شخصيات بغدادية قديمة 3 من 3

بغداد

- المدارس والمعاهد والنوادي: وفي حديثه عن التعليم والمدارس في بغداد العشرينات، يخبرنا عباس بغدادي بالآتي: لم تكن هناك بنايات للمدارس بل بيوت تؤجرها الحكومة ، ثم بدأت الحكومة ببناء المدارس للأولاد والبنات واهتمت بالتعليم لدرجة ان الملك فيصل الأول سجل نفسه معلما في مدرسة المأمونية الابتدائية في الميدان وسجل ابنه الأمير غازي في فرقة الكشافة. أما الثانويات فكان منها اثنتان : الثانوية المركزية والثانوية الشرقية في محلة السنك. ولما كانت الحاجة ملحة للمعلمين فقد افتتحت الحكومة ثلاث مدارس للمعلمين : دار المعلمين والمدرسة الريفية ودار المعلمين العالية. وصدر قانون يسمح بتعيين المعلمات بعمر ست عشرة سنة بدلا من ثماني عشرة سنة. وتم التعاقد مع معلمين من سوريا ولبنان وفلسطين ومصر ومنهم على سبيل المثال : نجيب مشرقي ولبيب الاسكندراني و إدوارد جرجي و جلال رزيق و عز الدين التنوخي و عزت دروزة . وكان في الثانوية المركزية مرسم كبير لتدريس الرسم مع المدرس شوكت سليمان و في قاعة المدرسة بيانو يقوم المعلم جاك سوفير بتعليم التلاميذ العزف عليه وفيها مختبر كيمياوي أما الألعاب الرياضية فكانت تجري في ساحات المدارس. وكانت هناك مدارس دينية في الجوامع و الكنائس والكنس اليهودية  البغدادية مثل مدارس : عبد الوهاب أفندي النائب ومدرسة الآلوسي و مدرسة يوسف عطا الله و مدرسة حيدر الحيدري ومدرسة  التفيض والمدرسة الجعفرية ومدرسة الإليانس وشماس لليهود ومدرسة الكلدان ومدرسة الأرمن ومدرسة للاتين للمسيحيين. و استمرت البعثات بالذهاب إلى اوروبا أو أميركا وفقا لأحوال الدولة المالية وتبعا لمزاج وزراء المعارف. ونادرا ما يدخل المعلم صفوف الابتدائية بدون مسطرة او عصا صغيرة عدا المدارس المسائية فتلاميذها كبار في السن. وكان الأهالي ينتظرون ظهور نتائج الامتحانات فإذا نجح ابنهم فإن الهلاهل "الزغاريد"  تدوي في المحلة علاوة على أنهم ( يطشون عرب ويهليه و خطار ويهلية = ينثرون الحلوى الصغيرة  ) على رأسه و رؤوس صبيان المحلة.

أما النوادي التي تأسست في العشرينات ببغداد فكان اولها النادي العسكري وكان في هذا النادي زوج من طائر البجع الأبيض وهو طير نادر لم ير أهل بغداد مثله  وكانوا يأتون للتفرج عليه. والنادي العراقي وأسسه عدد من الوزراء العراقيين يلعبون فيه البوكر والكانكان وبعد كأس او كأسين تبدأ المساومات السياسية استعدادا لتلبية رغبات البلاط الملكي.

 ونادي التضامن أو " منتدى التهذيب وأسسه مجموعة من الشباب المثقف وله نشاطات رياضية ككرة القدم وكان مقره في الأعظمية . نادي العلوية وأسسه  الإنكليز لقربه من مساكنهم وكانت إدارته إنكليزية  وفيه حوض لسباحة الرجال والنساء وحتى حين تبدلت الإدارة  إلى عراقية ظلت الإدارة لا تقبل عضوية إلا من كان حائزا على شروط " معينة" . ونادي لورة خضوري  وهو ناد يهودي أقامته الطائفة اليهودية " أو الموسوية كما كانت تسمى في العراق" وكان من أشهر رواده رئيس الوزراء ياسين الهاشمي. ونادي البولو المخصص للعبة البولو العربية المشهورة ( لعبة على الخيول بين فريقين من أربعة لاعبين لضرب الكرة بعصا خاصة، والمرحوم بغدادي يعتبرها عربية الأصول ولكن خبراء آخرين يعتبرونها غير ذلك. ع.ل).

