مآل التنوير في الفكر العربيّ الحديث

كان الفكر العربيّ الحديث قد شهد منذ أواخر القرن التاسع عشر ، وأوائل القرن العشرين ؛ دعوات إلى العقل ، والحريّة ، وروح الاستنارة ، وشيء من العدل الاجتماعيّ ؛ من أجل أن يغادر العرب وهدة الظلام التي تردوا فيها زمناً طويلاً ، وأن يصلوا من حضارتهم ما انقطع .
وقد كانت الدعوة إلى العقل ، في وجه من وجوهها ، تسعى نحو الخروج من إسار التاريخ ، ونفض غبار الزمن الماضي لئلا يظل الأموات يحكمون الأحياء ، وكانت الدعوة إلى الحريّة يراد بها طرد المستعمر حتّى تتملّك البلاد أزمّتها ، وتدير شأنها ، وكان يراد بها أيضاً أن يكون الإنسان حرّاً في فكره ، وحرّاً في ما يطوي عليه ضميره .
وكلتا الدعوتين ؛ الدعوة إلى العقل ، والدعوة إلى الحريّة متكاملتان ، لا تغني إحداهما عن الأخرى . فإذا تمّ ما يراد منهما سلك المجتمع سبيل الاستنارة ، ودنا شيئاً ما ممّا يرجوه من عدل اجتماعيّ .
وقد بذل في سبيلهما رجال الفكر جهداً حميداً ؛ كان قد أوقد شعلته رفاعة رافع الطهطاوي حين اقتبس قبسات من الفكر الفرنسيّ لمّا أُرسل إلى فرنسا مع البعثة الدراسيّة ليكون إمام صلاة ؛ فكان إمام صلاة ، وإمام فكر ؛ يرتاد النافع المفيد لأهله . وبقيت الشعلة التي أوقدها في سبيل مفارقة الظلام وما يتصل به ، تتّقد وتخبو على قدر ما يأتيها من زيت ، ويتهيّأ لها من هواء نقيّ . لكنّها لا تفتأ تبتغي أن تمسّ مرافق الحياة كلّها ، وأن تنشر فيها ضياء بنحو ما .
وقد أُتيح لوهْجها أن يسطع عندما هبط مصر جمال الدين الأفغانيّ ، وأشاع في من أحاط به أسئلة عن النهضة وأسبابها ، وعن التواني الذي يُثقل الرقاب . ولقد لقي فكره تقبّلاً حسناً لدى رهط ممّن كان معنّىً بعبء النهضة بعد الرقاد ؛ يجيء في طليعتهم محمّد عبده ، وقاسم أمين ، وأحمد لطفي السيّد .
على أن أمر الحريّة وما هو منها كان قد استحوذ على عبد الرحمن الكواكبيّ فوضع : ( طبائع الاستبداد ) يُبيّن فيه ما يجني استبداد السلطة على الناس فيفلّ قواهم ، ويفسد أخلاقهم حتّى لا تبقى لأحد معه كرامة . 
ولا يبعد ما صنع الكواكبيّ عمّا أبقى جمال الدين الأفغانيّ من أثر في تلاميذه ؛ فلقد سعى محمّد عبده ينظر في الدين نظر العقل ، ويستبعد ما ألقى عليه السلاطين من ظلال كئيبة تؤذي الإنسان ، وتحبط عزيمته . وبدا لقاسم أمين أن حريّة المجتمع لا تتمّ ما بقيت المرأة مقهورة ، مغلوبة على أمرها ، وأن لا بد لها من أن تخرج من إسارها القديم حتّى يبلغ المجتمع ما يصبو إليه في تمام حريّته .
ورأى أحمد لطفي السيّد أن غذاء العقل إنّما يكون بالفلسفة فشرع يترجم آثار أرسطو ؛ يريد بها أن تزيد من النزوع العقليّ ، وترسم له مساره ، وجعل ، مع الترجمة ، يكتب المقالات في صحيفته ( الجريدة ) يمهّد بها سبيل الاستنارة ، ومغادرة الظلام . وقد نفذت أشعّة من فكره في جملة من طليعة ذلك الجيل الناشئ في مطلع القرن العشرين كمثل طه حسين ، وعليّ عبد الرازق ، ومحمّد حسين هيكل ، والعقّاد ، وغيرهم . وكلٌّ كان يزيد من زيت مصباحي العقل والحريّة . كان طه حسين قد اتّجه نحو التاريخ والأدب يريد أن ينفي عنهما ما خالطهما من زيف وكذب ، وأن يُقيمهما على أساس سليم يرضاه العقل . وكان عليّ عبد الرازق قد رأى أنّ الخلافة شكل تاريخيّ من أشكال الحكم ، وليست شيئاً من جوهر الدين ، وأنّ أوزارها لا يصحّ أن تقع على مقصد التنزيل العزيز ، بل هي أوزار البشر وهم يصنعون تاريخهم محكومين بأحوالهم الاجتماعيّة ، وبما يسعهم من معرفة .
