من القوميات «المدجنة» إلى القوميات الفاشية: حقبة جديدة؟

المقالة السابقة، في الأول من كانون الثاني (يناير) 2017، تأملت في أخطار الصعود المعولم لـ «الداعشيات الدينية والداعشيات الغربية في عالم جديد مخيف». ولئن كان الحديث عن الداعشيات الدينية هو الأكثر رواجاً وإلحاحاً بخاصة في منطقتنا، فإن الداعشيات الغربية متمثلة في الصعود المتسارع للشوفينية القومية بتلاوينها المختلفة لا يقل إلحاحاً ويحتاج إلى وقفة وتأمل اضافيين. تعولم الداعشية الدينية عبر انطلاقاتها ما وراء الحدود الوطنية سمة ليست جديدة بل قديمة ملازمة لظهور التبشير والدعاوى الدينية، وأخذت على الدوام سمات مختلفة وأحياناً متناقضة. فأحياناً ترافق الداعشية الدينية مشروعات الغزو الأمبرطوري وتبررها وتقف إلى جانب القوة المتوسعة وتتحالف معها. وأحياناً تطلق مشروعها الخاص بها الذي ينهمك بتفريغ طاقات لا نهائية لأتباعه غالباً من دون وعي وتبصر، فيؤول المشروع وأتباعه إلى خانة التوظيف من قبل القوى المتصارعة في ذلك الوقت المعني. اما التعولم الآخر الذي لا يقل خطراً وتهديداً على عالم اليوم فيتمثل في الصعود المُتسارع والمُتنافس للقوميات المُتشددة في معظم مناطق العالم، بدءاً من الولايات المتحدة ثم وأوروبا (غربيها وشرقيها) ومروراً وتوقفاً بتأمل مرعب في إزاء حالة روسيا وليس إنتهاءً في الصين وإنتشاء قوميتها الراهن.

 

 

بالإمكان القول إن تاريخ العالم المعاصر بعد الحرب العالمية الثانية لم يشهد صعوداً مماثلاً لهذه القوميات التي تزداد حدة تطرفها وتنافسها بين بعضها في مسرح التطرف وفي سباق قاتل باتجاه من يصل إلى الشوفينية التامة اولاً. هناك جذور وأسباب عديدة لهذا الصعود ويصعب إيجازها في مقاربة محدودة، لكن يُشار هنا إلى فشل السرديات الكبرى لليبرالية ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، والارتدادات غير المتوقعة لتيارات العولمة الاقتصادية والتواصلية والهوياتية وما جلبته من هواجس الخوف على الثقافات والهويات المحلية، وكذا الأزمات المالية والاقتصادية التي عصفت بكثير من البلدان والاقتصادات، إضافة إلى صعود الداعشية الدينية وما سبقها وتلاها من ازدياد اعداد المهاجرين في الغرب. لا تنطبق كل هذه العوامل وغيرها بنفس الدرجة والقوة على كل حالات الصعود القومي الفاشي الذي نشهده اليوم، بل ثمة تنويع لحجم وأثر العوامل المختلفة وفق الحالة والمعطيات. لكن ما يهم هنا على الأقل هو تلمس الخطوط العريضة للصعود شبه المفاجئ لعالم يطفح بالإدعاءات القومية سياسياً وتمجيداً والسياسات الحمائية اقتصادياً ومالياً، وفيه تتحفز وتتوتر الحكومات التي تسيطر عليها تيارات يمينية شعارها الانكفاء على الذات بدعوى الحفاظ على النقاء القومي، او إغلاق الحدود امام المهاجرين، او عدم ملائمة دين ما (الإسلام في اغلب الحالات) للاندماج في الثقافة والمجتمع المضيف.

