كيف ولماذا هزمنا امام صدام حسين ؟ (20) ـ التدبيرات الثلاثة: وتجاوز السقف الاستعماري

كل ظواهر تاريخ العراق الحديث، خاضعة لتفسيرين ورؤيتين، الايديلوجية الاستعمارية، والرؤية الامبراكونية، الرؤى او المنظور الاستعماري الايديلوجي لمسار العراق الحديث، معلومة، وهي مرتكزة لاعتقادات مقحمه على التاريخ العراقي كما تجلى بعد حضور الغرب، بينما السردية الوطنية الامبراكونية، تتابع الظواهر بناء على الحقيقة البنيوية، ووفقا لمفعول الاليات الحضارية التاريخية وكيفية ودرجة واتجاهات تجليها اليوم. وبناء للسردية الوطنية، فان تاريخ العراق الحديث حكمته ظاهرتان، شكلتا المحور الأساس في الاستجابات والافعال وردود الأفعال المتبادلة، الوطنية منها، والاستعمارية الغربية: الأولى : تجاوز الفعالية الوطنية العراقية للسقف الإستعماري المفروض عليها. والثانية : وهي متداخلة بالاولى، وملحقة بها، وتتمثل في محطات مما نطلق عليه ( التدبيرية الغربية). والثانية هي دائما نتيجة وردة فعل الغرب على الأولى، فتشكيل الدولة البرانية من خارج النصاب الاجتماعي عام 1921، وقانون التسوية الملحق بها لعام 1932 ،هما تدبير استثنائي لجأ له الاستعمار الإنكليزي مضطرا، وبما يخالف طبيعته ومدرسته المعتمدة في الممارسة الاستعمارية، ف "الحكم من وراء ستار"، كان تغييرا جوهريا،اضطرت له إدارة المستعمرات البريطانية، له طابع التغيير التاريخي في طبيعة الاستعمار، من الاستعمار القديم الكولونيالي ، الى ماقد عرف لاحقا في الستينات، باسم "الاستعمار الجديد" او الهيمنه "من وراء ستار"، ذلك مع العلم ان البريطانيين حين احتلوا العراق، كانوا يتبنون النظرية "الهندية في الاستعمار" وهي نظرية استعبادية متغطرسة، اضطروا بعد ثورة 1920 وبسبب عنفها وسعتها المذهلة، للتخلي عنها، وابتداع نمط جديد من الاستعمار، اصبح من يومها متعارفا عليه عالميا. واذن فان تدبيرية الإنكليز عام 1921، جاءت بسبب تجاوز ردة الفعل العراقية، أي ردة فعل "مجتمع اللادولة" الاستثنائية للسقف الاستعماري المعتمد، وهاتان الناحيتان استمرتا بالفعل لاحقا، فالتدبير الاستعماري، سرعان مابدا ادنى واضعف من ردة الفعل عليه، فتجاوزت الحركة الشعبيه المضادة للنظام الملكي بمراحل، محاولة الإنكليز الإمساك بالأوضاع وإخضاع "مجتمع اللادولة"، ومنذ الثلاثينات والاربعينات، أصبحت الحركة الوطنية هي الحاكم الفعلي سياسيا ومعنويا، بمواجهة نظام معزول مخترق، ومتدني القدرات قياسا للمتطلبات التي يفرضها الواقع الوطني الشعبي وحركته، ولقد جهد النظام و"نوري السعيد" منذ الخمسينات، محاولا اجراء تحسينات على النظام من أهمها "مجلس الاعمار"، وكذلك محاولات "نوري السعيد" الحصول على أسلحة متطورة من الغرب، الا ان السقف الاستعماري لم يكن وقتها يسمح باحداث المطلوب واللازم من التعديل والتطوير على شكل النظام وطبيعته، ولم يكن الوضع الدولي والاستقطاب الحاصل بين المعسكرين، يتيح مثل هذه الامكانية، بينما كانت الأوضاع على المستوى العالمي تتعدى أصلا، نمط وبقايا الاستعمار القديم الذي يتماشى، او يتناغم معه ويتنمي له النظام الملكي. هذا الوضع افرز أخيرا، ثورة 14 تموز 1958 بافقها المتجاوز لعموم السقف المتاح " تحرريا" واستراتيجيا في الشرق الأوسط، وبين الدولتين الأكبر اللتين تشكلان قطبي الصراع العالمي، والنظام الدولي، مما اوجب وقتها مقتضيات تبرر البحث عن التدبير الثاني، الامر الذي بدات ملامحه تتجسد منذ الستينات، واستمرت لعقد من الزمن، كان المطلوب خلالها" إعادة الحصان الجامح الى حظيرته"، كما قالت الايكونوميست البريطانية عام 1963 بعد انقلاب شباط 1963 الدموي، وما اعقبه من متغيرات، تركزت وقتها على تهيئة الحزبين الرئيسيين من أحزاب الوطنية الايديلوجية الثلاثينية، وتحويرهما عن طريق نقل فعلهما من خانة الانتماء الى الحركة الشعبية المتناغم مع دفع "مجتمع اللادولة"، المحور الاجتماعي المحرك للعملية التاريخية الوطنية، الى الحيز المنتمي للدولة البرانية الفوقية، المركبة على مجتمع اللادولة من خارجه، فالحق البعث بنواة قيادة "يمينية" عشيرية، والحق الحزب الشيوعيي بعد عام 1964، اثر الاجهاز على الحزب الشيوي في شباط 1963 وذبح قيادته الأخيرة المتماسة مع مجتمع اللادولة الأسفل، ونقله ليصبح محكوما باليات جزئية غير وطنية، لفئة من الفئات العراقية، لها محركات واغراض ودوافع، لا تحرم بعرفها الانتقال، من الانتماء