يوم (السقيفة) عطلة رسمية في العراق!!

بدأ نواب "سنة" في البرلمان العراقي بحملة لجمع التواقيع لتشريع قانون يعتبر ذكرى يوم (السقيفة) عطلة رسمية لدوائر ومؤسسات الدولة في العراق. ويوم السقيفة هو اليوم الذي بايع فيه المسلمون في (سقيفة بني ساعدة) الصحابي ابو بكر بن ابي قحافة (الصدّيق) اول خليفة للمسلمين في العام الهجري الحادي عشر الموافق للعام ٦٣٤ بحسب التاريخ الميلادي، كما يعتقد بذلك أغلبية اهل السنة والجماعة.

 

وجاءت حملة النواب السنة بعد مناقشات حول مشروع قانون اعتبار يوم (الغدير) عطلة رسمية والذي طرحه نواب التحالف الوطني العراقي الذي يضم جميع الأحزاب الشيعية الممثلة في البرلمان.

ويوم الغدير هو يوم الخطبة الشهيرة التي خطبها الرسول الكريم محمد بن عبدالله (ص) في (غدير خم) والتي اعلن فيها الامام علي بن أبي طالب (ع) إماماً للدين وأوصى بتنصيبه خليفة للمسلمين بعده، كما يعتقد بذلك الشيعة الأمامية.

وكان النواب الشيعة في البرلمان قد أعلنوا عن نيتهم جمع ١٣٨ توقيعاً من نواب المجلس الذي يشكلون أكثريته وطرح المشروع الذي يدعون اليه للتصويت في حال رفضت لجنة الأوقاف البرلمانية تمريره والموافقة عليه، وهذه اللجنة تضم نواباً من احزاب سنية وشيعية.

ويقول نواب سنة انهم اقترحوا ان تحال صلاحية اعتبار يوم الغدير عطلة رسمية الى مجالس المحافظات في خطوة باتجاه اقتصار هذه المناسبة على المحافظات التي يشكل فيها الشيعة اكثرية، لكن هذا الاقتراح جوبه بالرفض من قبل النواب الشيعة الذين ذهبوا به مباشرة الى رئيس البرلمان لطرحه للتصويت.

لكن رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري (اخوان مسلمون) رفض طرح هذا المشروع مبرراً ذلك بانه من القضايا التوافقية التي يجب التوافق عليها بين السياسين الذين يمثلون كلا الطائفتين.

ويعد الانقسام حول قوانين العطل الرسمية احد اهم مظاهر الطائفية السياسية في العراق الذي يعاني من هذا الاحتقان منذ قرون مديدة.

والغريب في الامر ان السنة في العراق والعالم لا يحتفلون أصلاً بمناسبة يوم السقيفة، ولم يحتفلوا بهذه المناسبة على مدى تاريخهم منذ العام  ١١ هجري، اما الشيعة فان الغدير يعد لديهم عيداً دينياً و شعبياً ثالثاً بالإضافة الى عيدي الفطر والأضحى، لكنهم لا يوجبون فيه صلاة العيد باجماع فقهاء ومراجع الطائفة.

وكانت قد تبلورت عدة مقترحات لنخب سياسية وثقافية حول قانون العطل الرسمية ذات الخلفية الدينية المذهبية والطائفية منها:

اولا: الاقتصار على المناسبات الدينية الوحدوية التي يتفق عليها السنة والشيعة.

ثانيا: التوافق على بعض المناسبات بين الطائفتين بحيث يمرر النواب السنة مناسبات شيعية خاصة، ويمرر النواب الشيعة مناسبات سنية خاصة.

ثالثا: تحويل صلاحية التشريع لهذه العطل والأعياد الخاصة الى مجالس المحافظات كما اقترح النواب السنة.

رابعا: إلغاء جميع العطل الدينية.

وفي حال التوافق على اقرار هذه القوانين فان المناسبات التي يعد استذكارها أعياداً او مناسبات دينية تنقسم الى مناسبات مفرحة مثل: بدء السنة الهجرية وولادة الرسول الاكرم، واُخرى تعد مناسبات حزن مثل وفاة الرسول الاكرم (ص) وشهادة الامام الحسين (ع).

