كيف ولماذا هزمنا أمام صدام حسين؟( 15) ـ حزب يموت فيجنب قاتليه العقاب

  الشيوعيون سباقون، انهم متقدمون وطليعيون، هم اول من عرف الانقسام الطائفي، فتحول حزبهم الى جماعات متناحرة، قال زكي خيري عنها انها "تمارس معركة لن تنتهي الا بالضربة القاضية" لم يكن احد يومها قد عرف الطائفية والمناطقية،او جسدها موقفا سياسيا وتنظيميا داخل حزب يفترض انه عصارة الحداثة، ويسمي النظرية الماركسية المفترض انه يتبناها بخيلاء ب"عصارة الفكر البشري"، هم أيضا سباقون في ممارسة الفساد، وفي بيع المتوفر بيدهم "حزبهم" في المزاد، وأسواق النخاسة السياسية، على أبواب السفارات وأجهزة المخابرات العربية والدولية، وقد بلغ الحال بتجار الثورية، درجة التعامل مع المخابرات السعودية، وزيارة "ايباك" الامريكية، واستلام المقسوم "خرجية"، من السفير الكويتي في سوريا، احدهم من القادة الاجلاء حمل مسرورا "جنطة الأمير تركي" مدير الخابرات السعودية ( هي حقيبة تسلم لزواره الأعزاء حين خروجهم من حضرته فيها 10 عشرة الاف دولار، وقطعة قماش حرير لزوم خياطة دشاديش راقية، وعطور، وماتبقى بعلم الرحمن!!!) وكل هذا باسم "الطبقة العاملة" و "البروليتاريا"، ودماء الشهداء، والشيوعية الحمراء، وقد أصبحت مستعدة بقدرة قادر احد، على الاصطباغ بالاخضر، ووضع السيف على علمها ان اقتضى الأمر. فهل يمكن، او يجوز، او هو من حقنا وحق الناس الفقراء، ان نرفع اليوم او غدا شعار "من اين لك هذا ؟"،وان نوجه اصبع الاتهام لا لجماعة وأحزاب "المحاصصة الطائفية"، من السراق العاديين الموغلين في الفساد، بل لشيوعيين سابقين، لعلنا نكتشف بهذه المناسبة، ان الرفاق لهم آباء تركوا لهم إرثا، او انهم عثروا على كنز حولهم بين ليلة وضحاها الى "مليونيرات حمر"، يقطرون ثقافة وادبا رفيعا، ومعارف، هذا اذا تغاضينا عن سجل مزدحم بالموبقات والدسائس والمؤامرات، و غيرها وغيرها من مكائد التسقيط بحق المناضلين، واضطهادهم، واذلالهم، عدا عن قطع ارزاق المخالفين، والعمل في خدمة قتلة شباب الحزب في كردستان، في وقائع دموية شهيرة مؤلمة. فلماذا حدث كل ذلك، ومالذي يمكن ان يفسر مسارا من هذا القبيل، فريد في بابه، وغريب، مثقل بالزخم الوطني والشعبي، وبالتضحيات، وبالوقائع الإستثنائية لواحدة من أهم التجارب التحررية النضالية في المنطقة والعالم، وكيف تسنى لهؤلاء ان ينتصروا، وان يتصرفوا بكل صفاقة ووقاحة، وان يسلموا مع ذلك وبرغمه من المحاسبة، لابل وان يستمروا بممارسة دورهم التخريبي الاجرامي غير المباشر، بينما الجميع ملتزم الصمت، وراض بالقسمة والنصيب، بما يستفز حس العدالة والرجولة العادي، ومعها "الانوثة" الحرة سليلة العراقية العظيمة "فدعة" ويضعها امام امتحان عسير. لايمكن ان يحدث مثل هذا الانهيار الشامل والمريع، اخلاقيا وفكريا، وسياسيا بالتوازي والشبه بحالة الانهيار والتردي الوطنية العامة، عرضا، او بقوة