية شمولية ،قاتلة لاستعمال العقل، مناقضة كليا لطبيعة المجتمع العراقي وكينونته التاريخية. ـ يتبع ـ