"مذكرات سجين" بقلم الشاعر إبراهيم البهرزي : الاٍرهاب والاعراب "1"

إبراهيم البهرزي

 

خلال اقامتي الاضطرارية في السجن العراقي تعرفت على ارهابيين ، بعضهم كان فعلا ارهابيا حقيقيا ، والبعض الاخر كنّا نسميه بلغة السجن ( اللاحوگ ) وهو من لفقت عليه قضية ارهابية دون حجة ولا دليل فالجاته الضرورة ان يكون في السجن مع ( حضائر) الاٍرهاب

والحضائر هي تشكيلات كيفية تفرضها إدارة السجن لمتطلبات الإعاشة والتعداد ، حيث يتطلب على كل مجموعة من السجناء ان تنتظم في حضائر طوعية تتكون من فردين صعودا حتى العشرة وربما اكثر وبحسب مزاج مراقب القاعة ( وهو سجين تختاره إدارة السجن ليكون وسيطا بينها وبين السجناء ) وحسب مزاج ضابط الموقف ومزاج السجناء أنفسهم ايضا !

من خلال. عشرتي مع الإرهابيين الحقيقيين والارهابيين ( اللواحيگ ) خلصت الى حقيقة ثابتة مفادها انهم جميعا من الاعراب ( سأحاول فذلكة تفسير لهذه التسمية اخر المقال ، فذلكة شخصية غير ملزمة ) وأنهم جميعا من الأميين او محدودي التعليم لا يتجاوز الإعدادية بكل الأحوال وأنهم في الأغلب الاعم من ذوي المهن الحرة البسيطة او من أبناء العشائر او من العناصر الوسطى للجيش السابق ( عرفاء ونواب ضباط ). من الذين تم تسريحهم دون مزايا مادية ولأسباب شتى ( من المؤكد ان بعضها طائفي بدلالة استمرار أقرانهم بالخدمة والامتيازات لمجرد انهم من طائفة اخرى ) كما ان بعضها يعود الى غباء المراجع الدينية لطائفتهم التي حرمت

عليهم باديء ذي بدا العودة الى وظائفهم العسكرية

جعل السجن الطويل من بعض هؤلاء عقولا صماء من المحال إقناعها بمجرد معاودة النظر في افكارها ( بعضهم أمضى في السجن قرابة السنوات العشر دون حكم قضائي. وأحيانا دون قضية غير الاشتباه !)

كان العناد مرجعه ،كما اعتقد ، ليس الى قوة العقيدة ، فأغلبهم جاهل نصوصي لا يجيد الاستنتاج ولا الاستنباط ولا التحليل قدر اعتماده على حفظ النصوص المقدسة واستظهارها مرارا وتكرارا بمباهاة العارف الضليع ، ومن هذا ايقنت ان مثل هؤلاء لن تغيرهم الحياة ، الموت وحده ربما سيغير منهم شيئا !

كانوا مأخوذين بفكرة انهم مطلوبون طائفيا وان الحاكم والسجان والمحقق والواشي والإذاعة والتلفزيون والشاهد والمحامي كلهم جميعا أدوات لتركيعهم واذلالهم او ابادتهم لأسباب تاريخية مقدسة !

في الحقيقة كان البعض منهم على حق نسبي اذا صدقنا ما يروون عن مجريات التحقيقات شديدة القسوة التي عانوها وما سمعوا من نكايات وتجريحات بذيئة خلال أطوار التحقيق

بعضهم ربما يكذب ، ولكن ليس كلهم ، فهناك. ما يدعم مزاعم البعض ، على الاقل في القليل الذي لمحته عرضا في سلوك بعض المحققين والحرس لحظات الغضب المقدس !

الطقوس التي تتشكل في. ليالي و نهارات السجن المملة تدفع الى التكتل ( وهوممنًوع رسميا لكن حضره يزيد من تاكيد وجوده !)

يملك هؤلاء الاعراب الارهابيون منهم والمتهمون زورا. قيما عشائرية تعلو على كل قيمة مقدسة اخرى رغم إدمانهم المتواصل على الطقوس الدينية !