وعليه فان تشريع العطل الرسمية لا ينافي اعتبار الطائفتين لبعض الاعتبارات الخاصة حول المناسبات المختلف عليها.

فيمكن للسني ان يستمتع في عطلة يوم الغدير، ويجلس في بيته، ويعدها بدعة في الاسلام مثيرة للحزن والاسى والخوف على الدين.

بينما يذهب الشيعي ليستمتع بعطلته هو الاخر ويحتفل بها كأعظم ذكرى في تاريخ المسلمين لو تم الالتزام بها منذ ١٤٠٠ سنة، ونصب الامام المعصوم واعلم المسلمين بالدِّين علي بن ابي طالب (ع) لما انقسمنا الى سنة وشيعة.

كذلك يتاح للشيعي ان يستمتع بعطلة يوم السقيفة ويجلس في بيته عاداً هذا الواقعة من اكثر الوقائع ماساويةً وانحرافاً في تاريخ المسلمين.

بينما يذهب السني الى الاستمتاع بهذه العطلة التي يعتقد ان المسلمين اجمعوا فيها على بيعة الصحابي الأسيف وصاحب القلب الرقيق (ابي بكر الصديق).

وهذا التقسيم الواقعي لا ينافي حرية الاعتقاد والممارسات والشعائر التي نص عليها الدستور العراقي، خصوصا وان القانون العراقي، أسوة بقوانين العالم، لا يقتطع من راتب موظف الدولة ما مقداره اجرة يوم عمل في حالات العطل الرسمية، مما يجعل هذه العطل مغنماً دينياً ودنيوياً في آن معاً.

في العالم الغربي المسيحي الذي تقوم فيه الدولة على أسس وفلسفات مدنية علمانية لا زالت الأعياد الدينية حاضرة وتعتبر عطلاً رسمية عندهم. كما توجد اختلافات حول هذا العطل بين الكنيستين الكاثوليكية والارثوذكسية في دولاً عديدة منها :  روسيا واليونان واوكرانيا وصربيا وكرواتيا ودولا أوربية اخرى. لكن الغربيين واقعيين وعقلانيين جدا في التعامل مع خذه المفردات. ويعتبر دور ورأي الكنيسة مؤثرا هو الاخر.

وفي العراق ينظر الاسلاميون الى هذه الموضوعات على انها جزءاً من التعامل التشريعي الواقعي الذي يؤسس لاستقرار الحياة الاجتماعية والسياسية بقوانين ثابتة بعد ان نتجاوز ما تحفل به المناقشات حولها من اثارة طائفية متوقعة، لكن مع مرور الزمن، سوف يعتاد عليها العراقيون في المستقبل، وتنسى ظروف تشريعها، وان كانت شرعت في مرحلة تاريخية اتسمت بالصراع الطائفي.

سينظر علمانيو العراق، والتيارات المدنية المناهضة لمشاريع الأحزاب الاسلامية على ان الخلاف حول هذه القوانين يعد اقحاماً للدين في عمل الدولة، وتهديدا للوحدة الوطنية وروح المواطنة.

اما انا فقد كتبت هذا المقال كمستدرك متاخر على ما كتبه  أبو الحسن بن الأثير في كتابه (الكامل في التاريخ، 7/213) من ضمن أحداث سنة إحدى وستين وثلاث مئة تحت عنوان (ذكر الفتنة في بغداد).

كذلك ما ذكره أبو الفداء الحافظ بن كثير كتابه (البداية والنهاية)، (12،11/331) ضمن أحداث سنة إحدى وستين وثلاث مئة من الهجرة، وتحديداً في يوم عاشوراء، أن (فتنة شديدة وقعت بين الشيعة والسنة، فأحرقتِ السنةُ دورَ الشيعة بالكرخ وقالوا: الشر كله منكم، وصار العيارون ببغداد يأخذون أموال الناس).

اسأل الله ان يستمتع العراقيون بعطلهم واعيادهم الرسمية بسلام وامان وتعايش، وان لا يعيد عليهم الدهر والأقدار ايام ابن الأثير وابن كثير.

العالم الجديد