أضواء من بلاد الأرز 

الكاتب في جنوب لبنان

لم يتسنى لي فرصة زيارة دول الجوار العراقي،بأستثناء الاْردن،وتركيا واللتان لم تكونا سوى معابر للابعد،وفِي الآونة الاخيرة،حصلنا على دعوة لالتئام شمل الأصدقاء في بيروت (26/6-5/7)من احد اصدقاءنا المقربين والممتدة علاقتنا معه الى حقبة السبعينيات،تلك الفترة المجسدة لبداية تفتحنا الفكري والانساني،وانزلاقنا على سكة المعرفة المتنوعة والشروع في بناء جدلية هويتنا وعالمنا بما يلائم قرائاتنا اكثر من واقعنا المختزن آفاق محدودة. كنا موجة من الحداثة اليسارية المتعددة الاهتمامات(أدب،فلسفة،سياسة،علوم،اقتصاد،فنون،،اجتماع،لغات،،الخ)والمتشاركين في تقاطعاتها،ومجالاتها الحيوية. وبفعل عوامل الاختناق السياسي والثقافي قبيل نهاية عقد السبعينيات حدث الانفجار العظيم داخل الموجة،وتباعدت أجزاءها. بعضهم غادر الوطن وهو يحمل قدره على محمل المغامرة واجتراح طرق النجاح والبقاء،فشكل ظاهرة بارزة في حقل المعرفة والحياة(وصديقنا المضيف،سلام الراوي واحد من أفرادها). وبعضنا قرر البقاء لاسباب قاهرة،مع تسلحه بمهارات البقاء وتفادي ركلة السلطة بشجاعة،في محاكاة صعبة،زادتهم صلابة في الازمان اللاحقة،وبعضنا حصل على فرصة الابتعاث الدراسي الى روسيا والدول الاشتراكية،حيث كل شئ مهيأ لهم،ونحى هناك الى منحى التوافق مع بيئاته الجديدة،في افول لأرواحهم السبعينية. 
مكثنا ثلاثة ايام في بيروت استطلعنا أشهر معالمها(البحر،صخرة الروشة،المنارة،منطقة الحمرا،مغارة جعيتا،مطعم نعيم!!)راجلين في الغالب،وأحيانا بالسيارة،وقد لا اتذكر جميع اسماء مناطقها،ولكن صورة معالمها وعمرانها،ترسبت في الذاكرة. والحقيقة كرهت استيلاء المطاعم والكازينوهات على مساحات كبيرة من شاطئ البحر،وكرهت ايضا البناء العشوائي للعمارات المنتشرة كالجدري على وجه بيروت الصافي. لتقوض من سلامتها البيئية،بعملها كمصدات لنسيم البحر،وتساهم في رفع درجات الحرارة،وحصر الغازات ،والحرارة المنبعثة من السيارات واجهزة التبريد الكبيرة. وكنا دوما نشغل تبريد السيارة اثناء تجوالنا في احياء بيروت،كأننا في بغداد مع فارق الرطوبة. انتقلنا بعدها للسكن في مصايف جبال لبنان الشرقية وتحديدا في منطقة برمانا والتي لم يختلف الجو بل الناس كذلك،فأزيائهم،وأسلوب معيشتهم،واحتفالاتهم في ليالي الأحد الصاخبة،يفرق عن بيروت التي لاحظنا اختلاط ثقافاتها وازياءها وسحناتها. اصبح مكاننا الجديد نقطة انطلاقنافي تجوالنا في لبنان والعودة اليه. اول زياراتنا الى الجنوب(بعد استحصال الموافقات اللازمة في صيدا)ذهبنا الى مرجعيون وتفقدنا قرى شبعا وعين الجوز،وقلعة الوزاني،وبركة النقار،واقتربنا من الأسلاك الشائكة الفاصلة بين فلسطين المحتلة ولبنان،وقد لاحظنا في التلة المقابلةلها علمين من إعلام حزب الله مغروزة فيها بينهما صورتين متجاورتين لخميني وموس الصدر،وعل مسافة منهم صورة للراحل جمال عبد الناصر مذيلة بعبارته الأثيرة (ما أخذ بالقوة،لايسترد الابالقوة)،تجولنا في وادي الموت كما يسمونه اهل الضيعة،بسبب مقتل افراد كثر من جيش الاحتلال الصهيوني،وتدمير دباباته،وآلياته في حرب2006وبخلاف التسمية فأنه وادي كث الزراعة ،ومزروع بأشجار الكرز والبرقوق في مناطقه العالية،وخضروات متنوعة في أجزاءه المنخفضة. ،وقد لاحظنا جرّار يعمل بالقرب من الحدود ولايبعد عنها سوى أمتار فسرناه تجاهل الناس لضغوطات اسرائيل،في تكريس التوتر الدائم في المجمعات البشرية اللبنانية قرب الحدود الفاصلة. 
حققنا احاديث وإجابات على تساؤلات مع عينات عشوائية ،من اهل الجنوب،واحدة مع عائلة مسيحية،جميع أفرادها يتحدثون بنبرة ساخرة في سردية نزوحها ضمن العوائل الشاردة من الموت صوب بيروت وقتذاك،وتحدي مبني على انتصار حرب تموز 2006،وايضا مع عائلة مسلمة/سنية من مزارع شبعا في جزءها اللبناني،وكانت إجاباتها توحي بأنهم خلايا نائمةللمقاومة.كذلك شمل حديثي مع مسنة شيعية،لأمتني لعدم زيارة بنت جبيل،مقام الصمود والانتصارعلى العدوان الاسرائيلي،على حد قولها وقد قدمت شهادة على تلاحم اللبنانيين معهم في اثناء نزوحهم الى الشمال،بغض النظر عن هويتهم الطائفية. ليصبح الامر برمته نجاح لاستراتيجية المقاومة في صناعة حاضنة حقيقية لها،ضمن التنوع الطائفي والديني في قرى وضعيات الجنوب الأغر. 
يتبع.

Tags