استدراك وحركة استباقية ( حول العلاقة بين العراق والكويت )

خور عبد الله

نشرتُ خلال الأيام القليلة الماضية عددا من المنشورات والتعقيبات، ككاتب عراقي يدافع عما يعتقد أنه حقوق للعراق وشعبه في أراضيه ومياهه وتحديدا في خور عبد الله. ولكني أود ان أستدرك أن هذا الدفاع لا ينطوي على أية عداء أو مناهضة أو كره للكويت وشعبها الشقيق. خصوصا وأن هذا البلد، شعبا وقيادة، قد دلل بالملموس في السنوات القليلة الماضية، على انه عصي على الجرثومة الطائفية والنزعة التكفيرية التي أخذت بتلابيب بعض مسؤولي و وزارات دول الجزيرة والخليج العربي. وليس أدل على ذلك من موقف والكويت وأميرها شخصيا من جرائم التفجيرات الإجرامية التكفيرية التي استهدفت الكويتيين المسلمين الشيعة في دور عبادتهم فهرع بعد ساعات قليلة على جريمة التفجير إلى مكان المجزرة ليواسي ذوي الضحايا. 
ولما كنت قد كتبت مقالة في شهر تموز سنة 2013  في صحيفة لبنانية، ما تزال منشورة في أرشيفها ( تجدون رابط المقالة في خانة أول تعليق) أحاول فيها قراءة واقع وآفاق وإشكالات العلاقات بين الشعبين العراقي والكويتي محاولاً ان تكون ذات نفس ومضمون بناء، ولأنني أتوقع ان يلجأ البعض المغرض لإشهار هذه المقالة بوجهي لهذا السبب أو ذاك بعد ان يقصقصها على طريقته الخاصة، فقد وجدت من الملائم أن أعيد هنا نشر فقرات ضافية من تلك المقالة. وأختم بالقول : إن الأمل ما يزال معقودا على ان تبادر القيادة الكويتية إلى القيام بوقفة مراجعة جذرية وشاملة لموضوع القرارات الدولية المجحفة بحق العراق وشعبه الذي يراد له أن يدفع ثمن مغامرات الدكتاتور صدام حسين بالأمس، وحكام المحاصصة الطائفية التابع اليوم، وخصوصا مراجعة موضوع الحدود البحرية والأرضية وخور عبد الله، فالمعروف أن العراق بلد شبه محاصر بحريا على أهميته الاقتصادية والاستراتيجية بعد أن فرط صدام حسين بالساحل الشرقي لشط العرب لمصلحة ايران وأرغمت قرارات الأمم المتحدة الحكومات العراقية على التنازل عن مساحات مهمة من طلته البحرية لمصلحة الكويت، و خصوصا أن الكويت في غنى عن هذا الخور او تلك الثنية البحرية لأن ثلاثة أرباع حدودها تطل على الخليج العربي، لذلك نأمل أن تراجع القيادة الكويتية موقفها من هذه القرارات الظالمة للعراق وشعبه وبما يضع مداميك مهمة وعميقة في صرح العلاقات بين الشعبين الشقيقين فالأنظمة أيا كانت زائلة والشعوب هي الباقية.
فقرات من مقالتي سالفة الذكر :
1-(إنّ قصة العلاقات العراقية الكويتية الرسمية والشعبية مختلفة تماماً عن قصة أية علاقات بين العراق وأي بلد عربي آخر، مثلما هي مختلفة عن قصة أية علاقات بين الكويت ودول عربية أخرى. غير أنّ هذا الاختلاف في نوعية العلاقات ينطوي أيضاً على الغنى والحيوية والتفاعل مثلما ينطوي على الغموض والالتباس والتشنج. فالكويت هي أشبه وأقرب دولة في منطقة الخليج والجزيرة العربية إلى العراق ثقافياً ونفسياً وتاريخياً. صحيح أنّ دولة الكويت كرّست نفسها ككيان خليجي يتكامل مع الدول الأخرى، لكنها تختلف عن شقيقاتها الخليجيات في كونها دولة ذات عمق حضاري وثقافي ومنجز مدني معروف وتجربة انتخابية ناضجة وغنية فاق عمرها النصف قرن. أي إنها لا تتكئ وتفاخر كغيرها بناطحات السحاب والأبراج الشاهقة وسباقات الخيول، فيما يجهل معظم مواطنيها أي شيء عن العصر الحديث وعلومه وفنونه وآدابه، وليست لهم أية مساهمة في هذه الميادين. لقد كانت الأرضية الثقافية لسردية الكويت التاريخية ولا تزال مشدودة ومتطلعة إلى السردية العراقية في الكثير من المحاور المهمة رغم عبورهما بعض أسوأ المحطات في تاريخ العلاقة بين البلدين. ففي الكويت، مثلما هي الحال في العراق، توجد وتتحرك حالة ابداعية في غالبية المجالات الثقافية وخصوصاً الفن والأدب، فالمسرح والدراما التلفزيونية الكويتيان مثلاً متميزان ومتشابهان شكلاً ومحتوى مع نظيريهما العراقيين، ولا نكاد نجد لهما نظيراً في دول الخليج الأخرى جميعاً.)
