البرزاني وحيداً

رعد أطياف

الأمة التي لا تمتلك قوّة عسكرية لا يحسب لها حساب في المعادلة السياسية، وبتعبير آخر: إن الجيوش القوية التي تمتلك منظومة دفاعية متطورة وتكتيك عالي الدقة، ونخبة عسكرية متمرّسة، هي أقدر على حسم الأمور. وفي كثير من الأحيان لابد للسياسي من هراوة يلوّح بها بين الحين والآخر، لا لأجل العنتريات الفارغة وزجّ الجيش في معارك لا طائل منها، مثلما فعل صدام ومن بعده المالكي، فقد ضاع البلد بسبب سياساتهم الرعناء، بل لإظهار هيبة الدولة وطمئنة المواطنين بقدرة الدولة على حمايتهم. ويبدو أن البرزاني صادفته ذات الأشواق والحنين لروح الدكتاتور، فوّرط شعبه المسكين بمعركة خاسرة وفاشلة وسخيفة من خلال تعنته بإجراء الاستفتاء، وزرع الفتنة بين أبناء الشعب الواحد وتغذية روح الانفصال، علماً أن أكراد العراق ينعمون بخيرات لم يحلموا بها من قبل. فمن هنا يأتي الدور العسكري الذي يتماشى مع القانون وضبط إيقاع المتمرّد ليكون مواطناً صالحاً ولا يعض اليد التي مُدت له في أحلك الظروف. وقد فعلت الحكومة العراقية خيراً بهذه الحركة المباغتة ليسترجعوا المناطق التي كان ينعم بها الأكراد بلا وجه حق دستوري يخولهم باللعب بمقدرات البلد. لم يكن البرزاني شريكاً مخلصاً ونزيهاً، فقد ظل أنفه شامخاً إلى عنان السماء حتى آخر اللحظة، وتجاهل حلفائه الدوليين وشركاءه الأكراد، فلم يكن سوى قلب الطاولة بوجهه وتوجيه رسالة مفادها: إن القانون أوسع من القبيلة والدستور الذي شاركت به لم يزل حي يرزق!، والتشبه بالدكتاتور لا يدوم طويلاً؛ فقد كان توأمكم المالكي يتمتع بذات المواهب، فدفعته هذه الأخيرة إلى ضياع ثلث البلد وسط منظومة عسكرية متهالكة تقودها زمرة من الفاسدين، وكبّدتنا خسائرَ فادحة ستبقى آثارها إلى أجل غير مسمّى، وكنت - يامسعود- خير خلف لخير سلف!!(المالكي)، فأضعت حلم الأكراد بالاستقرار، حتى شركائك بالنضال تركوك وحيداً..

لم يبقَ أمام برزاني سوى ورقة مضحكة وصبيانية، وهي التلويح بالخطر الإيراني وبضلوع الحرس الثوري في عمليات تحرير كركوك، كما لو أن إيران قدر حتمي أو "بعبع" يراد به كسب الأمريكان!، فالإفلاس لا دين له في مثل هذه اللحظات السوداء على العائلة البرزانية المالكة!، فمثلما كان بعبع البعث حاضراً عند المالكي، فقد كان هو الآخر حاضراً لدى مسعود في عمليات التحرير الأخيرة. فمن هذه الناحية تبدو إسرائيل خارج فلك الوطنيات البرزانية، فما يصح للصهاينة لا يصح لإيران، حتى لو كان الصهاينة ضالعين بهذه الفتنة، حتى لو رفع الأكراد العلم الصهيوني في أربيل. من هذا المنطلق يمكننا أن نفهم، إن كل من يدعم السلوك العنصري لبرزاني ويؤيد نزعته الانفصالية سيكون له الحظوة في شمال العراق، وكل من ينادي بعراقية الشمال فهو خائن وإيراني!، لأن البرزاني سياسي مخضرم فألهمته غريزته أن سوق الحرس الثوري رائجة هذه الأيام في الأوساط الأمريكية، لكن حتى السعوديون - أعداء إيران - باركوا لرئيس الوزراء حملته العسكرية الأخيرة !. فلم يبقَ سوى العزلة والوحدة للبرزاني، فهو عبارة عن ورقة معطوبة، وسيتركه الصهاينة في منتصف الطريق، لأنها مهنتهم المحببة إلى قلوبهم!

بغداد اليوم