كيف تكون مؤثرا؟عرض لكتاب "مرشد المحتجين والثوار" لايدن ريكتس

كتاب مرشد الثوار

  ايدان ريكتس صحفية استرالية. تابعت ميدانيا  الكثير من حركات الاحتجاج   منذ احداث اوربا الشرقية وصولا لما تم تسميته بالربيع العربي    ( وخصوصا  احتجاجات مصر التي تعتمد عليها كثيرا في كتابها هذا )  .

الكتاب   الذي اعطته عنوان ( مرشد  المحتجين والثوار ) مع عنوان  فرعي / أساسي   هو  -كي تكون مؤثرا -  كتاب صغير الحجم لا يتعدى متنه  ال١٢٠ صفحة  ولكنه غني بمضامينه  كونه   يتوخى  الجانب العملي للاحتجاج  دون اللجوء لأية تنظيرات فكرية وأيديولوجية تحسب على وجهة ما  ، من منطلق ان الاحتجاج هو حق الجميع بغض النظر عن منطلقاته الفكرية .

الكتاب يتكون من ١٢ فصلا. شديدة التركيز  حتى لتبدو وكأنها درسا من دروس الرياضيات  او الفيزياء النظرية  ، وكما قلت فهو مرشد عملي للمحتجين  يعتمد على تجارب الكاتبة في معايشتها لحركات الاحتجاج في   جغرافيا متباينة  وما استخلصته من نجاحاتها وإخفاقاتها 

تتحدث في مقدمة الكتاب  عن مفهوم التحدي والمواجهة  وعن الخطوات الاولى التي يبدأها أفراد قلائل  وما يتعرضون له  بسبب جرأتهم  لسيولة الأكاذيب  والهجوم الطاعن والإفتراءات  وعن إمكانية تسلل  اليأس والإحباط أحيانا  بسبب ضراوة المواجهة غير المتكافئة ، وعن دور الإسهام  في حركات التغيير الاجتماعي  في تحويل الأفراد من (رعايا ) الى مواطنين فاعلين  ونشطاء يشكلون بذرة التغيير  ، وهي لا شك بذرة  لا تخمد وإن سبتت  ، فبحسب  تجربتها   يكون الزمن دوما  لصالح الحقيقة  وتأخره  لن  يخمد جذوتها .

تعرف في الفصل الاول مفهوم الفعاليات  ومفهوم التغيير  مستهلةًذلك بتعريف مفهوم الديمقراطية   بإيجاز شديد والمعالجات الفكرية التي تناولت هذا المفهوم  منذ أفلاطون  مرورا بجون لوك وتوماس بن  وصولا الى تشوميسكي  وفوكو  ، وتتجاوز في  تعريفها  هذا  مفهوم الديمقراطية  في شكله المؤسساتي  وما يتعلق بنظام الحكم  لتركز  على موضوعة الممارسة الديمقراطية  كأفعال تقوم بها الجماعات الفاعلة والافراد  من اجل احداث تغيير في المجتمع  ،  متناولة موضوعة  الفعاليات التي لها  علاقة بالمصلحة العامة ، متجاوزة  الفعاليات ذات المطالَب الفئوية والمهنية  باعتبار ان تلك المطالَب   يمكن ان تنطوي  في إطار فعاليات المصلحة العامة من خلال المطالبة بقوانين عادلة تعالج هذه المشاكل الفئوية والمهنية  ، وتمنح انطلاقا من هذا التصور حيزا  مهما لمسألة تشريع  قوانين تدافع  عن الحق العام  ضد الامتيازات الخاصة  ،  ولمسألة إستقلالية  وحيادية القضاء  ، ولاترى  المؤلفة بأسا  في حق المحتجين  على خرق القانون  فيما لو كان هذا القانون  نفسه منحازا ومعتسفا لصالح  سلطة القوة الغاشمة  ، لكنها تؤكد على  سلمية هذا الاختراق  وعدم الإضرار بالآخرين  من منطلق الاخلاقيات  والمعتقدات الروحانية  ، كما  توصي  بضرورة استخدام وسائل  الاتصال الحديثة  لفضح الطبيعة القامعة  ضد سلمية المتظاهرين  ، كما ان على الناشطين ان يدركوا  ان احداث التغييرات  تستلزم  جهدا طويلا  وتحذر من الاستسلام اليائس   لان العناد والمطاولة هما من أسس التغيير الفعالة .