فحين تتعارض قيم الدين مع قيم العشيرة فان العلوية تكون للعشيرة ! مع مقدمات من النصوص المقدسة لا تعدو ان تكون مجرد تعاويذ لا تودي شيئا من معانيها الحقيقية ، وربما يكون الفعل متعارضا تماما مع مضمون هذه النصوص ولكنه يحظى في الاخير بقبول الجميع وكأنه واجب اخلاقي لابد منه

يحفظون بدقة لغوية عالية كل النصوص المقدسة ( يصححوا لك ان اخطات بهمزة ! ) لكنهم لا يعولون على المعنى

المعنى هو ما يكون متيسرا للغاية الانية

هم لا يعرفون شيئا عن ميكافيلي وفلسفته ، لكنهم يمارسونها بحرفية عجيبة

لا تعاند الاعراب في شيء ، فأنت الخاسر حتى وان كان الله معك

انهم ، على شحوب علمهم وفهمهم يعتقدون ، بسبب الفهم العشائري للمقدس ، بأنهم على صواب دوما حتى وان أخطأوا ، لان المقدس كما يعتقدون لم يخترهم الا لأنهم على حق بالفطرة ..

يسهل قود الاعراب الى ممارسة الاٍرهاب بسبب هذه القطيعة التي مارستها الدولة العراقية معهم عبر تاريخها وتركهم نهبا لتلك القيم العبودية التي أرساها شيوخهم لتنظيم حياتهم ، كل شيء في حياتهم قائم على قنونة الامتهان ، امتهان الشيخ لفلاحيه عرف جليل ، امتهان الرجل لزوجته ونساء بيته من مكارم الأخلاق ،امتهان الدولة لمواطنيها من وجوبيات النظام ، امتهان رجل الدين لتابعيه من وجوب الطاعة والإيمان

لاشيء عندهم يفكر ويتساءل

ان حرف (لماذا ) عندهم، مثلا ،هو أنكر الحروف

يطيعون ما استطاعوا المنافع العاجلة سبيلا

لأجل هذا كانوا يطيعون أكرم الدافعين

وكان بعض الذين خسروا الامتياز السلطوي كريما بما تبقى له من مواريث مال السلطةً اضاقةً لممالك غنية مجاورة كانت تخشى من القادم الغامض الجديد فراحت تنعش العدو المعروف القديم

تحت راية ان باسهم بينهم ،اضافة بالطبع للأهم وهو الإعلان الصريح لطائفية الدولة عبر المسميات المعلنة لمكوناتها السياسية الطائفية ما دفع الى الريبة وعدم الشعور بالامان وما يرافق ذلك من تحريض دولي يستغل هذه المخاوف التي. لم تفعل السلطة شيئا جديا وعمليا لإزالتها وتطمينهم

***

الاعراب بحسب تقديري المتواضع هم سكان القرى النائية ، فكلما بعدت مسافة القرية وانعدمت سبل المواصلات المعبدة عن مراكز المدن كلما كان تواصل اَهلها. قليلا مع المدينة ومؤسساتها. الحضارية ( المكتبات ، دور السينما ، النوادي ، النقابات والجمعيات ، المقاهي ، الاسواق العامرة .. الخ )

حسب ملاحظتي رأيت. ان المسافة كلما زادت عند حد إمكانية الوصول من القرية للمدينة مشيا. او على دراجة هوائية ، او كلما عدمت الطرق المعبدة بين القرية المعنية والمدينة فانه يصح على سكانها ان يسموا بالإعراب ، وهم جميعا لهم لهجة تختلف عن لهجات سكان المدن وطبائع تختلف عن طبائعهم وأزياء. مختلفة ايضا

تكاد ان تكون مسافة بين خمسة الى عشرة كيلومترات ومايزيد بين ا القرية والمدينة كاف لان يصبح سكان هذه القرية من الاعراب

هذا ما لاحظته واقعا

يطلق على الاعراب في المدن وضواحيها القريبة مفردة ( عُرْبي)

ولا اعتقد ان في الامر تحقيرا لهم فهم أنفسهم غالبا ما يقولون نحن ( بابة عرب )

واغلب الاعراب درسوا في مدارس المدن وفيهم من تخرج من الجامعات غير ان الغالب على توجهاتهم هو امتهان المهن العسكرية والشرطوية والأمنية هذا ما لاحظناه منذ السبعينات حتى عام ٢٠٠٣ وربما استمر لما بعد ذلك

غير ان الملاحظ هو انهم حين ينتقلون للمدن او ضواحي المدن فانهم لا يكتسبوا العادات المدنية بل بالعكس فانهم يفرضون العادات الريفية على المدينة ، هذا اذا أضفنا. انهم بمواقعهم الوظيفية العسكرية والأمنية استطاعوا ترييف عموم المدن التي سكنوها

وبسبب هجرة اغلب الطبقة المتوسطة من أهل المدن وعزوفهم عن المناصب في الدولة تعاليا على المناصب التي ماعادت جديرة بالاحترام حسب رأيهم. وتفرغهم للجانب المهني من الوظائف فان أبناء القرى صاروا يحكمون المدن ويسيطرون على كل مناصبها وهو ما أدى الى ترييف قيم هذه المدن بالمرة... يتبع.