عن القطعان التي تذم القطيع

كلّنا نعرف المثل العراقي الدارج " غراب يكَول لغراب وجهك أسود"! وهذا المثل ينطبق بشكل عام على من تسحرهم مقولة " القطيع" كما لو أن الجماعة اخترقوا الطبقات السماوية وهم مصداق واضح وصريح لمفهوم القطيع؛ فأغلبنا قطيع لعاداته السلبية، ويندر أن نجد من تحرر منها إلا من تمتّع بإرادة صلبة.

إمّا من جهة القطيع بمعناه الأعم والعابر للحدود، فعلى من يهتم حقاً بقضايا العقل والعقلانية وطبيعة الجماعات وغرائزيتها ولا منطقيتها، فلينظر من أفق رحب فسوف يجد أن النظام العالمي لم يقم على عقلانية، وإنما تحكمه الغرائزية والتوحش وإن بدا يلبس ثوب العقلانية.

 العالم معظمه قطيع لثقافة القوة والغزو: أين العقلانية من إبادة جزء من اليابان بالقنبلة الذرية، وتحطيم فيتنام، ونصف الكرة الغربي، والحربين العالميتين، وتدمير القارّة الإفريقية، وحرب الخليج وما تلاها من حصار ظالم كمقدمة للاحتلال؟

لم يكن العالم في يوم ما سوى قطيع للقوي المفترس . فالأولى بـ"العقلانيين" ان يتركوا الناس البسطاء ويتعاملوا مع الأمور بموضوعية، لكي تتفتح عقولهم عن اللاعقلانية الحقيقة، تلك اللاعقلانية التي تتحكم بمصائر العقل البشري وأضحى هذا الأخير ألعوبة بيد الشركات الكبرى والإمبراطوريات الإعلامية حتى عاد الفرد مثل "الأطرش بالزفّة" إما إذا كانت تسلية وتمضية للوقت فهناك الكثير من الأمور التي يمكن الاستمتاع بها.

أما ما نجده من هذيانات في مواقع التواصل الاجتماعي فهي لاتعدو أن تكون بروفات تمثيلية حماسية يراد منها التغطية على دونيتنا. وإذا نظرنا من جهة الذات فسنجد الغضب، الغيرة، الحسد، البخل، التكبّر، التجاهل، واللامبالاة. ننساق لهذه السموم كما الحمار المجرور من أذنيه، فمن هذه الناحية لكل منّا قطيعه الخاص. وما علينا سوى الانتباه أولاً لقطيع الأفكار الذي ننساق معه، ومن ثم لدينا متسع من الوقت للتندر على البسطاء وشتمهم.

ما يتحذلق به (الفردانيون) تجاه الأغلبية الساحقة من الناس موجود ومتراكم في أذهانهم أكثر بكثير من الناس البسطاء. ذلك إن ثلثي الدماغ عبارة عن نفايات أفكار غير صالحة للاستخدام البشري !، لكن القليل مَن استطاع ترويض فكره ليعبر هذه الأفكار.

 ومن الطريف أننا نجد لهذه السموم الفتّاكة حضوراً بارزاً لدى بعض المشتغلين بالثقافة، حيث التكالب على المتاع الرخيص والصراع المحموم حول مكاسبهم الشخصية، ومنهم من تحولوا إلى قطعان "لطويل العمر" شيخ الثقافة والاعتدال!

من يراوده هذا المرض (التندر على القطيع) يمكنه أن يرجع إلى طبيعة السموم أعلاه لينظر إلى قطيعيته، ومن يريد التعمية على هذه الأمراض، يمكنه أن يناقش القطيع من وجهة نظر عالمية !، ليرى أن العقلانية التي يحلم بها لا تنوجد إلى عند افراد البشر، وعليه أن يراجع نفسه هل هو حقاً من هؤلاء الأفراد أم أنها محاكاة ونسخة مشوهة يراد بها التميّز عن الآخرين بلا وجه حق.