 

 

من ناحية نظرية صرفة انهك التأمل في فكرة القومية والقوميات كثيراً من المفكرين والفلاسفة ذاك ان القومية، وربما ككثير من الأفكار والبنيات الكبرى الأخرى، تحمل الشيء ونقيضه. من ناحية عملية سياسية ربما كان اهم ما تطرحه الفكرة القومية، بعد تدجينها، وبعيداً من أساطيرها وحمولاتها الرمزية، بخاصة في عالم ما بعد الإمبرطوريات، هو فكرة السيادة القومية واحترام الدول لسيادات بعضها بعضاً، وتجريم الحرب والاعتداء على هذه السيادة (بخلاف ما كان عليه وضع العالم الإمبرطوري). وهذا السلام النسبي الذي حققته القومية على ارضية فكرة الاحترام المتبادل للسيادة ربما كان فضيلتها الوحيدة. على العموم، تعني القومية تمايز المجموعات البشرية تبعاً لقواسم إثنية او لغوية او تاريخية أو سيادية مشتركة تعزز من التشابه في ما بينهم والافتراق عن غيرهم، وتستدعي من تلك المجموعات الإقرار بتلك التمايزات واحترامها. في حالاتها الناعمة والمدجنة والتعايشية تصبح القوميات ثقافات تعددية تعزز العالم المتنوع والكوزموبوليتاني. اما في حالاتها وتحولاتها الخشنة والفاشية فإن ذات القوميات تتحول إلى وحوش ضارية لا تعرف إلا الحروب وكراهية الآخر، وإعلان تفوق الذات على الآخرين وأسطرتها بخرافات الماضي وأمجاده المنفوخ فيها دوماً. نحن الآن في عالم نشهد فيه تحول قوميات عديدة من حالاتها الناعمة المدجنة إلى حالاتها الخشنة والفاشية.

 

 

بيد ان التنويع الشوفيني المتعصب ليس حكراً على الفكرة او الإيديولوجية القومية، بل تنطبق احتمالية التطرف الشوفيني على كل السرديات الكبرى وتقترح حلولاً كلانية للبشر والمجتمعات والكون، بما فيها الأفكار الدينية والدنيوية. كل الأديان وبلا استثناء طرح اتباعها اوجهاً مختلفة لتفسيراتها الاجتماعية والسياسية، من التطبيق السلمي التعايشي التعارفي، إلى التطبيق الحربي الاقصائي الإنغلاقي. أتباع كل دين في كل زمان ومكان يروجون تفسيرات متناقضة تماماً، بعضها يقول إن الدين هو رسالة محبة لجميع البشر وليس مقصوراً على اتباعه، وبعضها يقول إن اتباع الدين هم المختارون والأفضل على بقية البشر، مُقدمين تفسيرات استعلاء الذات الدينية الجماعية وما يترتب عليها من سياسات وممارسات تجيز العنف وتشرعنه. داعش الإسلاموية اليوم ليست «بدعاً في الأديان» بل سبقتها داعش المسيحية وداعش اليهودية وتكمن بموازاتها اليوم دواعش اخرى هندوسية وبوذية (تستأصل بلا رحمة مسلمي مينمار مثلاً). في الإيديولوجيات البشرية قدمت الماركسية نموذجاً آخر لتعدد التفسيرات، من الستالينية الدموية القاتلة إلى الاشتراكيات الأوروبية الإسكندنافية، وما بينهما من طيف عريض يمتد من جنوب شرقي آسيا، إلى قلب افريقيا وصولاً إلى طول وعرض اميركا اللاتينية.

 

 

