كيف ولماذا هزمنا امام صدام حسين ؟ (19) ـ وطنية مابعد ايديلوجية: عراق بلادولة!!!

هل بعرف العراق حالة تمخض جديدة، لاحقة على الفترة الحداثية الايديلوجية الأولى الثلاثينية، ماهي وأين تجلياتها، ماهي محركاتها ويواعثها، وكيف تتبدى فكريا ومسلكيا؟ لعل الجواب على الأسئلة السالفة من اصعب مايمكن تصوره، لسبب بسيط، لكنه جوهري وفاصل، هو كون الحقبة المعنية برغم طول فترة تبلورها، ماتزال ضمن الطور الحسي، وانها بالكاد بدات تعبر عن كنهها منتقلة ببطء الى فترة التجريد المنطقي، في حين هي ماتزال من الناحية العملية تفتقر الى التدامج بين المنظور المتكامل، وان بالحد الأدنى، وبين الأطر واشكال التنظيم الضروري. قليلا ماتوفرت في التاريخ فرصة مؤاتية لتبلور تيارات فاعله في حياة شعب من الشعوب مثلما حدث في الثلاثينات العراقية مع التيارات الحزبية الايديلوجية، فلقد تظافرت حينها عوامل عالمية ووطنية مؤاتية للغاية، أسهمت في سرعة تبلور تلك الأحزاب كاطر منظمة، وكحضور وامتداد شعبي، على العكس من ذلك تماما،لم تتهيا للطور الثاني او الرابع مابعد الايديلوجي، بعد القبلي، والديني التجديدي، الظروف الملائمة حتى يحتل مكانه في الحياة، فظل كعلامات على الطريق، وبدايات ومعالم متفرقة مبعثرة،عرضة لمحاولة الطمس والاسبعاد والتشويه على يد القوى المنتهية الصلاحية تاريخيا، بحيت غدا الوضع العراقي خلال العقود الأربعة المنصرمة، متميزا بإلحاح الحاجة لتنامي تبلورات الرؤية الوطنية النهائية، واستمرار وجود قوى فقدت فعاليتها، وأثبتت عجزها، مع انها ماتزال تصر على التصرف وكانها حية وفعالة ومقبولة من لدن الحياة والتاريخ. وتصر قوى الايديلوجيا على الإيحاء بانها لاتنتمي كلها لنفس العالم، ونفس الشروط والدوافع والأفكار، فيعمد ممثلوها مع تناقص دائرة تاثيرهم لتسييد منظورهم الايديلوجي، وسرديتهم الاستعمارية، عامدين لتحويل التاريخ الى لغة بيانات وشعارات، بتجاهل كلي لقوانين عمل البنية الوطن كونية العراقية "الامبراكونية" لجهلهم بها، وتدني وعيهم بالقياس لمتطلباتها. ومن اهم مايتم تزويره والايغال في طمس تناقضاته، الميل السافر لدمج حقبتين متمايزتين من التاريخ الحديث، الاولى المستمرة من الثلاثينات حتى ثورة 14 تموز1958 والثانية اللاحقة على ذلك التاريخ، حين بدات عملية تحوير في الطبيعة والتمثيل، انتقلت الأحزاب الايديلوجية بموجبها من قوى خاضعة ومتاثرة بالدرجة الأولى بموقف ودفق عالم اللادولة الوطني المتشكل الصاعد، الى تيارات مضادة للحركة الوطنية، مثلها مثل الدولة الأولى التي أقيمت من قبل الإنكليز لأغراض القضاء على مجتمع اللادولة، بعدما صودرت الأحزاب المذكورة ( بالذات الشيوعي والبعث، لان هذا الترتيب لم يشمل التيار الليبرالي الشعبوي لهامشية دوره) لتصبح قوى سلطوية، أكملت المهمة الاستعمارية الإنكليزية الأولى، أي الاجهاز النهائي على مجتمع اللادولة. ليس هنالك في الجوهر