تراثيات/ بغداد العباسية :  فضائيون في بلاط الخليفة 1و2

دينار عباسي

أبدأ اليوم بنشر سلسلة جديدة من  مقتطفات تراثية طريفة ومعبرة وذات دلالات تاريخية واجتماعية من، وعن الحياة والإنسان والمجتمع في بغداد في خلال العصر العباسي،  استنقيتها لكم من كتاب شديد الأهمية يحمل عنوان " العامة في بغداد في القرنين الثالث والرابع للهجرة/ دراسة في التاريخ الاجتماعي" للباحث د. فهمي سعيد.  هذا الكتاب موثق تراثياً بشكل ممتاز بنصوص مرقمة من كتب التراث تعود للقرون الهجرية الأولى.  معلوم  أن الحضارة العربية الإسلامية التي بلغت أوج ازدهارها في عاصمتها بغداد في عهد هارون الرشيد وابنه المأمون فالمعتصم بعده،  بدأت طور انحدارها وتدهورها بوفاة المعتصم وتولي ابنه المتوكل الخلافة – وهو العهد الذي اكتملت فيه صيرورة تحول الفرق الإسلامية إلى طوائف كما حاولت أن أثبت في كتابي ( السرطان المقدس : الظاهرة الطائفية من المتوكل العباسي إلى بوش الأميركي)،  وهذه التأرخة الاجتماعية هي ما ينبغي أن نأخذه بنظر الاعتبار في قراءة هذه المقتبسات نقديا. سأنقل لكم هذه المقتطفات كما هي مع بعض التوضيحات والتعليقات التي لا مندوحة منها، كما أنني سأقتبس بعض النصوص من كتب تراثية أخرى ضمن هذه السردية حول بغداد العباسية حيثما كان ذلك مفيدا وضروريا، تاركا لكم حرية الخروج بالاستنتاجات والدلالات المناسبة مما  ستقرأون...فإلى حلقة اليوم:

1-اتهم مسكويه ( مؤرخ و فيلسوف،  يسمى أيضا ابن مسكويه، هو أول من ألف في علم الأخلاق  " الإيطيقيا" (  ETHIQUE) وعمل موظفا حكوميا في دواوين الدولة العباسية  لفترة قصيرة. ع ل ) اتهم مسكويه  الوزير  بن الفرات بإنفاق الأموال والإفراط في التبذير حتى أتلفها وبأنه كان يقبض المال العام فلا تدخل في الواردات وكان يستولي على أموال المصادرات فلا تدخل في حسابات بيت المال. وكان الموظفون يأخذون الموال لأنفسهم ويقيدونها في بند " ما يحمل إلى الخليفة" .

- وقال ابن مقلة ( أشهر خطاطي العصر العباسي وأول من وضع أسس مكتوبة للخط العربي. يٌعتقد بأنه مخترع خط الثلث، عمل في البلاط العباسي خطاطا وموظفا وتولى الوزارة في عهد المقتدر. ع ل)إن الوزير ابن الفرات أضاف على مال بيعة المقتدر مبلغ 700 ألف دينار نقلها إلى داره. ولم يكتف الوزراء بذلك بل خصهم الخليفة بإقطاعات ورواتب و بلغ إقطاع الوزير أحيانا 170 ألف دينار. ويحصلون معها على خلع ( هدايا ملبوسات) تبلغ عشرين ألف دينار مع دار بفرشها وآلاتها، ويعطون رواتب بمقدار خمسة آلاف دينار. وقد أعطى الوزير الخاقاني ولديه مخصصا شهريا قيمته ألف وخمسمائة دينار ذهبي.

-و ذكر ابن قرابة "؟" للمقتدر وجوه اقتناص أموال الدولة التي كان يلجأ إليها الوزراء والموظفون ومنها : تسجيل أرزاق " رواتب ومخصصات" قوم لا يحضرون الدواوين وتسبيبات " مصروفات"  بأسماء قوم وهميين ( وهم ما يطلق عليهم في عراق اليوم " الفضائيين" ع ل ). وإطلاق أموال للغلمان والوكلاء في دار الخلافة والحاشية برسم الفقهاء والكتاب. وكان ما يطلق لهم من الورق والقراطيس الأموال الكثيرة ولا يُشترى إلا ببعضه مما يحتاج إليه.