بالعودة إلى التأمل في عودة النزعة القومية الشوفينية في عالم اليوم يمكن القول انها تتصف بملامح عدة منها، وربما اولها، السمة العولمية إذ نحن اليوم امام ما يمكن وصفه بـ «تعولم الشوفينيات»، بمعنى تعاضد الصعود المتسارع والمتوازي والمُدهش للقوميات المُتشددة في معظم، ان لم يكن كل، مناطق العالم. وكما هي الظاهرات المعولمة التي شهدها البشر في حقب مختلفة، يقف عالم اليوم على حافة الانزلاق إلى حقبة معولمة جديدة محورها التقوقع القومي المتشدد على الذات وتبجيلها والاستعداد المرضي لخوض صراعات وحروب قومية تستبطن إدعاءات المجد والتفوق على الآخرين. المفارقة هنا ان لفظة «عولمة الشوفينية» تحمل تناقضاً ظاهرياً في المعنى ذاته، ذاك ان العولمة تعني كسر التقوقع القومي والانفتاح وتجاوز ظاهرة معينة للحدود القومية. تعولم الشوفينية يعني هنا انتشار الشوفينية على رافعة التشدد القومي في رقاع العالم العديدة، لتشتغل ضد الانفتاح والتعولم التعاوني. الملمح الثاني لما نراه هو انطلاق نظرة القوميات المُتشددة لمصالح دولها وشعوبها من زاوية صراعية صارمة لا تقبل إلا الظفر والفوز بـ «الغنيمة كلها»، ولا تتعقل الصراعات والسياسة الدولية إلا بكونها معارك صفرية، لا يتحقق ظفر المنتصر بأي منها إلا عبر الخسارة الشاملة والمدمرة للآخرين. في كل صراع او حتى تنافس مع الآخر ليس هناك حلول وسط يؤمن بها القومي المتشدد، بل الإجهاز على الآخر كلياً وهو الإجهاز الذي وحده يؤشر إلى النصر. الملمح الثالث يتمثل في الهوس بنوع مُحدد من القادة الشعبويين الذين لا يعترفون بالسياسة بكونها آلية لتطويق الخلاف وتسهيل المساومة والوصول إلى حلول ترضي الحد الأدنى للأطراف المتصارعة، بل ينزعون إلى الخطابية والشعاراتية وتبني سياسات قصوى تنتزع التصفيق والتأييد الغوغائي حتى لو لم تكن محسوبة وعقلانية. القاسم المشترك لهؤلاء القادة هو التغني بالهوية القومية المتمايزة تفوقاً عن غيرها من القوميات، والتحسر على المجد القومي الغابر الذي يعلن القائد المعني مهمته الرسولية بإعادة بعث ذلك المجد (بوتين وترامب وكل قادة اليمين الأوروبي، كما هم قادة الشوفينيات الدينية، ينهلون من نفس الأساطير التي تمجد الذات وتحط من قيمة الآخر). الملمح الرابع، وليس الأخير، هو ان «العدة الفكرية» للقومية الشوفينية الجديدة مُتناقضة ومرتبكة ومُربكة إذ هي خليط من افكار متناثرة وخلطة ايديولوجية غريبة فيها تشظيات رأسمالية وماركسية، وعلى ارضيتها تلتقي تيارات وتوجهات كانت حتى وقت قريب تعادي بعضها. من جهة، هناك المدافعون عن الاقتصاد القومي المطالبون بحمائية اقتصادية ضد العولمة الاقتصادية التي برأيهم اضرت بالاقتصاد القومي وأفقدته السيادة على السياسات النقدية والمالية، وعملت على تمييع الحدود والقدرة المحلية في السيطرة على القرار الاقتصادي، وهؤلاء رأسماليون شرسون. ومن جهة اخرى شرائح من اليسار المعادي للعولمة الاقتصادية من منطلق تدميرها للطبقة العاملة في بلدانها وتعميق فقر الطبقات المسحوقة وزيادة البطالة، كما يتم التنظير. وبين هؤلاء وأولئك تنويعات مختلفة معادية للوضع القائم، او عدمية، او خائفة، فضلاً عن كل اعداء المهاجرين وأعداء التعددية الثقافية والدينية. كل هؤلاء يعتبر الانفتاح والاندماج في المحيط الأوسع هو جذر الخراب الذي يتعرض له «الوطن». في مطلع العام الجديد تتمظهر عولمة القوميات الشوفينية في، وعبر التلاقي الغريب بين الرأسمالية القومية المتشددة وتنويعات من اليسار المرتبك، في بريطانيا حول الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي وفي فوز ترامب في الولايات المتحدة وفي الفوز المتوقع لأحزاب اليمين في اكثر من دولة اوروبية مثل فرنسا وهولندا والنمسا وربما ألمانيا، إلى جانب أوروبا الشرقية المحكومة اساساً باليمين. هل يدخل العالم حقبة جديدة لا تنذر إلا بالشر؟

* كاتب وأكاديمي عربي

الحياة