في عيد الجيش العراقي وذكرى تأسيسه

علي حسن المجيد

في عيد الجيش العراقي وذكرى تأسيسه ما يسر الناظرين هو هذا الإحتفاء بالذكرى وإعادة الإعتبار للجيش الذي تعرض الى هجمة منظمة بعد الاحتلال أولها حله وإهانة ضباطه " صفهم في طابور طويل من أجل منحة مالية قيمتها خمسين دولار في ساحة الفردوس " والهدف هو دفعهم الى التمرد والإرهاب عن سابق قصد وتصميم ورغم هذا العقل التبريري الذي يتمسح على عتبات الاحتلال ويدافع عنه وعلى حساب وطنه ومصالح شعبه ودماء شهدائه سواء بأجر مدفوع أو بغباء محكم ولم يكن حل الجيش وخطوات أخرى أبرمها الاحتلال بالخطأ وإنما خطة لتحقيق الأهداف اللاحقة والطريف أن بعض عملاء الاحتلال وأدواته تفاخرت بنسبة ما تسميه خطأ الى نفسها كي تبرئ السيد المحتل حتى من دون أن يطلب ويريد .

************************************

تعرض الجيش العراقي منذ تأسيسه قبل قرن تقريبا ( 1921 ) الى ظلم لم ينج منه أي جيش عربي آخر وهو خروجه من وظيفته الأساسية الى تحمل أعباء السياسة وإغراءات السلطة ففقد تراكمات الإحتراف وأفسد السياسة وأفسدته ثم دفع أثمانا باهظة في هذا السياق وكانت كل حادثة تأخذ من الجيش شطرا كبيرا من قادته وضباطه قتلا وإعتقالا وإحالة على التقاعد فيخسر الجيش طاقات دربها وأنفق عليها وتضيع خبراتها وكفاءاتها وأكثر من هذا فإن صراعات السياسة كانت تبعد أيضا ضباطا من الجيش الى الوظائف المدنية التي طبعت بهذا بإنعدام كفاءتها وحرمان الجهاز المدني من فرص التطور والنمو واكتساب التمرين والأهلية وهذا العامل الذي كثير ما أسقط من الحسابات يفسر ولو جزئيا كيف خسرت الجيوش العربية العملاقة أمام العدو الصهيوني وكيف تفوق جيشه عليها ولا يخفى أن هناك خلل جوهري رافق التأسيس السياسي للعراق الحديث وبقية الكيانات العربية وهو بناء السلطة على حساب الدولة ومؤسساتها .

************************************

كلما أطل عيد الجيش عادت نغمة الدمج وهي حق بين وواضح ولكن يراد به باطل .. لنتكلم عن الدمج أولا وهو مظهر من مظاهر الفساد الكبير بعد الاإحتلال أريد به شراء الضمائر والذمم واسكات الناس بالمال حيث إفترض القانون بان الأحزاب التي شاركت في العملية السياسية كانت لها مليشيات تناضل أو تجاهد في مواجهة نظام صدام وأنها خيرت بين الإندماج في القوات المسلحة أو التقاعد وقد تمت المبالغة جدا في دور هذه المليشيات الفضائية وأضيفت لها أعداد كبيرة لاحقا لغرض الكسب الحزبي لم تكن يوما منخرطة في أي عمل مسلح وهذا الفساد المألوف هو نفسه في قضايا أخرى كالشهداء والمهاجرين والسجناء السياسيين ويستنزف شطرا كبيرا من الموارد دون وجه حق وعلى أية حال فبخلاف الشائع فإن معظم هؤلاء اختاروا حياة التقاعد لا العمل في الجيش وبرتب عالية وبرواتب كبيرة وكثيرون منهم ليست لديهم أدنى المؤهلات التعليمية .

ظاهرة الدمج لم تبدأ بعد الاحتلال بل أسس لها نظام آل المجيد حينما كانت تمنح الرتب بغير حساب ومعها شهادة الأركان وهي الشهادة العالية في العلوم العسكرية ومن أبرز وجوه الدمج صدام وعزة الدوري خريج الدراسة المتوسطة وعلي حسن المجيد وحسين كامل خريجا الدراسة الإبتدائية والأول يحمل أعلى رتبة في الجيش مهيب والثلاثة الأواخر رتبتي فريق أول وفريق .

في تاريخ الجيش العراقي حصل أن تولى الرئيس عبد الرحمن محمد عارف رئاسة الأركان عام 64 ولكن بالوكالة مع أن رتبته كانت لواء ومنصبه السابق كان قائد الفرقة الخامسة التي شكلت في عهد عبد الكريم قاسم ومثله عام 67 اللواء حمودي مهدي وأيضا بالوكالة لأنه لم يكن يحمل شهادة الأركان ..