22-(على المستوى السياسي، ورغم أن الكويت، بعكس العراق، حكمتها تجربة انتخابية عريقة وناضجة في إطار نظام أميري وراثي، فيما خضع العراق لحكم أنظمة استبدادية شمولية لذات الفترة من الزمن، لكن الكويت، وبخلاف أية دولة خليجية أخرى، تماثلت مع العراق في كونها كانت مهداً وميداناً لعدد من الحركات السياسية اليسارية والقومية العروبية والليبرالية، ولعل من أهمها فرع حركة القوميين العرب قبل وبعد تمركسها ومن ثم تلاشيها، والتيار الليبرالي الوطني الذي يتمتع بثقل لا يستهان به.)
33-( لقد ترك احتلال الكويت مرارة في أفواه وقلوب الجميع، عراقيين وكويتيين، ولكل من الطرفين على جهتي خط الحدود الجديد، الذي فرضته الأمم المتحدة أسبابه المفسرة لمرارته. فالكويتيون، شأنهم شأن أي مجتمع صغير ودولة مسالمة، وجدوا أنفسهم، وخلال ساعات قليلة، شعباً هائماً في الصحراء، من دون وطن أو ثروات أو ماضٍ! وهذه كارثة كبرى وقاسية على المستوى الإنساني، وتحديداً على الصعيد النفسي للأفراد والمجموعات البشرية، ولا يمكن الشفاء من آثارها سريعاً وبسهولة، بل يتطلب ذلك وقتاً وجهداً كبيرين ومخلصين يعتمدان العلم والشفافية).
44-(أما العراقيون الذين تحملوا نتائج مغامرات نظامهم الاستبدادي الفردي الذي لم ينتخبوه أو يؤيدوا سياساته، فقد تحملوا ويلات حروب عاتية شنها فدمرت بلدهم تدميراً شاملاً، وكلفتهم خسائر بشرية باهظة جداً، مثلما تحملوا إضافة الى كل ذلك، القرارات الدولية التي يعدونها مجحفة وجائرة ضد بلدهم بوصفه دولة مهزومة في الحرب كالتعويضات المالية الهائلة لصالح الكويت ودول عديدة أخرى من بينها إسرائيل، وكقرار التعديل القسري للحدود الدولية بين البلدين لصالح الكويت أيضاً. وحتى بعد احتلال العراق، فقد قيل الكثير عن ممارسات ثأرية وانتقامية كإحراق ونهب المتاحف والمكتبات العريقة اتهمت بارتكابها مجموعات مجهولة وأفراد مرتزقة قيل إنهم مدفوعون وممولون من قبل أقطاب في الحكم الكويتي، الأمر الذي لم تؤكده أدلة ملموسة ووثائق معلنة، ومؤكدة لكنه أصبح جزءاً من تفاصيل ذاكرة المشهد العراقي غداة الغزو).
55-(على الجانبين، كان هناك «صقور» لا يريدون للعلاقات العراقية الكويتية أن تتحسن، وتخرج من حالة العداء، غير أنّ هناك «حمائم» وعقلانيين أيضاً. صحيح أنّ المتطرفين في الجانبين ينشطون حالياً تحت وطأة الاستقطاب الطائفي المتفاقم في الإقليم، لكنهم لن يكونوا قادرين على شطب حقائق التاريخ والجغرافية المشتركة بين الشعبين. لقد أبدت دولة الكويت، وخصوصاً في عهد أميرها الحالي صباح الأحمد الجابر الصباح، تعاطياً مرناً وإيجابياً مع المشكلات الموروثة في ملف العلاقات الثنائية، رغم الرفض الذي واجهه هذا التعاطي من الإسلاميين المتشددين في البرلمان الكويتي السابق وبعض أقطاب الأسرة الحاكمة ).
66-( وإذا كان أمير الكويت قد أخذ بهذا النهج البناء في المصالحة، كما يرى بعض المحللين، كمحصلة لقراءته الصحيحة للظروف الجيوسياسية العالمية، وهو الذي يصفه الإعلام الصديق للإمارة بالدبلوماسي المعتدل والمحنك الذي قاد الدبلوماسية الكويتية لعدة عقود قبل أن يتولى دفة الحكم في بلاده، فإن الخيارات الموجودة أمام حكام العراق، أيّاً كانوا، لن تكون وردية وسهلة بالمطلق، وخصوصاً وهم يقدمون رِجْلاً ويؤخرون أخرى في الانتقال إلى نظام حكم ديموقراطي حقيقي. إنّ هذا النهج الإيجابي والبناء، ولكي يكون حقيقياً ومثمراً لا بد من أنْ يتعزّز بمبادرات رديفة على الصعيد الشعبي، ولعل النخبة المثقفة في البلدين هي أكثر الفئات استعداداً للقيام بهذا الدور، ولكن بعيداً عن منطق وطريقة الارتزاق وتوظيف الأقلام لهذه الجهة أو تلك، بل عبر اعتماد الصراحة والشفافية والجرأة في فتح الملفات المغلقة والحساسة والابتعاد عن تكرار الأحكام الجاهزة والأفكار المتشنجة والمغالية.)

رابط يحيل إلى النص الكامل للمقالة :

http://www.al-akhbar.com/node/186209