وتعتقد المؤلفة  ان من مهام حركات الاحتجاج  عدم إقصاء المختلف والتشارك  في اتخاذ القرارات بأدنى الخسائر المبدئية.

ثم  تخصص فصلا  حول التخطيط لمواجهة الأمور غير المتوقعة  والحفاظ على المرونة  وعدم استخدام ردود  الفعل الاعتباطية والمباشرة ، بحيث يصبح وصل  جميع عناصر قضايا المصلحة العامة معا والتخطيط  لحملات ناجحة ومؤثرة مستقبلا 

وتفرد فصلا  لتقديم تفصيلات  واساليب وخطط  للقيام بالفعاليات الاحتجاجية  بدءً  من  الكتابة والتثقيف  وتبني  القضايا المعنية  وصولا  الى طرق الوصول للجماهير  المعنية وانتهاءً  بإدارة عمليات الاحتجاج  والاعتصام  مع ترك فرصة للارتجال والاختراع  وفقا  لمتطلبات ردود الفعل المعاكسة  وتنيط  ذلك حصرا بقادة  الاحتجاج .

ثم تتناول  ستراتيجية الاعلام المصاحب  للاحتجاج  وتقسيم فعاليات العمل  ليشمل  فرق كتابة البحوث والدراسات المعمقة  لمخاطبة فئات معينة  ، واُخرى تتضمن  التعليقات  ووسائل الاقناع  المبسطة لفئات اخرى  ،  وتتحدث عن طبيعة البوسترات  واللافتات  ومضامينها المختزلة المبسطة المعمقة وتجنب الارتجال  الذي يتيح استغلالها  من قبل السلطة لممارسة  العنف .

وتؤكد على ضرورة معرفة النشطاء  بالقوانين المؤسساتية للسلطة   إبتداءً من الدستور وتوزيع  السلطات  بين مختلف الهيئات الحكومية  ومجمل القوانين السائدة وضرورة  وضع  خطة دقيقة  للحملة  تتضمن القيام  بأبحاث  لمعرفة هيكل النظام  والشخصيات المؤثرة في السلطة. من اجل فضح  الشركات المريبة  وعلاقاتها  بأفراد السلطة  وما يتضمن ذلك من شبهات  فساد  والكشف عن حاملي  اسهم هذه الشركات وعلاقتهم بذوي النفوذ .

وتخصص فصلا  حول ضرورة استخدام المناسبات العامة  لاستثمار دلالاتها الرمزية   مع ضرورة الاستعانة بالمؤرخين الثقاة  والقانونين  لمواجهة المغبات القانونية   والتأويلات التاريخية المبطنة.

وتتناول في فصل مهم  قيمة الفعاليات الرقمية  واهمية  الدراية الاحترافية بها  وطرق استخدام وسائل التواصل الاجتماعي  واليوتيوب والفايبر  واهمية معرفة تقنيات الهواتف الذكية  وما تتيحه من  وسائل تؤدي الى إدارة وتنظيم الاحتجاج .

وتقدم  استرشادا لما  تسميه  التقاضي الاستراتيجي وذلك من خلال استخدام  ما يتيحه القانون العام  من سبل  للنشطاء  لإقامة الدعاوى  ضد تجاوزات ذوي النفوذ (تفترض الكاتبة  وجود قضاء مستقل   لا يسيّره اصحاب النفوذ !!).

وتقدم دليلا استرشاديا آخر  لنشطاء التغيير  في مسألة التفاوض  كمرحلة مهمة  من المراحل النهائية  للحملات الناجحة  وتقدم طرقا  للمهارات الاستراتيجية للتفاوض  والوساطات  من اجل  قيادة حملات الاحتجاج عبر مختلف مراحلها .

وفِي الفصل الختامي وهو الأهم بنظري  تعالج الكاتبة  مشكلة تسرب الياس والاحباط للنشطاء  من خلال تلك  الشباك التي  تنصبها النخب الممسكة بالسلطة وعملاؤها ومرتزقتها وتؤكد ضرورة العمل  على ترسيخ التحولات  الروحية  والإحساس  بقدرة وقوة الجماعة لدى الناشطين  والاستعانة. بأمثلة تاريخية تعزز روح الامل  والمطاولة 

هذا كتاب جدير بمرحلة معقدة   وقد يكون مرشدا لتجاوز بعض الإحباطات التي  تسعى النخب   السلطوية  لترسيخها في نفوس  المحتجين .