مذكرات منجمي عراقي : أوراق من الذاكرة(13)

معمل الرمل القياسي،في الرطبة

قبل انتصاف عام2013 بدأت عمليات تقطيع أوصال الغربية، شنتها داعش بتفجير جسور وقناطر مقامة عند وديان يقطعها الطريق الدولي غرب الرمادي، ما اضطرنا النزول على الترابي في المقاطع المتضررة، وكانت هذه التفجيرات ممهدة لاحتلال قصبات ومدن الأطراف في محافظة الانبار. بعدها تغير خط السير لتجاوز الفلوجة والرمادي، ليصبح بغداد-كربلاء-الكيلو160،وتكفل المقاول بأرسال سيارته الخاصة لنقل المساح واجهزته ليأتلف معه بقية اعضاء اللجنة من المهندس المقيم، وكادر الصحراء. وتغيرت مع تغير خط السير، مزاجات الناس في الغربية، لتزداد وجوم وقلق، بسبب تواجد داعش بين ظهرانيهم، والتي هي ايذان بقرب المواجهة العسكرية. كما ان الحديث المكرر للتهميش وحرب الطوائف، وضعهم امام نقطة عمياء فيما يتوجب اتخاذه، متخلين تماما عن الوسطية والوطنية التي تميزهم، والتي كانت وراء تواجد ثقل محسوس لليسار العالمي والقومي في كثير من مدنهم الرئيسة، وفِي فترة قريبة من تاريخهم المعاصر. ومع الاضطراب الأمني تصاعدت ازمة الوقود والكهرباء، وأثرت على خزين وقود الاليات والمعدات المشتغلة في اعمال المنجم، ولكنها لم تؤخر وتيرة وزخم العمل، بل ازدادت لتصل الى معدل 12ساعةيوميا،لغرض الإنجاز في سنة عمل تنتهي مع بداية2014،وقد وفوا بما التزموا. وانكشفت على ارضية المنجم الطبقة العلوية من خامات الحديد، مع استكمال الطريق النازل اليها وباقي الملحقات من مصاطب حماية وأكداس المواد المقلوعة. لنخرج بتوصية تثمين ومفاخرة لمهارات العاملين وجهاديتهم والتزام الشركة بالتوقيتات وفقرات العمل المطلوبة.

عشرون عاما قضيتها متجولا في مناجم الصحراء الغربية، ابتدأتها بموقع البوكسايت، واضعا لطرق الاستثمار المنجمي لخام البوكسايت الخسفي، وتقاطعاتها مع برامج تقنية المعلومات. تولية مسؤلية منجم البنتونايت لأكثر من15 عام ،عززت احتياطياته، بأضافة 3.5مليون طن لخزينه المنجمي، موثقا ذلك بالتقرير والخارطة والمرتسمات ولكن يبقى منجم حديد الحسينيات، أكثره قرب نبض القلب والروح، وقد لا ابالغ بأنه سيلازمني وقت عبوري مجرى الحياة.

كل هذه الاعمال كانت صدى محبتي للمقيمين في البرية المهللين المرحبين، من دون الحاجة لمعرفة من اي عراق اتيت. وحين نجلس في مضايفهم يشرع الجميع بالتحية علينا، حتى الصغار بأيدهم الخشنة وعيونهم العسلية المحملة بالألفة والقربى. وما ان نكمل وجبة الطعام المقدمة لنا، يجلس مضيفنا مع هؤلاء الصغار، ليكملوا ما تبقى من طعام، يشعرونك بالصدارة ونصيبهم البقية والفتات

قد لا نختلف في الاستنتاج، في كون الدولة العراقية الحديثة1920خرجت من عباءة الانكليز(روح، وشكل، ومضمون)مكرسا الحكم الطائفي على بقية المجتمع العراقي، لاستدامة الاتكاء والاعتماد عليه، ازاء التوترات المتوقعة ضدها، حتى بعد إحاطتها بسياج من الجيش والشرطة والمتشكلة وفق عقيدة وثقافة المحتل. والمدهش التاريخي ان تأتي محاولات كسر هذه التبعية واستبدال الاحادية الطائفية بفضاء الوطنية(المتوحدة المتساوية، والمتناظرة)جاءت من نخب الجيش السنة، حامية النظام وامتيازات الطائفة. ما اضطر الامريكان في ستينات القرن الماضي للتدخل واحتواء موجة الوطنية العالية وتشتيتها. والعمل على استبدال المؤسسة العسكرية، بمعتمد مناسب، غير منتمي لها، وقادر على ابتلاعها، ووجدوا ضالتهم في صدام حسين، صاحب الشخصية السايكوباثية، المولعة بالقسوة والقتل وأمجاد الماضي، ولم تستكفي من استخدامه في تنفيذ رغباتها، بل ظللته، وقادته الى طعم الكويت السام للتخلص منه. وبأفول دوره، دفنت صيغة الحكم البريطاني، واستبدلت بصيغة امريكية متجسدة بالطوائف والاعراق، اكثر تفكيكا لأجزاء المجتمع، ودمار لديموغرافياته التاريخية الصغيرة، لتتضح بعدئذ، انها صيغة معدة لكل امّم الشرق اوسطية، المتنوعة في كل شئ، والمتعايشة في ان معا. لا  لشيء الا للسيطرة المجانية عليها، بعد تكفل الكانتونات المتشكلة، من حماية جدران العزل العنصري والطائفي، بينها، لتموت معها هوية الامم الجامعة والانتماء التاريخي والجغرافي والثقافي للأوطان ،ومثلما انتصرت الوطنية العراقية على الاحادية في السابق، تنتصر الان وعلى يد شباب الطائفة الموعودة بالتعويض وازالة الغبن والإجحاف التاريخي عنها، ليضحوا بالالاف ضد مشروع التجزئة الامريكي، دفاعا عن وجود مجتمعهم المتنوع. ولاشك لدينا في خاتمة قريبة للمشروع المهدد لحياة منطقتنا ولكن أصداء الانتصار العراقي والسوري، سيكون تعويذة للنصر والبقاء والتحدي الوطني للجميع.

لا يتوقف تاريخ حزننا المزمن ومرارته التي تسللت لجيناتنا سوى هنيهات من صوت الحمام البري عندما يغني على اشجار النخيل والليمون، بطوفان من الرقة والشجن، واضعا ارواحنا في طابور السكينة والاغتسال من ندب الحياة ورثاءها، وإيذانا بالكتابة على جدارية الحياة تقرأه اجيالنا القادمة، بأن حرب الاستقلال انتهت عندما امنا بأنفسنا.