ماذا يريد الطائفيون؟

تعرّضّ العراق للغزو الهمجي الأمريكي، وعلى طريقة ميكافيللي عمد الأمريكان لتحطيم البنية التحتية، ومصادرة ذاكرة أمّة بأكملها عبر النفخ في رماد الطائفية.

 وكانت الفرصة مواتية لتضميد جراحنا عبر التضامن الوطني وإنهاء حقبة صدام الوحشية مثلما فعل الفيتناميون. لكنّ العراقيين كان لهم رأي آخر، أو بالأحرى، النخب السنية الشيعية كان لها منظور آخر .

كانت الدوافع المذهبية كفيلة بتحطيم هذا البلد من خلال وضع الناس في مربعات طائفية لسهولة الفرز والتشخيص! وكالعادة لم تكن مقاومة الأمريكان مقاومة وطنية وإنما سنية شيعية، والدليل على ذلك لم تكن المقاومة موحدة على أسس وطنية بل كانت هناك ليلى شيعية وأخرى سنية.

 لم يحتفل المقاومون سويةً في طرد المحتل، بل شمّر القوم عن سواعدهم بادعاءات صبيانية قسّمت النصر كلٌ حسب هويته المذهبية، وبهذا انتصرت الدولة السنية على المحتل الأمريكي وانتصرت الدولة الشيعية عليه كذلك، مع الالتفات إلى تباين الدوافع بين الطرفين .

 ضاعت ملامح النصر في هذه العتمة: هل حقاً كانت مقاومة وطنية موحدة أم أنها تنطلق من مصالح معينة، غير أن هذه التساؤل لا يقلل من شأن المقاومة الوطنية بشكل عام التي كانت تقاوم من اجل الاستقلال وليس من أجل الطائفة.

يحكى عن رجلين كانا يبيعان الطحين ويصدف أن كمية الطحين تزداد كل يوم بلا علم منهما، أضطر أحدهما أن يسأل الآخر عن السر الكامن في هذه الزيادة الغريبة، وظلٌ الأمر لغزاً محيّراً إلى أن أعلن الطحين نقصانه يومياً!، فأدرك احدهم السر المسستتر فاقل " قلبت النية خوية"!

والسر المستتر في إخفاقاتنا المتوالية هو تقلب نوايانا ذات اليمين وذات الشمال، الامر الذي جعل المحتل يرجع بقواعده العسكرية وهو مرتاح البال!

 كذا حدث في الموصل بسيناريو مماثل، إذ لم يفلح العراقيون أن يوحدوا نصرهم بطرد داعش، فهناك وجوه بان عليها الشحوب والكآبة وهم يرون العراقيين يحققون نصرهم بتطهير الأراضي العراقية من نتانة الداعشيين.

 يتصرف العراقيون كل حسب مربعه الخاص، ولم نجد حتى هذه اللحظة من نظام المحاصصة هذا أي فضيلة تذكر سوى سرقة البلد من شماله إلى جنوبه، وقد ساهموا في تعميق الطائفية وأبرزوها إلى العلن من خلال دستورهم الأضحوكة، وزجّ الشباب كقرابين مجانية لصراعهم الطائفي، ومؤكد أن العراق يتصدر الدول العربية بشهدائه وأرامله وأيتام تلك هي فضيلة الطائفيين وبراعتهم في استمطاء الناس البسطاء.

حتى هلال العيد لم يسلم من تمزقنا المذهبي!، فعمد القوم بقوة وعن سابق إصرار أن يتطاولوا على هذه الظاهرة الفلكية الواضحة ليستثمروها لطائفيتهم النتنة، فالأفراح الشيعية تختلف عن مثيلاتها السنية.

ويبدو أن هناك رب سنيّ وآخر شيعيّ لا يلتقيان! وبذا يحاول الطائفيون تسخير الأرض والسماء والشجر والحجر والإله لكي ينطق كل هؤلاء بصوت واحد (أنا طائفي!) إن آخر ما يفكر به المرء هو توجيه اللوم إلى النخب السياسية، فهؤلاء موتى للضمير والإحساس والكرامة، وإنما - والعجب كل العجب - من بعض الذين يكتبون بالمجان بودنا أن نقول لهم: بماذا تشعرون أيها التجار؟!

بغداد اليوم