ونادي جمعية الشبان المسلمين ومقره في الصالحية بجوار دار الإذاعة  العراقية. ونادي الأرمن ونادي صيد الحمام الذي تأسس في بداية العشرينات ونادي الكمارك وهو أول نادي للموظفين في العراق وفي نهاية العشرين تأسس نادي المحامين، وجمعية الشبان المسيحيين وكان فيه جناح خاص للنساء المسيحيات ( لمنع الاختلاط). يتبع.

    

 

- الصحافة والسينما: كانت صحافة المعارضة هي الوحيدة التي هزت ضمير و إحساس المجتمع البغدادي لأنها تدغدغ أحلامهم وأمانيهم في الاستقلال ومقاومة الأجنبي المحتل. ومن صحف تلك الأيام نذكر: الاستقلال، و جريدة دجلة، و البدائع  جريدة سليمان الدخيل، المعارضة للحكم البريطاني، والشعب، والأمة،  وجريدة الحزب الوطني، والإخاء، والتقدم، لسان حال حزب التقدم. و قد حضر باحثون ومفكرون الى بغداد وألقوا فيها محاضرات ومن هؤلاء المستشرق الفرنسي الشهير ماسنيون والكاتب المصري أحمد أمين .  وفي أواخر العشرينات وصلت الجرائد المصرية مثل الأهرام والمقطم والسياسة والمجلات المصرية مثل اللطائف المصورة الماسونية ومجلة المصور لآل زيدان والكشكول وآخر ساعة وروزاليوسف والكواكب. وكان التمثيل في بغداد العشرينات يعتبر نوعا من ( القشمرة = النصب والخداع) وقيل أن أحد حكام الجزاء في بغداد سأل أحد المتهمين عن مهنته فأجابه أنه ممثل فقال الحاكم لكاتب الضبط : أكتب أنه " قشمر" .

وانتشرت دور السينما في بغداد ومنها يذكر المؤلف : سينما العراقي في الميدان، رويال في باب الأغا، وسنترال في محلة العمار ، سينما أولومبيا في محلة المربعة و سينما الوطني وكانت سينما رويال أفخم دور السينما فكراسيها وثيرة وستائرها مخملية تفصل بين لوج " مقصورة"  وآخر وفي واجهة كل لوج لوحة زيتية لأحد الرسامين لذلك كانت تبدو و كأنها أحد ألواج دار الأوبرا في باريس أو لندن. أما السينما الناطقة فقد وصلت إلى بغداد في الأوائل الثلاثينات ومن أشهر أفلام العشرينات فيلمان هما : فيلم خطايا البشر للممثل الألماني إميل جاننكس واستمر عرضه عدة أسابيع والناس مزدحمون على أبواب السينما لمشاهدته وأفلام شارلي شابلن وطرزان وبدأت النساء البغداديات بارتياد السينما في منتصف الثلاثينات. يتبع في الحلقة الأخيرة قريبا.

 

 

- بديعة عطش ..الموسيقى والرقص والغناء : ( كانت المطربات يجلسن على الكراسي في صف واحد في آخر المسرح - في الملهى - وأمامهن الموسيقيون في الصف الأول ، وكان من أشهر المغنيات والراقصات آنذاك: رحلو، وسلطانة يوسف، وصديقة الملاية ، وبدرية أم أنور، وجليلة العراقية أم سامي، وخديجة علي، وسليمة مردخاي الإيرانية (سليمة مراد باشا زوجة الفنان الراحل ناظم الغزالي لاحقا ) التي كانت تضع على سيارتها علما خاصا بها وتقرض عِلية القوم الأموال، كذلك بدرية السواس، وبديعة عطش، وفريدة علي وجميلة دنكر وحسيبة ألماز وغيرهن . وعلى جدار مسرح الملهى كانت توضع لوحة كبيرة كتب عليها ( طلب البستات ممنوع) والبستات هي الأغاني الخفيفة البغدادية الشهيرة التي تعقب أدوار غناء المقام العراقي، فما أن ينتهي المغني من أداء مقام حتى يعقبه بالبستة البغدادية. وسبب منع طلبات البستات هو شدة الطلب وحصول المشاجرات والعراك بين رواد الملهى. أما أجرة الدخول للملهى فكانت اربع آنات (الآنة أربعة فلوس)، وبعد انتهاء فصل الغناء والرقص يبدأ عادة فصل هزلي يقدمه هزليو ذاك الزمن أمثال جعفر أغا لقلق زادة وهو شارلي شابلن البغدادي في ذاك الزمن واسمه الحقيقي كامل عبد المهدي من اهالي كربلاء، بالاشتراك مع حسقيل أبو البالطوات وهو يهودي هزلي ، مختص بالترويج والدعاية آنذاك ، وكلاهما ماتا بائسين لا أحد لهما بعد أن كانا يُضْحِكان بغداد .

