تعقيدات معارك ما بعد الموصل ومستقبل تنظيم داعش

بعد تحرير الموصل, يجري الحديث الآن عن مرحلة ما بعد الموصل ومستقبل داعش في العراق وسوريا. وكما هو واقع فإن التنظيم مازال يتواجد في تلعفر شمال شرق العراق, ومناطق غرب العراق مثل مدينة القائم الحدودية, وقضاء الحويجة غرب مدينة كركوك. وهذا يعني ان المعركة مع التنظيم عسكرياً لم تنتهي مع الموصل, مع إن سقوطها كعاصمة فعلية للخلافة وسيطرة القوات العراقية على ما تبقى من الجامع النوري الذي انطلقت منه الخلافة, يعني – نفسياً – إن مرحلة سيطرة على الاراضي الشاسعة في داخل المدن قد إنتهت. إن سيطرة داعش على المدن وإدارتها علناً أثقل كاهل هذا التنظيم بالرغم من الدعم الخارجي والداخلي سواء أكان لوجستياً او إدارياً او مادياً, كونه إعتاد على العمل تحت الأرض وداخل الكهوف والحفر, وخلف الأضواء لا أمامها. إن المعارك القادمة كما سابقتها ستتأثر بالتوازنات فضلاً عن الصراعات السياسية من قبل الفواعل الاقليمية وغير الاقليمية. فتلعفر مدينة تهم الشيعة من حيث العدد الكبير من سكانها النازحين في عموم العراق, والذين يُعرفون بالتركمان الشيعة. هذا من ناحية, ومن ناحية اخرى فهي ممر مهم لإيران تريد الارتباط من خلاله مع سوريا, وهذا ما تحاول الولايات المتحدة الاميركية منعه, وكذلك تركيا, لذا فإن معركة تلعفر مرتبطة بهذه المشاكل ومجموعة المصالح المتضاربة. اما مناطق غرب الأنبار, فهي من أهم المناطق التي ما زالت تحت سيطرة تنظيم داعش والتي تهم السُنة بشكل كبير, نظراً لموقعها المركزي بالنسبة لسوريا والأردن. سوريا التي تعاني من تقاطع وتضارب في المصالح من قبل عدة دول, حيث يؤثر ذلك على المعركة مع داعش, لذلك فإن مناطق العراق المحتلة وغير المحتلة المتاخمة لسوريا مرتبطة المصير مع المناطق التي تقع بالجانب السوري بكل تأكيد. كذلك الأردن التي من المحرم على أراضيها التأثر بالتمدد الداعشي لأسباب جيوسياسية معروفة. فضلاً عن إن هذه المعارك ترتبط بالأحاديث والترتيبات التي تجري من أجل وضع جديد للأنبار يقترب من الأقلمة بإشراف أميركي. اما الحويجة, فهي المنطقة الصعبة والوعرة, التي تقع بالغرب من كركوك, وبالشمال من تكريت, فإن موقعها كذلك مرتبط بالصراع العربي الكردي على كركوك, والوضع العربي السني عموماً في هذه الدائرة. فالتبعية لمحافظة كركوك الغنية بالنفط, ومجاورة تكريت التي يشوب مستقبلها الغموض نظراً للصراعات الداخلية من جهة, وموقعها الذي طمحت ايران لجعله مركزاً لربطها مع سوريا وعبر الأنبار, يجعل من المعركة معقدة كما أخواتها. إنها نظرة عامة حول وضع المناطق التي مازالت تحت سيطرة تنظيم داعش وعلاقتها بالقضايا الجيوسياسية, تُنبئ بتعقيدات معينة, لكني أعتقد إن التنظيم ولِد ميتاً حين أعلن عن دولته, وستنتهي مرحلة سيطرته علناً على المدن, كونه ابن الجحور كما أسلفت, وسيعود الى سابق عهده, تغذيه الصراعات السياسية بين الدول المجاورة وغير المجاورة, وتغذيه الطائفية, ومصالح الدول التي ترتبط مع وجود التنظيم كسرطان ينخر الدول العربية المهترئة أصلاً. وأفترض إن التنظيم بعد طرده, سينشط بهجمات مباغتة, وهجمات انتحارية عن طريق ما يعرف بالذئاب المنفردة. لذلك, فإن إستئصال داعش يحتاج لعمل كبير وإرادة حقيقية من الجميع, من السياسيين ورجال الدين, والأهم من ذلك دول المنطقة والولايات المتحدة الاميركية.