حول انقلاب 17 تموز 1968 في العراق

البكر واثنين من قادة الانقلاب

كنت قد تناولت في منشور أرسلته العام الماضي حقيقة أنه لم تكن هناك أي ضرورة موضوعية لإنقلاب 17 تموز 68 الأسود سوى طموح أحمد حسن البكر الى السلطة التي ظل يحلم بها منذ أن خان رفاقه في حزب البعث عام 63 وتعاون مع أتباعه في كتلته العسكرية " الكتلة التكريتية " التي ضمت طاهر يحيى وحردان التكريتي ورشيد مصلح مع عبد السلام عارف فأقصوا حزب البعث من السلطة ونال البكر منصب نائب رئيس الجمهورية وطاهر يحيى رئاسة الوزارة وحردان التكريتي وزارة الدفاع ورشيد مصلح وزارة الداخلية الا أن عبد السلام عارف وقد صارت له خبرة في الصراع على السلطة أقصاهم واحدا بعد الآخر ولم يبقي منهم سوى طاهر يحيى الذي امتحن إخلاصه وقد بقي مخلصا للنظام حتى قيام إنقلاب 17 تموز فانتقم منه البكر إنتقاما قاسيا حيث عرضه ليس الى التعذيب الوحشي في قصر النهاية بل عومل بإذلال كبير حيث كان المكلف بتنظيف المرافق الصحية ويجبر يوميا على وضع السطل على رأسه ويتم فرض تمرين في الرقص عليه قبل القيام بالمهمات اليومية وبقي على هذا الحال حتى أصابه الشلل فنقل الى بيته ليموت هناك وبنفس الطريقة أيضا قضى عبد الرحمن البزاز أستاذا القانون الدستوري والذي تولى رئاسة الحكومة في وقت سابق وعمل على تأسيس دولة عراقية تقوم على دستور وإنتخابات ومؤسسات ولكن أطرافا عديدة وجدت في تلك العملية إمتحانا عسيرا فحاربته وقاومت العملية بشعارات فارغة وساهمت جميعا في إقصائه عن الحكم ليدفع العراق بعد وقت قصير الثمن غاليا وباهظا وقد تم تسليط الضوء على بعض الجوانب في هذه القضايا التاريخية في أماكن أخرى من صفحتي سأشير اليها في نهاية هذا المنشور . 
17 تموز 68 كان الإنقلاب الأسهل والأسرع في تاريخ الانقلابات العسكرية في العراق والمنطقة بل وحتى في العالم إذ ركب الانقلابيون في سيارة مرسيدس هي سيارة حردان التكريتي وجمع الآخرون في باص واحد وتوجهوا الى القصر الجمهوري فوجدوا من كان بإنتظارهم ليفتح لهم الأبواب ويحول الحرس الجمهوري فوهات دباباته ومدافعه نحو القصر بدلا من تسديدها نحو الانقلابيين ومن كتيبة دبابات الحرس الجمهوري التي كان يقودها يومذاك الرائد سعدون غيدان " سيصبح عميدا ثم فريقا في غضون عامين " يتصل البكر بالمرحوم عبد الرحمن محمد عارف ويخيره بين الاستسلام والسلامة أو الموت فينتهي كل شيء ليدخل العراق في ذلك اليوم الأسود بوابة تاريخ دموي لا تزال آثاره قائمة الى اليوم ومع أن الانقلابيين تباهوا كثيرا ولسنوات بأن ثورتهم كانت بيضاء أي لم يرق فيها دم إنسان الا أنها كانت الحدث الأكثر دموية في تاريخ العراق خاصة وأن أبواب قصر النهاية السجن الرهيب قد فتحت في نفس اليوم الذي فتحت فيه أبواب القصر الجمهوري لتستقبل الوافد الجديد الذي غدر بعد أيام قليلة بمن مهد له سبيل السلطة فأطاح بثنائي النايف والداود في ضربة واحدة سريعة .
لقد مهد الانقلاب باسم الحزب لسلطة العشيرة ومنذ الخطوة الأولى وهي تشكيل مجلس قيادة الثورة حيث ضم رئيسا وعضوين من مدينة صغيرة هي تكريت وكانت حصتها تفوق الأربعين في المائة من سبعة أعضاء ثم بعد الانقلاب على النايف والداود بعد أقل من أسبوعين ارتفع النصب الى الستين في المائة ومهما قيل في تبرير الانقلاب فإنه فتح باب الاستئثار بالسلطة وهذه حقيقة من حقائق علم الاجتماع السياسي لطيف سياسي يبدا من العشيرة فالمنطقة فالطائفة وقد توسعت هذه المعادلة بعد تولي صدام منصب الرئاسة إذ من النادر أن تجد دائرة في مدينة عراقية في الجهات الأربع تخلو من موظف من تلك المدينة ثم من حلقات الدائرة الأوسع والأمر بخلاف ما يشاع عن دور الحزب في الحكم وكانت أول الضحايا معايير المهنية وقد رأينا كيف دالت الأمور والأحوال لاحقا الى علي حسن المجيد وعبد حمود وغيرهما وصار معيار الوطنية الولاء لهذه الأسماء ولهذا إنهارت منظومة القيم في العراق وعلى رأسها بالطبع قيم الوطنية والولاء الوطني وأصبح الأمور سيان وقد مهدت تلك الاحوال للإحتلال ولا أريد التطرق ثانية الى بعض الأمور الجوهرية التي سبق تناولها وسأشير الى دليل المنشورين السابقين في آخر هذا المنشور .

