البارزاني.. وانقلب السحر على الساحر

في سياق الأحداث التي بدأت تتسارع في الوقت الحالي منها تحرير الموصل وإعلان الاستفتاء الكوردي المزمع اجراؤه في ٢٥ من أيلول المقبل وتضارب الأنباء بين مقتل البغدادي من عدمه وزيارة البارزاني إلى الاتحاد الأوروبي وفشله في استحصال الدعم للاستفتاء وأمور أخرى تضاف إلى الأحداث الحالية ولكن الاستفتاء يشكل الخبر الاكثر اثارة والذي خلق انقساما بين المحللين بين مؤيد ورافض.

ولو تتبعنا كيفية بناء البارزاني لهذه الخطوة وخاصة بعد اتهامه بالتعاون مع داعش الإرهابي في السيطرة على عدة مناطق منها الموصل وسنجار وتلعفر والبعاج وبعض مناطق كركوك فاننا سنرى أن البارزاني كان يهدف إلى رسم حدود دولته الحلم التي كانت على حساب آلاف الضحايا العراقيين، وبالأخص الأقليات ولكن هذا المخطط فشل فشلا ذريعا، بل نستطيع القول إن السحر انقلب على الساحر، ووضعه في مربع لم يحسب له حسابا وخاصة انه وقع تحت خداع قوى إقليمية كبيرة كتركيا والسعودية اللتين أوهمتاه بدعم الدولة الكوردية، ولكن بشرط أن تكون سنية بحتة وهذا ما فعله البارزاني في بادئ الأمر، ولكنه فشل بعد أن بقي وحيدا في الساحة، وحتى أن اقرب الحلفاء له وهو الاتحاد الوطني الكوردستاني بقيادة الطالباني رفضوا الذهاب معه في هذه المغامرة التي أتعبته كثيرا إلى الآن.

من شروط دعم السعودية وتركيا للبارزاني في مسعاه لقيام دولته الحلم هي استقبال القيادات الداعشية السنية أو ما تم تسميتهم بقادة ساحات العزة والكرامة الذين هربوا عن طريق الاقليم إلى تركيا وغيرها من الدول رغم أنهم كانوا مطلوبين للقضاء العراقي بتهمة إثارة الشغب والطائفية، ولكن البارزاني سهل امرهم من أجل الحلم الأكبر له، وزاد دعمه لتلك القوى بحجة انهم محقون فيما يفعلون، وأن المالكي كان ظالما لهم، الا أن ذلك لا يبرر تورطهم بتسهيل دخول داعش الإرهابي للعراق وهذا شيء يعتبر خيانة عظمى للعراق، لذلك فان البارزاني يعد حاميا للارهابيين وهذا بحد ذاته خيانة للعراق.

من الشروط الأخرى هي محاربة أكراد سوريا في سوريا، وشاهدنا ذلك من خلال فتح أردوغان لحدوده أمام (بيشمركة روژئافا) للدفاع عن كوباني أو ما تسمى عين العرب التي تم احتلالها من قبل داعش الإرهابي الذي لم يسقط الا امام البيشمركة المرسلة من قبل البارزاني، وهذا ما جعل قوة وحدات حماية الشعب الكوردية السورية تتراجع شعبيا، وهذا كله لأجل إرضاء أردوغان وقبوله بقيام كوردستان الدولة ولكن أردوغان غدر بالبارزاني، ووقف ضد مشروعه، خاصة بعد ازدياد قوة وحدات الشعب الكوردية السورية باندماجها ضمن قوات سورية الديمقراطية، وكأن أردوغان يخبر مسعود البارزاني أنه فشل في إكمال الاتفاق وهو إضعاف قوة الأكراد بسوريا.

 

الشرط الآخر والذي راحت ضحيته الأقليات الدينية في العراق هو جعل كوردستان بحق دولة كردية إسلامية سنية خالية من أي دين آخر غير الإسلام السني، ولم ينجح في إفراغ المناطق المتنازع عليها من الأقليات وخاصة بعد أن شاهد الدعم الأوروبي له جراء وجود الأقليات الدينية في كوردستان واستفاد منها للحصول على الدعم العسكري واللوجستي بشكل كبير.

الا أن الاتحاد الأوروبي لن يقوم بتقديم أي دعم لحكومة كردستان العراق في حال فرغ الاقليم من الأقليات، وهنا سيكون على البارزاني مطالبة حلفائه من ممثلي تلك الأقليات بإقناع جماهيرهم بالبقاء في كردستان، وهذا ما فشل فيه البارزاني لحد الان اذ ان هجرة أبناء تلك الاقليات باتت كبيرة، الامر الذي شكل حرجا كبيرا له.

 

المصيبة الأكبر بالنسبة للبارزاني الان هي ان الاتحاد الأوروبي يفكر مليا الان بتوفير حماية دولية للاقليات في الأراضي التاريخية لهم من خلال إنشاء منطقة آمنة لهم، وهذه إحدى الأمور التي لن تساعد البارزاني على إنشاء دولته الحلم، بل هي عقبة واجهته خلال زيارته للاتحاد الأوروبي مؤخرا، وبالتالي فان كل الطرق أغلقت في وجهه ما جعل البارزاني الان في تخبط كبير.

 

من جهة أخرى، بدأت الأقليات الدينية والعرقية بالتحرك ضد توجهات البارزاني، من خلال التحاق قسم كبير من أبنائهم في سنجار والحمدانية بالحشد الشعبي العراقي، وإعلانهم رفض إجراء الاستفتاء على مشروع استقلال كردستان العراق في مناطقهم، وهذا ما زاد من عزلة البارزاني التي بدأت برفض الدول الكبرى لمشروعه.

 

ناهيك عن تنامي حالات الرفض من داخل الاقليم لمثل هذا الاستفتاء، فحركة التغيير أعلنت صراحة رفضها المطلق للأمر بسبب ما يمر به الاقليم من انسداد سياسي مرتبط بتمسك البارزاني بمنصبه وتعطيل البرلمان وغيرها من المشاكل الاقتصادية الكبيرة، أما الاتحاد الوطني الكوردستاني فهو يرفض في السر ويوافق في العلن في مسعى لمسك العصا من المنتصف.

السعودية وتركيا أصبحتا الان من أصدقاء العراق حاليا، ولن يدعما استقلال كردستان العراق على حساب مصالحهم الحالية، وبالتالي فان البارزاني سيواجه الفشل في إعلان دولته الحلم، لأن يده الواحدة لن تصفق، وانقلب السحر على الساحر.