2- يومَ علقوا أم الخليفة بالمقلوب: لم يكن خلفاء و وزراء وموظفو دولة بني العباس مختلفين عن دولة بني أمية في موقفهم من المال العام وموجودات "بيت مال المسلمين = الاسم التراثي لوزارة المالية والخزينة في عصرنا"،  فكلتا الدولتين - باستثناء فترتين قصيرتين حكم فيهما عمر بن عبد العزيز ويزيد الناقص في الدولة الأولى - اعتبرت المال العام ملكا خاصا للعائلة المالكة - كما هي الحال في دولنا العربية اليوم، وخصوصا في المحميات النفطية الخليجية كدول آل سعود وآل نهيان وآل مكتوم....الخ. ومن أبلغ الأمثلة التي سجلها لنا المؤرخون في كتب التراث القديم ما أورده الهمذاني ومسكويه والتنوخي، أقتبس لكم التالي مما اقتبسه الباحث د. فهمي سعيد ( ختن الخليفة المقتدر- تولى الخلافة وله من العمر 13 عاما فقط - أولاده سنة 302 هـ ونثر عليهم خمسة آلاف دينار ذهبا و مائة ألف درهما فضة و بلغت نفقة الختان كاملة ستمائة ألف دينار. وسَكَرَ - المقتدر – مرة واستدعى الأموال، فحملت إليه  فوزعها على الجواري والنساء. أما الخليفة الراضي ففي أيام فقر الخزينة وزع على ندمائه وزن الآجر – مقاعد حجرية -  الذي يجلسون عليه فضة وذهبا. وكانت شغب والدة الخليفة المقتدر متلافة للمال ولم تترك حتى الغالية والمسك "عطور ثمينة توزن بالذهب"، فاستخدمت منها ما قيمته آلاف الدنانير لتصنع منها وحلا تلوث به هي وجواريها أقدامهن كما تفعل نساء العامة "البغداديات الشعبيات آنذاك"  حين تتلوث أقدامهن بطين دجلة عندما ينزلن لجلب الماء بجرارهن من نهر دجلة. واستخدمت السيدة شغب حين احتفلت بعيد النيروز ألف شقة قماش غالي الثمن في صنع أزرار كحبات القطن ورشت عليها الطيوب الثمينة لتحرقها في عيد النيروز. وكانت شغب تعرف بالسيدة وقد اتخذت لنفسها قهرمانة - أي حاكمة -  اسمها ثمل، واتخذت لنفسها مجلسا في بغداد لتحكم في مظالم الناس. كما أنشأت مارستانا "مستشفى" اسمته المارستان المقتدري على اسم ابنها الخليفة المقتدر ( على طريقة تسمية المستشفيات بأسماء الرؤساء والقادة " الضرورات "  في عصرنا الحاضر. ع ل) ثم دخلت السيدة على خط الصراعات السياسية المسلحة فحاولت اغتيال القائد العسكري النافذ مؤنس المظفر وفشلت – هو  مملوك أبيض البشرة، كان يلقب بالخادم مؤنس، ثم بالمظفر المعتضدي، وقد بلغ رتبة الملوك عند بعض المؤرخين مع أنه لم يتجاوز رتبة قائد الجيش ثم أمير و والي دمشق في عهد المقتدر- . وبعد مقتل المقتدر في معركة مع جيش مؤنس المتمرد  بويع أخوه من أبيه القاهر و الذي اتهم السيدة شغب بقتل والدته فبدأ حربه ضدها.  وقد انتهت شغب نهاية سيئة على يد الخليفة الذي  طلب منها أموالا لتمويل حربه ضد مؤنس فرفضت تمويله، فأمر بتعليقها من ساقيها بالمقلوب إلى شجرة ( يروى أنه قال لها سأجعلك تشربين من بولك )  ليعرف منها أين كانت تخبئ الأموال. وعذبها عذابا شديدا ولكنها لم تعترف له بشيء، فصادر أملاكها وعقاراتها بدعوى أنها تنازلت له عنها بحضور شهود، ثم توفيت بعد فترة في دار الحاجب علي بن بليق بتأثير تعذيبها كما يعتقد بعض المؤرخين.  يتبع في الأسبوع القادم، عن مستويات الغنى والفقر في بغداد العباسية.

الصورة / دينار ذهبي من العصر العباسي – خلافة المعتصم بالله التي دامت عشرة أعوام (218 - 227 هـ) ( 833 - 842م).

 *كاتب عراقي