عوامل جزئية، او عارضة اومؤقتة، من نوع العثرات الطارئة التي تمر بها الأحزاب والحركات، وحتى الشعوب، ولكي لايحتسب مانحن بصدده هنا بخانة التعرض الاستدراكي، او الانتقادي الجزئي او الغرضي الشخصي، فيضيع مدلوله، واحتمالات اثره او مفعوله، نبادر الى التنبيه الى اننا تحاشينا من قبل الاقدام على مثل هذه الجردة، بانتظار اللحظة التي يصبح من الممكن خلالها، التعرض لحالة انقلاب وتغير في الأدوار والمكانة الموضوعية التاريخية، وفي شكل وطبيعة الوعي الوطني، بحيث نمهد لارساء عناصر الرؤية الوطنية الجديدة القابلة للتنامي موضوعيا. ومن المؤسف لابل المؤلم لنا، وللغالبية ربما، ان نكون متيقنين، وان نعلن بصراحة بان مانتحدث عنه هو مصير دال على انتهاء مأساوي لتجربة، لقد تعود البعض على معزوفة هي من العدة المعتمدة لدى الحزب المستعار، ومن مقومات حياته الداخلية، القول بان المسالة هي مسالة "عمل واصرار" وان المطلوب هو مواصلة السعي والمحاولة بلا يأس، وتستند هذه الموضوعة"الاستحمارية" لموضوعة لااساس لها مستلة مما يعرف ب "الحتمية التاريخية"، وهي حتمية تشبه يوم القيامة، او يوم الحساب، وضعها ماركس في حينه، وخلال حقبة ومكان بذاته، وقد تجاوزها الزمن والتجربة الإنسانية التي هي ممنوعة على الوطنيين العراقيين، الذين مايزالون مخدوعين يعيشون زمنا لم يعد له من وجود، زمن رحل عن الكرة الأرضية وعن هموم البشرية وتطلعاتها، ذلك مع ان كل هذه النظرية "الماركسية" لاعلاقة لها بتاريخ العراق، ولاببنيته المجتمعية التاريخية، وهي رؤية طرأت على الواقع خلال ظرف إستثنائي، ولعبت دورا في التعتيم على القضايا الوطنية الملحة، وتزويرها، وصولا الى الوقوف ضدها، وكبحها لمصلحة أغراض واستراتيجيات ومقاصد الغرب ونموذجه، على تعدد صيغه واشكاله وطرائقه في الوصول لاغراضه. من السهل بمكان اذا كانت الظروف مؤاتية، كما كان عليه الحال في الثلاثينات، مع احتدام وتيرة الصراع بين "مجتمع اللادولة المشاعي العراقي"، والحضور الاستعماري، الذهاب الى تبنى مقولات مستعارة، واسقاطها على الواقع، والتغني بعبقرية أولئك الذي "طوعوا بعبقريتهم الفذة النظرية لتتلاءم مع الظروف المخصوصة"، بينما هم لم يفعلوا سوى التطبيق الببغائي، وتعمد الهرب من مواجهة المهام الوطنية الكبرى المتروكة، لابل الجاري القفز عليها بكل خفة وادعاء كاذب ووقح، حسب ابسط المقاييس الفكرية. كيف يمكن في بلد مثل العراق كان مهد حضارة الانسان، وعاصمة العالم في العصور الوسيطة، عرف بدايات أفكار البشر ومغامرتهم الفكرية الأولى، وزخر باعلى اشكال التوقد الفكري والتعددي، وبتجارب كبرى مثل القرمطية وثورة الزنج، وتيارات الإسماعيلية واخوان الصفا والمعتزلة، ومعارج التصوف الكبرى، والمذاهب والفلسفات، وعرف قرابة سبع امبراطوريات، وشهد على ارضه اول ثورة فقراء في التاريخ هي ثورة كوراجينا عام 2355 قبل الميلاد، ظهرت فيها