******************************************

يقترن هذا اليوم أيضا بتولي صدام لسلطته رئيسا للعراق وقد كانت فرصة تاريخية أمامه فهو الرئيس المدني الأول للعراق وقد ضيع تلك الفرصة باللهاث وراء الرتب العسكرية والشهادات المزيفة وأنواط الشجاعة من غير حروب بل وحمل أنواط وأوسمة حروب كان فيها طفلا وأظهرا عقدا عميقة بالتفنن في اللباس العسكري وقد أحيا أزياء عسكرية ملغية وتصور بها ولم يكتف بذلك بل قام بمنح الرتب وشهادات الأركان والأوسمة لمن حوله ممن لم يجتز إمتحان الثانوية بل وحتى المتوسطة وصيرهم جنرالات في الجيش ووزراء دفاع وقادة جيوش فإنتهى حال العراق الى هذه النهاية البائسة وهو يمتلك سلطة في بلد يضع قدمه على ثروة كبرى استطاعت أن تعمر البلدان المحيطة بالعراق وتتباهى بها الدول في يومنا هذا وتشرئب اليها أعناق العراقيين فضيع الثروة في حرب لا مصلحة للعراق بل كانت للحفاظ على مصالح الغرب وحكام الخليج الذين استغلوا الطابع العشائري في شخصية صدام إذا وضعنا جانبا العوامل الأخرى " فشيموه وأخذوا عباءته " كما يقول المثل العراقي ثم رموه وبلده جانبا بعد أن حول العراق الى بندقية مستأجرة في خدمتهم ثم أن مستوى طموح العراقي وتطلعاته دائما كان منخفضا والى يومنا هذا ويرضى بالقليل وإمكانات العراق كانت تسمح بالأكثر من ذلك القليل وفي واقع الحال شح صدام حتى بهذا القليل ثم أخذ يلاحق الناس على ما بين أيديهم والأمثلة كثيرة وأخيرا فلم يكن هناك تهديد حقيقي وجدي من أي طرف سياسي لصدام ونظامه وكان أكبر تهديد يقض مضجعه ويحرمه من النوم هو هواجسه الأمنية وخوفه الدائم اللذين كانا يدفعانه دائما الى إستخدام سلاح الإبادة الشاملة والإرهاب العام وقانون الدرجة الخامسة الرسمي والمعلن أكبر مثال على هذا الحال . 
لقد تواطأ البكر على تمهيد الطريق لصدام ويسر له كل الظروف ثم سلمه البلد ليسلمه الأخير الى أشد فترة في تاريخه حلكة ودموية وتبديدا للأرواح والموارد والتي إنتهت بأكبر وأقسى الجرائم التي إرتكبها نظامه وهي تسليم البلاد للمحتلين والهرب من ساحة المعارك بخلاف التغني بالبطولات والملاحم . 
هل كان البكر مغلوبا على أمره فذلك إذا ما جنته يداه على العراقيين أو كان طائعا مختارا فمسؤوليته بعد ذلك مضاعفة . 
ماذا جنى العراق من إنقلاب 17 تموز قد يذهب الجواب سريعا الى تعداد منجزات مادية أو سياسية تبقى محدودة إزاء ثروات العراق ولكن السؤال الذي طالما يحضر سواء في هذا الشأن أو في تقييم أي حدث تاريخي في العراق وخلاصته أن العراق قبل ذلك الحدث لم يكن بلدا غارقا في التخلف قياسا إلى تلك الظروف التاريخية أو إلى البلدان المحيطة به فتطوره كان يسير على قدم المساواة أو يتقدم كثيرا على كل البلدان المحيطة به وعلى أية حال فإن كان لإنقلاب 17 تموز من إنجازات فقد تم قرضها جميعا حتى لم يبق منها شيء يذكر على يد صدام وهو الامتداد الطبيعي للإنقلاب ثم صار العراقي يعد الكوارث والمحن بدلا من عد الإنجازات المفترضة ..
وعلى أية حال فلا بد من ملاحظة وتنبيه إلى أن استذكار التاريخ يهدف الى استخلاص العبر و الدروس واستنباط المعرفة اللازمة بتاريخ العراق المعاصر لمن لا يعرف عن تاريخه إلا النزر القليل من الحقائق وليس لإفراغ الشحنات العصبية بالشتائم والسباب الذين لا يليق بالراشدين ويسئ إلى الغاية المعرفية من طرح هذا المنشور وغيره .
سبق لي أن تناولت هذا الحدث في منشورين لمن أراد الاستزادة : 
-----------------------
https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1766468836967556&set=a.1473263359621440.1073741828.100008133698983&type=3&theater
-----------------------
https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1772368669710906&set=a.1473263359621440.1073741828.100008133698983&type=3&theater