ولم يُطفئ جذوة المنحيين مالقي صاحباهما من عنت وأذى ، فلقد بقي صداهما يتردد ، ووجدا من يصيخ إلى ما فيهما من جدّة جريئة .
وإذا كان هذا الاتّجاه العقلانيّ التنويري يرجع إلى ما استنّه رفاعة الطهطاويّ ، وجمال الدين الأفغانيّ وأرادا له أن يكون جذره العربيّ الإسلاميّ جذراً حيّاً قادراً على أن يمدّه بالغذاء ، وأن لا يستبدّ به ما يرد عليه من الفكر الأوربيّ الحديث ، فإنّ اتّجاهاً آخر كان يحمل شعلة العلم والعقل ويتّجه نحو الحريّة ، والعدالة الاجتماعيّة ، لكنّه لا يُعنى كثيراً بالجذر العربيّ الإسلاميّ ، قد جعل يأخذ مداه في الفكر الحديث منطلقاً من مجلّة ( المقتطف ) وما أشاعته من جوّ العلم التجريبيّ ، وأنّ طريق الحقيقة مرهون به . وقد كان من رادته : يعقوب صرّوف ، وشبلي شميل ، وسلامة موسى ، وإسماعيل مظهر الذي ترجم كتاب دارون ( أصل الأنواع ) ؛ وكلّهم كانوا قد انصبّت عنايتهم بنحو ما على نظريّة التطوّر ، ورأوا فيها عنوان العلم الذي ينبغي أن يقتدى به في مسالك الحياة .
وقد كان ، زيادة على ذلك كلّه ، للجامعة المصريّة القديمة يوم أُنشئت في مستهل القرن العشرين شأن حسن في مناهج الدراسة ، وطرائق السعي نحو الحقيقة ، والاحتكام إلى العقل ، وتطلّب الحريّة الاجتماعيّة والفكريّة . 
ولو لم يكن في النظام السياسيّ القائم يومئذٍ ، على ما فيه ، ما يُتيح لأنماط من الفكر الحرّ أن تنشأ ، وأن تنمو ، وأن تأخذ مداها لما تمّ شيء من ذلك . 
ولم يكن الأدب القصصيّ بعيداً عن تمثّل قضايا العقل ، والحريّة ، والعدالة الاجتماعيّة وأسئلتها الكبرى ، فقد عبّر عن ذلك توفيق الحكيم ، ونجيب محفوظ ، منذ ثلاثينيّات القرن العشرين وأربعينيّاته ، ومهّدا لغيرهما من الأدباء طريق الاستنارة ، ومغادرة الظلمات القديمة .
ومضى نهج الاستنارة صاعداً يزيد من رصيد العقلانيّة والحريّة ، ويسعى أن يمكّن لهما ، فكان زكي نجيب محمود ، ودعوته الجهيرة إلى سلطان العقل المستضيئ بالعلم التجريبيّ . وكان فؤاد زكريّا بتفكيره العلميّ الرصين ، الذي يسلّط أشعته على كلّ ما يتناول من قضايا ، وكان آخرون .
غير أنّه ما كاد القرن يبلغ منتصفه حتّى دبّ فتور في شعلة المصباح ، وحار ضوؤه ، ونشأ في الجانب الآخر من يريد أن يرجع بالزمان ، ويستعيد ما كان ..!
وما أن تقدم الزمان في النصف الثاني من القرن حتّى لم يبق ممّن يحمل جمرة الاستنارة بين يديه إلّا أفراد قد ضاق أمامهم الأفق .
ولعلّ من أسباب ذلك أنّ أفكار الاستنارة ظلّت في حيّز النخبة تدور بينهم ، في الكتاب ، والمجلّة ، والمحاضرة ، ولم تصل إلى جمهور الناس ، تفصلها عنهم أميّة شائعة ، ورغبة ، عند من يقرأ ، عن قراءة الفكر وما يتّصل به . ثمّ إنّ التعليم لم يستطع أن يستوعب زيادة السكّان فنشأت أجيال رديئة التعليم تغذّيها الخرافة ، ويقودها الجهل . ثمّ كان لأنظمة الاستبداد التي حكمت البلاد العربيّة منذ بدء النصف الثاني من القرن العشرين ما ضيّقت به على الفكر ، وما حدّت به مداه .
وإذا تضاءلت الاستنارة ساد الظلام ، وطفقت الأشباح تُقبل من زوايا التاريخ ...!

Tags