أي فرق بين دولة 1921/1958 ودولة 1968/2003 فضمن تجليات كيان "امبراكوني" ونوعية رده الاستثنائية على الحضور الغربي، كما هو حال الكيان العراقي، لعبت الحداثة الغربية كدولة" حديثة" وكقوى ايديلوجية نفس الدور المناقض للطابع والبنية اللادولوية، وعملت على تصفيته، مستعينة بفعل البنية التقليدية الاصلية وبالارتكاز لها، فالبعث سرق ليصبح أداة بيد جماعة سلطوية، بنيتها ونواتها غير حداثية ومضادة للتحديث، اهم مواطن قوتها، الريع النفطي، والشيوعي لعب دورا ثانويا الى جانب الحكم الجديد بداية كحليف، "الحزب الشيوعي العراقي لصاحبه حزب البعث العربي الاشتراكي" حسب الحكمة الشعبية الثاقبة، وكقوة قومية كردية "بعثيوا الجبال"، نفذت مهمة تصفية الحزب، فاقصت آخر ماتبقى من بقايا تذكر بتاريخه العائد الى النصف الأول من حياته، حين كان متناغما مع الحركة الشعبية، وزخمها المنبعث من فعل نواتها "مجتمع اللادولة". وبهذا وعن طريق الوسائل الحديثة، مثل الدولة المركبة من خارج النصاب الاجتماعي أولا 1921 /1958، والحزب العقائدي المنظم ( البعث والشيوعي)، وهي كلها وسائل مستحدثة، نفذت عملية الاجهاز على مجتمع اللادولة في العراق خلال 82 عاما، انتهت بهذا البلد الى الكارثة الكبرى الحالية التي هي بالدرجة الأولى نتاج فعل القوى الايديلوجية الحداثية، وصنعها المجافي والمضاد للحقائق الوطنية، ولواقع العراق وبنيته التاريخية والياته. هذه القوى تجهد اليوم من ناحية لكي تعتبر ماحصل في العراق عام 2003 عدوانا اجنبيا استعماريا على حكم "وطني"، كما يردد المتبقون من البعث "ومقاومته"، او على انه من الطرف الاخرنتيجة طبيعية لتغول الدكتاتورية والتسلط الصدامي، والحقيقة ان البعث المستخدم من قبل صدام حسين وعائلته، يتحمل المسؤولية الأساسية أولا عن تدمير البنى الحيوية الوطنية لصالح الغرب، وثم وحسب الوقائع والتفاصيل المتعلقة بالفصل الثاني من تاريخ هذا الحكم، بالاخص مابين 1990/ 2003 حيث غزارة الشواهد والأدلة على استهانة النظام بالمصلحة الوطنية، وحتى بمصلحته هو، انطلاقه أولا وأخيرا من ضيق افقه كنظام وكجماعة وعشيرة حاكمة، ناهيك عن بدائية وعيه، وقلة درايته السياسية، وضيق افقه، وخلو استجاباته من روح المسؤولية الوطنية التاريخية، ماجعل وجوده كله من بداية صعوده للحكم، عملا كارثيا على المستويين، الوطني العام، وبماخص المحركات التاريخية الأساسية كما هي ممثلة في مجتمع اللادولة. وليس للحزب الشيوعي أي منظور او رؤية، او إمكانية تحقق، او مقترح ممكن لنظام او وجهة أخرى، تشذ عن مشروع البعث في الحكم، او تملك آفاقا قابله لان تؤسس لبديل عنه، وفي الإطار العام، ليس لهذا الحزب مكان أصلا خارج الحصيلة التي امكن ترتيبها للقضاء على يقايا فعالية مجتمع اللادولة كما تبدت بعد ثورة 14 تموز، بما يجعل البعث ونظامه هو الممثل الفعلي لسلطة الحزبية الايديلوجية المتنامية في تاريخ العراق بعد