للاليات التاريخية للتشكل الوطني من اسفل، الى الاطار السلطوي المركب من اعلى. هذا التدبير نجم عن مراقبة وفحص مجريات، وشروط ومسارات الفترة، او التدبير الأول واشكال ووسائل الرد عليه ودحره من اسفل، مما اظهر بوضوح المكانة الخاصة التي أحتلتها "الوطنية الحزبية الايديلوجية" في العملية المذكورة، وفي التمهيد والاعداد لثورة 14 تموز 1958 مع قوة دورها في الانفجار الشعبي الذي اعقب الثورة، وقد تضمن هذا أيضا تقييم لظاهرة العسكريين، وقدراتهم، وموقعهم ضمن عملية التدبير الهادفة لقتل زخم ثورة تموز، بحيث توفرت القناعة بعدم اهليه العسكر العراقيين لمثل هذه المهمة، وعجزهم عن أدائها بالصيغة الملائمة، ماجعل فكرة "الحزب العقائدي السلطوي، القاتل للحزب المتاثر بالنبض الوطني، تصبح طاغية، ولاتقبل النقاش، ما قد برر صعود البعث الى السلطة في 17 تموز 1968 قبل التحاق الحزب الشيوعي/ البعثي الكردي، بالتدبير السلطوي الفوقي الثاني. فهل توقفت عندها آلية تجاوز السقف المتاح، حتى مع ارتفاعها هذه المرة، بما يتلائم لامع المقاييس الاستعمارية الامبرالية، بل ومع مقاييس أوسع مصدرها النظام الدولي المقر بفعل توازنات القطبية الدولية، فالتدبير الذي قام بصعود البعث للحكم متحالفا مع بعثيي الجبال، يمثل سقفا غير عادي من حيث المتاح له حتى ضمن محركات الصراع بين القطبين، وهذا مالم يفلح أي من مصادر التقييم الشخصية و الاكاديمية ، او الحزبية العراقية في اكتشافه وتقييمه، او وضع تقدير مناسب له حتى اليوم، بينما ظلت تجربة حكم البعث الصدامي تعامل بالشعارات الشتائمية، والبيانات الدعاوية عن "الفاشية "، و "الدكتاتورية"، التي تزيد الوعي الوطني ضلالة وتبسيطا، وتحرفه نحو نمط من التفكير والرؤى السطحية الكاذبة، قائمة على محاولة تبرير الذات، ونفي الذنب ونوعية الاصطفاف المشين خلال الحقبة الخطيرة التي نتناولها. في 17/1/1991 كتب الرئيس الامريكيى السابق ريتشارك نيكسون في "نيويورك تايمز" يقول : " لانذهب الى هناك دفاعا عن الديمو قراطية، فلا يوجد أي بلد ديموقراطي في المنطقة، ولانذهب الى هناك لمحاربة دكتاتورية ، ولانذهب الى هناك دفاعا عن الشرعية الدولية، اننا نذهب الى هناك، وعلينا الذهاب الى هناك، لأننا لن نسمح بان تمس مصالحنا الحيوية" والامر يتعلق بهدف استراتيجي جغرافي: فالعراق الذي أمم الشركات النفطية الامريكية والذي تعزز عسكريا وسياسيا بحربه مع ايران، كان يهدد بان يصبح قوة إقليمية كبيرة. كان يبدو استقلال العراق امرا لاهوادة معه، امام ظهور نظام عالمي جديد ترسمه واشنطن. ولما كانت الولايات المتحدة مشغولة باسترجاع نظام استعماري كان يديره البريطانيون في الماضي، فانها وجدت نفسها امام امه يمكنها خلط الأوراق، فبينما كانت معظم بلدان المنطقة قابلة بهيمنه واشنطن، ارتكب العراق خطأ التزود بوسائل استقلاليه، اقتصادية وسياسية بنحو خاص، اعتبرت غير مقبوله. وبما ان من غيرالوارد كما يقول وليام كايسي مدير وكالة المخابرات المركزية، ترك نيكاراغوا ـ , كذلك كوبا سنة1959 ـ تقيم نظاما يمكن استعماله انموذجا ناجحا لبلد من النمط الاشتراكي القابل للحياة، والمثالي ربما، فقد ظهر العراق كأنه قادر على ارباك النظام العالمي الأمريكي لامد طويل." كذلك " فان النظام العالمي الجديد، الناجم عن حرب الخليج، قام بقيادة الولايات المتحدة وحدها، من دون ان يكون للبلدان الاوربية كلمتها. لقد استرجع النظام الاستعماري القديم، وجرى استبدال الأمم المتحدة سابقا بالولايات المتحدة، وراى العرب سلطتهم تضعف، وحصلت دول الخليج على استمرارامتيازاتها مقابل امتيازات أمريكية على النفط، والاطمئنان الى ان العالم العربي لن يتوحد ابدا. في هذا السياق، جرى منع العراق من ان يصبح قوة سائدة في الخليج، ويدعو بلدان أخرى الى معارضة واشنطن" ( أمريكا التوتاليتاريه: الولايات المتحدة والعالم: الى اين/ ميشال بوغنون ـ موردان/ دار الساقي/ صص 163/164/165) هكذا تبلورت مع العقد الأخير من القرن المنصرم، ملامح التدبيرية الثالثة المعاشة اليوم، والتي اعتمدتها الاستعمارية الامريكية الجديده، ومعها ملحقاتها الاستعمارية المستجده من النخب والأحزاب الايديلوجية الإسلامية والعلمانية التي ستتحول الى اطارسياسي مهلهل، قاعدته قوى "ماقبل الدولة"، لنشهد بروز عراق عملية سياسية "طائفية احتلالية" قانونها المحاصصة الذاتية الحزبية الفئوية، مادون الوطنية. ـ يتبع ـ