وقد حصل انفتاح على اللهو والملاهي والموسيقى ووسائل الترفيه في بغداد بعد عام 1908، العام الذي أعلن فيه الدستور العثماني الذي أعطى الحريات النسبية للمجتمعات والجماعات الدينية والقومية التي كانت تحت الحكم العثماني ورفعت قيودا كثيرة كانت مفروضة على الصحافة والأنشطة الاجتماعية. فظهرت الملاهي والمراقص والجوقات الموسيقية ، وتحول العديد من المقاهي الى ملاه ليلية ( تياترو) وخصوصا بعد الاحتلال البريطاني الذي سمح بالكثير مما كان محظورا أيام العثمانيين ، وصار البغداديون متلهفين لحضور تلك الليالي الحافلة بالرقص والغناء والموسيقى ، وكثرت الراقصات اللواتي راح الكثير من البغداديين يتزاحمون عليهن وعلى حضور عروضهن بعد أن كانت حفلات الرقص يؤديها غلمان ( ذكور ) يتجملون وهم يلبسون ملابس النساء ويتشبهون بهن مثلما كان الحال في حفلات الرقص في مقهى عزاوي ومقهى سبع في الميدان ،

وكان لليهود دور في إشاعة الموسيقى والغناء ، فأغلب عازفي (الجالغي البغدادي) المرافقين لقراء المقام العراقي . وهو الغناء البغدادي العريق واللون الشائع آنذاك كان معظمهم من اليهود) .

ويقول المؤلف عباس بغدادي (كانت الملاهي تتجمع في منطقة الميدان التي اصبحت مركز اللهو والمتعة فيما بعد، فهناك أوتيل الهلال وفيه 'بدرية السواس' وفرقتها، لهذا سمي أوتيل بدرية السواس، وهناك ملهى نزهة البدور وقهوة عزاوي). وكانت الراقصة بديعة عطش من أجمل الراقصات اللواتي قدمن بغداد وهي التي خلدها الشاعر الكبير الجواهري ( وكان في العشرينات ما يزال يرتدي الزي الحوزوي أي العمة والجبة ) في قصيدته التي اخترت لكم منها أكثر مما اختار المؤلف عباس بغدادي، الذي اكتفى بذكر مطلعها، لتكون هذه الأبيات ختاما مسكيا لهذه السلسلة التعريفية ببغداد العشرينية والتي لا يمكن أن نأخذ عنها فكرة وافية دون أن نقرأ الكتاب الذي استعرضناه في هذه الجذاذات ( بغداد في العشرينات – عباس بغدادي – ط 2 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت ). قال الجواهري عن الراقصة الحسناء بديعة عطش وقد نشرت القصيدة في إحدى الصحف البغدادية ذاك العهد :

هُزِّي بنصفِكِ واتركي نصفا....... لا تحذَري لقَوامكِ القصفا

فبحَسْبِ قدِّكِ أنْ تُسنِّدَه .......هذي القلوبُ ، وإنْ شكتْ ضَعفا

أُعجبتُ منكِ بكلِّ جارحةٍ ....وخصَصتُ منكِ جفونَك الوَطفا

تُرضينَ مُقترباً ومُبتعِداً .............وتُخادعِينَ الصفَّ فالصفّا

أبديعةٌ ولأنتِ مُقبِلةً ................ تستجمعينَ اللُّطفَ والظَّرفا

ولأنتِ إنْ أدبرتِ مُبدية .............للعينِ أحسنَ ما ترى خَلْفا

هُزِّي لهم رِدفاً إذا رغِبوا........... ودعي لنا ما جاورَ الرِّدفا

ملءُ العيونِ هما وخيرُهما.............. ما يملأُ العينينِ والكفّا

وكلاهما حسنٌ وخيرُهما ..............ما خفَّ مَحمِلُه وما شفّا

هذا يرفُّ فلا نُحِسُّ بهِ....................... ويهزُّنا هذا إذا رَفّا

ونَكِلُّ عن هذا فنَطْرَحُهُ ...............ونُحِلُّ هذا الجيبَ والرفا

ونزورُه صبحاً فنلثِمُهُ ...................... ونَضُمُّهُ ونَشَمُّهُ ألفا.

شكرا لكم ولكنَّ جميعاً على المتابعة والتعليقات... وإلى اللقاء مع كتاب وكاتب آخر.