الثلاثينات، أي ان نظام البعث وصدام حسين، هو نظام القوى العلمانية الحداثية المنظمة بصيغتها الحزبية المستعارة الايديلوجية في العراق، وهو ممكنها العملي الوحيد، في ظل، وبناء على عمل قوانين الامبراكونيا الفاعل الأساس، ومحرك التاريخ الحديث في العراق. بما يعني ان مجال او جبهة الحركة الوطنية في العراق، افرغت، ولم تعد حاضرة الا على المستوى المادي المتاتي من بقايا مجتمع اللادولة، الموضوع في حالة مقاومة سلبية،امام اشرس عملية تصفية عرفها منذ أيام الاحتلال الساساني، في حين تحولت الأحزاب الايديلوجية الى قوى معادية للوطنية، وقوى مضادة لمصالح المجتمع والشعب والمستقبل، وفي حين كانت الأحزاب المذكورة تمارس سياساتها الإرهابية القمعية الشرسة، سواء باغتيال السمعة، او بالقتل المباشر، صار على القوى الحية ان تبحث عن الوسائل والابتكارات غير المجربة، وتسعى الى الالتقاء مع الحس المحال الى النبض التاريخي، في مغامرة من مغامرات التاريخ، قل نظيرها، تنتمي لعالم الملاحم الكبرى، والبحث المستحيل، بناء على الحس الكامن في قلب التاريخ كما فعل "كلكامش"،او " إبراهيم"، ممثل الوطنية الامبراكونية الأول. وهو يطلق الإشارة الى "الوعد خارج الأرض"، مستندا لايقاع التاريخ الخفي، ضد وخارج عالم السيطرة القاهرة للدول المتسلطة الماحقة للوجود الحر وخارج سطوة النموذج الغربي المهيمن. لكل بنية تاريخية ايقاعها الذي يطلق همسها الذاتي، ويعلم أهلها القابلين لتلقي الصوت الخفي، وتاريخ العراق كما هو مبني بطابعة الدراماتيكي الدينامي الكوني والامبراطوري المزدوج، لايتوقف ايقاعه الحي المتعدي للتلقي البسيط وللاستعارة، بما فيها الاستعارة الحديثة الغربية، فهل من "مابعد غرب" يمكن التثبت منه هنا، او يجوز ان نعقد الامل على انبثاقه باتجاه عالم اخر، ومستقبل لايخضع لهيمنة النموذج الغربي والمقاييس الغربية؟ هذا مايجري في غماره اليوم وكتتويج لمسار تاملي وعملي دام لعقود تمتد الى الستينات، بقصد انجاز المهمة النظرية الكبرى وقد ابتدات من عام 2008 بصدور كتابنا "ارضوتوبيا العراق وانقلاب التاريخ" عن دار الانتشار العربي في بيروت، ب 460 ص، و" تجديد النبوة والثورة الكبرى الآتية من جهة العراق"، الصادر في بغداد عام 2011 ، و القسم النظري الهام من كتبانا "انتفاضة الاهوار المسلحة في جنوب العراق 1967/1968 " الصادر في بغداد عن دار ميزوبوتاميا، قبل سنتين، والذي جهد مايسمى "الحزب الشيوعي" بكل طاقته لمحاربته ومنع انتشاره، وصولا لعملنا القادم "البيان الامبراكوني"، كخطوة استكمالية ضرورية، قبل الانتقال النهائي الى الحقبة العملية على قاعدة ومقترح "المؤتمر التاسيسي الوطني العراقي" الذي هو مقترحنا منذ 2003 ،كخيار مضاد مقابل لخيار "العملية السياسية الطائفية المحاصصاتية" المفروضة من اعلى مثل دولة 1921 من خارج النصاب الاجتماعي، من قبل الاحتلال الأمريكي بدل الإنكليزي هذه المرة. ـ يتبع ـ