الحزبية دمرت الجيش وتواصل تدميره وتحرير الجيش منها مهمة وطنية راهنة تنتظر من ينجزها ليعود الجيش وطنيا لا ملكا لحزب دون سواه .

***************************************

قيل بأن الجيش العراقي الجديد بدون عقيدة عسكرية سارع كثيرون الى الرد وبينهم مسؤولون لا يميزون كالعادة بين الناقة والجمل وهل عقيدة البعث أحسن ليس هذا هو القصد من مصطلح عقيدة الجيش فلا فكر البعث أو أيديولوجيته وإنما هي مع تعدد التعريفات وتشعبها إطار العمل خلال حقبة زمنية معينة فعقيدة الجيش الأميركي هي إبعاد المخاطر عن الأراضي الأميركية قدر الإمكان والاستخدام الأقصى للعنف في مواجهة العدو وعقيدة الجيش الروسي مواجهة إمتداد حلف الأطلسي وعقيدة الجيش الهندي خلق التوازن مع الصين والباكستان وكانت عقيدة الجيش العراقي هي صد الأخطار التي تهدد وحدة البلاد والتصدي للخطر الصهيوني كما هي عقيدة الجيوش العربية عموما .

منذ إعتلاء صدام عرش السلطة والجيش العراقي ضحية عقيدة مدمرة دفع ثمنها باهظا حينما تحول على يد صدام الى بندقية للايجار وأدار ظهره عن فلسطين نحو عدو مختلق في حرب لا ناقة للعراقيين فيها ولا جمل سماها صدام نفسه بأنها فتنة من عمل الشيطان ولم يكن الشيطان سواه ودقت اسفين العداوات والبغضاء والصراعات الطائفية في المنطقة واستنزفت طاقات العراق ولم يكن من هدف أو مبرر سوى أنها كانت دفاعا عن مصالح الغرب وحكام الخليج وأيضا باعتراف مشعلها صدام نفسه .

وبعد الاحتلال وسقوط نظام آل المجيد يدفع الجيش ثمن عقيدة أخرى لا علاقة لها بها من قريب أو بعيد وهي عقيدة بوش بأن يكون العراق ميدانا للدفاع عن الولايات المتحدة في مواجهة الإرهاب أي ساحة لجذب الإرهابيين بعيدا عن الغرب عموما وأميركا خاصة ومرة أخرى يدفع العراق الثمن من دماء أبنائه وثرواته وطاقاته في حرب لا مصلحة له فيها سوى أن أميركا أرادتها له وسلم من نصبتهم على كرسي الحكم لها بهذا القرار .

******************************************

لا فرق بين جيش قديم وجديد فهذا الجيش من ذاك وضباطه القادة اليوم هم من انخرطوا في الجيش العراقي قبل الاحتلال إنه جيش العراق بصرف النظر عن الحاكم وقد إبتدع إعلام الفتنة الخليجي مصطلحات سخيفة حيث صيرت مؤسسات الدول وكأنها ملك لأشخاص زائلون فصار الجيش العراقي جيش صدام وجيش المالكي والجيش الصفوي والى آخر مفردات هذه اللغة المشبوهة .

في هذا السياق ظهرت دعوة نفر من الأكراد للمطالبة بإلغاء الإحتفال بعيد الجيش والأمر ينطوي على مفارقة فإن كان هؤلاء يريدون الإنفصال فما بالهم وشأن عراقي لا يعنيهم وإن كانوا يعترفون بالانتماء الى العراق ومن هنا يبدون رأيهم في أمر يخصهم فإن الجيش مؤسسة رسمية تخضع لقرارات الساسة ولا يحمل الجيش مسؤولية خطأ السياسي .

لم يتعرض جيش في العالم الى الإهانة والقهر والإذلال كما تعرض على يد صدام وآل المجيد وأي إهانة أكبر من أن يتولى عريف وزارة الدفاع مرتين ويرغم ضباط الجيش وجنوده على أداء التحية لهما وسجل الجيش العراقي حافل بالشهداء الشجعان والأبطال الذين قدموا حياتهم رفضا لسياسات النظام وحروبه المجنونة ففضلا عن الجنود التي تلقوا رصاص فرق الإعدام فإن ضباطا كبار لم يترددوا في إبداء إعتراضاتهم وهم يعلمون بأن الموت ينتظرهم وجيش مقاتلوه بهذه الروح يستحق الإشادة والإجلال والإكبار ..

في يوم الجيش يظل الجيش رمز وحدة الوطن فضلا عن كرامته وعزته ومنعته فتحية له ولبواسله وهم يخوضون اليوم حربا مفروضة ببطولات لم تكن تعرفها الجيوش الا في كتب الأساطير . 
الصورة للفريق الأول الركن الدمج علي حسن المجيد وزير الدفاع الأسبق ..