اليمين واليسار في العراق

كل المجتمعات البشرية تسود فيها حمى الحياة والتجدد في تحولاتها وفصولها. وعمله يشبه الى حد ما مفاعل بشري يضج بالطاقة والتجدد ثم الاستقرار ريثما يدخل في دورة جديدة. والميكانيزم الشرطي لهذه العملية يتجسد بعزمين متعاكسين في الاتجاه،الاولى/(اليمين)تحاول ابقاء صورة الاستقرار المجتمعي،وحالة الاستاتيك لمجمل علاقاته الإنتاجية ،الاقتصادية،والثقافية،وباقي أوجه نشاطه الحياتي،ومشروعها يراهن على ابقاء الحال على ماهو عليه،وقد تتقبل بعض التمظهرات السطحية،ولكن من دون المس بأعمدة النظام. الثانية/(اليسار)تحاول ان تغيره وتبدله ليتلائم مع طموحها. ومشروعها مستقبلي لتغيير الحاضر وحل إشكالياته التعسفية،وصولا الى ردم الهيكل. مع وجود مروحة من التدرجات والالوان تغطي المسافة الفاصلة بينهما،فتجد هنا متطرف يميني،يمين الوسط،والوسط التوافقي،وهناك يسار متطرف،ويسار الوسط،ووسط ليبرالي. وفِي ختام هذه الفقرة اقول لاتوجد صورة نمطية واحدة لتجدد المجتمعات بل كل مجتمع تحكمه صيغة معينة للتحول،كما ان اليمين واليسار هي صور راهنة للصراع،وقد يصبح اليسار في وقت ما يمين في الوقت اللاحق له. 
ومجتمعنا العراقي لايشذ عن واقع الصراع والتجدد،وتشكل الدولة العراقية  والارهاصات التي ولدتها،بيسار يسعى لتحقيق النمو الاقتصادي والحياتي واستكمال طموحه الوطني في التحكم بموارده واستخداماتها. اما اليمين فكان يناهظ النزعة التحررية بدعوى الاستفادة من المظلة الدولية حفاظا على استقراره،حتى لو كلفها التبعية الاقتصادية له. وكان تصنيف العراق عشية ثورة1958البلد الأسوأ في العالم في معدلات الفقر والامية. 
استخدمت عائدات النفط العراقي والتي تشكل955بالمئة من دخل الدولة الرسمي في التنمية الصناعية والزراعية،وتوفير الحاجات الضرورية،وبسبب توافر النفط كانت لدى الدولة العراقية حصانة من الارتباط بالاقتصاد العالمي ونزعاته في خلق رأسمالية طفيلية معولمة،تتغذى على سلعه المستوردة،وتسيده على الاسواق المحلية،فأصبح العراق بحلول 1978متصدرا لقائمة الدول النامية،واصبح دخل الفرد السنوي4000دولار بينما كان188دولار في العهد الملكي. بسبب بقاء ثروته داخل البلد ونموها وتراكمها من اعادة التدوير والاستثمار. 
 وفِي ظلال هذه الرفاهية شهدنا ولادة يمين داخل حزب النظام(البعث)بتشجيع وتفاهم وتنسيق مع الغرب وحلفاؤه بالمنطقة،وصل الى درجة الاستعداد لسيناريو مابعد تغيير نظام الشاه،وشن حرب ضدحكامه الجدد بقصد الحصول على مزايا جيوستراتيجية(شط العرب،وعربستان،،الخ)ولايحتاج الامر الى ذكاء لتحديد الجهة التي تم التنسيق معها ذلك اليمين المتجسد(بصدام حسين)والتي تمتلك مسؤولية تغيير الانظمة في العالم واقصد الCIA،اما اليسار فكان يدعو الى ترسيخ الهوية الوطنية واستحقاقاتها السياسية والتمثيلية والثقافية في دولة مواطنة وبرلمانية دستورية،تماشيا مع روح العصر ومكتسبات التطور الحاصل في مجالات الصناعة والحياة عموما. ومع الاستعدادات الدؤوبة لحرب متوقعة مع ايران التي تفوقها مساحة ونفوس،والحاجة الى مركزية مطلقة في ادارة الدولة والمجتمع،قام بتصفية اليسار ومطاردة عناصره1978ولم يسلم من هذه التصفيات حتى قيادات الصف الاول من حزب البعث1979،وعسكرة المجتمع والاقتصاد والصناعة. ولاحاجة لنا في القول بأن الحرب اداة لتحطيم إمكانات الدولتين ايران والعراق،وهي من مخططات النيوليبرالية الغربية،والتي لم تكتفي بحرب الثمان سنوات بل استأنفت الامر في استدراج العراق الى غزو الكويت ثم الحصار والغزو. 
 اختم بالقول في هذه الجزئية  ان الحرب هدف ستراتيجي بالنسبة للنظام العالمي الجديد،سواء في هذه المنطقة اوغيرها من اصقاع العالم،غايتها تجريد المنطقة من امكانياتها وتفتيتها لضمان تبعيتها ونهبها بشكل مطلق(تحقق مصالها بالحرب والسلام). 
وسيناريو الحكم والدولة المتشكلة بعد20033،كان افضل صيغة لمتوالية الحروب الاهلية،وتحطيم المجتمع العراقي،والقضاء على صيغة تعايشه التاريخية. ومن الامور المثيرة للسخرية ان تصنع امريكا لنفسها اجمل صيغ التعايش الانساني والحضاري لمجتمعها الكوسموبوليتي الحديث الولادة قياسا لمجتمعنا المعمر الاف السنين والأقل تنوعا والمحمل بأكثر المشتركات تقاربا في هويته. وكل ذلك تم بحرائق متنقلة تحت مظلة التفتيت،وغرس جدران الكراهية الفاصلة بين الاخوة التاريخيين. 
 وضمن هذه الصيغة الكيميائية الشيطانية المطبقة،نجد فصيل من اليسار متوافق ومبرر لها،ومع تفاقم التهديدات لوجود وفناء العراق،اصبح التصدي لماكنة الحرب نداء استغاثة لكل أطراف اليسار واحياء كل مصادر القوة ورموزها الدفينة في روح وتراث العراقيين والتماهي معها. اخيرا اود القول في مسك الختام ان اليسار ليس في احسن حالاته،بعد سلسلة الخيبات والانهيارات العالمية والمحلية،وقد يكون ظرفا مواتيا للتقارب والاتفاق في فرصة نادرة الحدوث.