اجتثاث العَلمانية!

تحتل مفردة الإلحاد والعَلمانية هذه الأيام على ألسنة بعض قوى الإسلام السياسي المرتبة الأولى في التحشيد الانتخابي، حيث أبدى السيد المالكي قبل فترة وجيزة مخاوفه من وجود مجتمع مٌقّسَم إلى "مدنيون وعلمانيون وإسلاميون". وقد تبعه على هذا المنوال السيد عمّار الحكيم وهو يتوّعد الملحدين بضربهم "بيد من حديد". ومن هذه الناحية يمكن القول أن السيد المالكي أرسى تقليداً انتخابياً جديداً للأحزاب الإسلامية الحاكمة سيكون رأسماله اللاحق هو افتعال أزمات لا وجود لها في واقعنا الاجتماعي اللهم إلا في رؤوس أحزاب الإسلام السياسي.

ونحن بهذا على وشك ثورة مزدوجة (علمانية إلحادية لادينية) شبيهة بالثورة الصناعية في بريطانيا، والسياسية في فرنسا، وسيكون أبطالها الملحدون واللادينيون والعلمانيون، فقد اكتشفت مؤخراً قوى الإسلام السياسي، أن بنيتنا التحتية المتهالكة، وضياع ثلث البلد على يد داعش، وتنامي ظاهرة المتسولين والأرامل والمطلّقات سببه الرئيسي هو الملحدون!

وفي ضمير السادة الإسلاميين لا يجوز للشعب أن يتقسّم إلى فئات فكرية مختلفة؛ فالشعب الذي يتخيله هؤلاء شعبٌ مشاعيّ! تتلاشى فيه الطبقات، وبهذا تتوزع الأموال بالتساوي في مشاعية الإسلاميين (من كل حسب قدرته، ولكل حسب حاجته). شعب مُحَرّم عليه الشروع بالتفكير خارج وصايا الحزب الحاكم، ولا يحق له زرع بذرة الاختلاف ضمن سياقات الديمقراطية المعمول بها في المجتمعات المتقدّمة. إنه شعب يرى ويسمع ويتكلّم طبقا لسردية السادة المتأسلمين وإلا ستحل عليه اللعنة آجلاً أم عاجلاً.

إنها مشاعية إسلامية هذه المرّة على طريقة قوى الإسلام السياسي، تستبسل (محاكمها) فيما لو تجرأ أحد في التفكير عن المسكوت عنه، وبالطبع ستبدي هذه القوى مقاومة عنيفة لكل أشكال اليقظة الفكرية عبر مقاومتها بكل الأشكال المتاحة والشرعية !، المهم إنها قضيّة تستفزّ الوجدان القمعي لهذه الأحزاب حتى لو لم تكن موجودة وغريبة عن سياقنا الاجتماعي.

سوف تتحرر وسائل الإنتاج من القوى العلمانية المجرمة التي سرقت المال العام ونهبت المليارات وأسقطت ثلث العراق على يد الزمر الإرهابية. أليس العلمانيون هم من زرعوا بذرة المحاصصة الطائفية، وأرجعوا البلد إلى ماقبل القرون الوسطى بمدة وجيزة وقياسية؟! حتى أن الذين خرجوا للتظاهر للمطالبة بحقوقهم كانوا مدعومين من قبل دولة الموزمبيق، بالتعاون مع مخابرات بوركينو فاسو وجزر القمر لنشر العلمانية والإلحاد. وبهذا يحق للسيد المالكي والسيد الحكيم ومن يتفق معهم ويصفّق ويطبّل ويزمّر لهم، أن يجعلوا من هذا الخطر الجسيم قضية رأي عام.

ليس مستغرباً أن يصدر السياسيون المفلسون أنفسهم بهذا الخطاب الأجوف، لكن المستغرب حقاً هو حال القطعان الغريزية المغيبة، التي تنظر أليه وتسمع بأفواه مفتوحة، جاعلين منهم خلفاء الله المرتقبين وخطوط حمراء من قبل هذه القطعان الميّتة.

تبقى تنظيمات الإسلام السياسي تعتاش على (المعثرات)، وإثارة قضايا متعالية عن الواقع. ولن يأتي اليوم الذي نرى فيه مشروعاً اقتصادياً، أو خطوة لبناء الدولة من هذه التنظيمات، التي لا يهمها سوى سرقة المال العام، والضحك على قطعانهم واستثارة غرائزهم، وخلق أضداد وهمية ليس لها وجود سوى في أذهانهم، وهم عباقرة في خلق الأضداد، وإنّا لله وإنّا أليه لراجعون.