لأول مرة في التاريخ وفي وثيقة باقية مكتوبة كلمة (حرية/ امارجي) في "لكش" في ارض سومر، كما ورد كل المعروف اليوم من بنود حقوق الانسان، ان يختصر الى مجرد تاريخ يطابق تاريخ أي بلد كان، ومن دون حتى ادنى لحظة توقف، لابل وياحتقار للماضي وللخصائص، صدوعا لسيادة الغرب ونموذجه. لاشك ان الغرب قد استفز الكثيرين على مستوى العالم، كما انه دفع وحفز كثيرين خارج اوربا كي يلحقوا به، وينخرطون في ركبه، غير ان مثل هذه النزعات كانت محكومة بالمرور شبه الحتمي ـ او الحتمي على مايقول شيخنا ماركس ـ بفترة تطغى عليها خلالها وتطبهعا السذاجة وقوة الانبهار بالمنجز المستجد، بحيث يغيب عن النقلة المنبهرين، اصل وقانون فعل التاريخ والحضارات، وتناوبها الضروري، والذي هو قانون ثابت، يتنافى مع مايظنونه من وحدانية التجارب، او تبعية الأمم بعضها للبعض الاخر، مما يفقد التاريخ اهم عوامل حركته الداخلية، وأسباب صعوده عبر التناقض والتفاعل بين الكتل والمجالات والمجموعات الحضارية المختلفة. وقد يكون الغرب اليوم نجح اكثر من سواه من الحضارات الصاعدة في التاريخ، في إضفاء قوة نموذجه على العالم، على اعتباره "الممكن الوحيد"، لدرجة اصبح القول باي احتمال اخر من قبيل نوايا "صراع الحضارات"، بدل تفاعلها الإيجابي الذي هو سر التقدم الإنساني، وقتها كان كل حديث عن "خصوصية" منبوذا ومستهجنا، باعتباره محلوية غير ملائمة لطبيعة العصر والتقدم، مما حصر هم الشعوب وتطلعاتها داخل رؤية وحدة ومصدر تفكير مهيمن منتصر، فصار من يريدون التحرر من وطاة استعمار الغرب، يفعلون ذلك بناء على قيم ومفاهيم ووفق الوصفة الغربية، ولم يعد ثمة من مخرج غير الغرب نفسه الذي صار "خصما وحكما". وتختلف بالطبع درجة ومستوى الانصياع لمفاهيم الغرب وقيمه وقواعد تفكيره ومنهجياته، لاوفق او بناء لدرجه القرب او البعد عنها، بل، وفق مستوى حصانة البنى الوطنية المختلفة بمواجهة النموذج الغربي، ودرجة مايمتلكه كل نموذج تاريخي حضاي من حضور ووزن، فالهند او الصين، لايمكن، ولم يكن لها ان تذوب امام موجه تسيد نموذج الغرب، متخلية عن طرائق تعبيرها عن نفسها، وهي قد وجدت مايساعدها على استيعاب جوهر وابرز منجزات الغرب، مع إضفاء كينونتها عليها، وادماجها فيها، وينطبق هذا الى حد ما، على روسيا وتجربتها في الانتقال الى الراسمالية بطريق مغاير اعتبر"اشتراكية"، بمزجها المفهوم الأوربي في التغيير، بالاستبدادية الاسيوية، ماتمثل على يد لينين بصيغة من صيغ التحوير الماركسي سمي بالماركسية اللينينية، وتمثل في حزب "مالعمل"، و اجمالي مشروع اختصار الطريق نحو الراسمالية في بلد هو في مؤخرة بلدان اوربا من حيث مستوى التطور، ناهيك عن كونه نصف اسيوي بنيويا. هذا النمط من التحويرات، عرف في حينه على انه إضافات من داخل الماركسية، وجرى اعتماده بصيغ ابرزها حالة روسيا والصين، إضافة لتجار أخرى اقل أهمية. ـ يتبع ـ