كيف ولماذا هزمنا أمام صدام حسين؟(21 )

ـ السقف الدكتاتوري المتجاوزموضوعيا في التدبيريتين الأولى بعد ثورة 1920 والثانية بسبب زخم ثورة 14 تموز الخارج على السقف المسموح به، عملت اللادولة من اسفل باستقلال أولا، وبالتخفي وراء القوى الايديلوجية الحزبية، استجابة مع المستجدات الدولية، ومع طبيعة التدبير الاستعماري الغربي بطابعه "الحداثي"، بينما اتسم حضورها في التدبير الحالي الثالث، بتعذر الحضور المستقل، وبتعرض وجودها البنيوي وكينونتها لخطر التفكيك والانهاء كحيز مستقل، وهذا مايميز تاريخيا التدبيرية الثانية الايديلوجية، ويجعلها اخطر لحظة في تاريخ العراق الحديث. لم يكن صعود الحزبين الايديلوجيين المحورين، وحزب الصدامية بالذات، يفتقر الى الأساس القابل للوراثة في مجال عملية تدمير الاطار الأسفل، فالدولة الملكية ارست منذ الخمسينات وبعد اتفاقية تقاسم عوائد النفط مع الشركات النفطية قاعدة ومصدر تمويل من خارج البنية الاجتماعية للحكم، الامر فوجد جهاز الهيمنه مايساعده على ممارسة السلطة، انما من دون ارجحية توفر السيطرة التامة على المجتمع، وهو ماتغير جذريا بعد بداية السبعينات، حين تفجرت أسعار النفط تصاعدا، وتظافرت البنية التنظيمية العقائدية للحزب الحاكم، مع القدر الهائل من استقلالية السلطة عن المجتمع التي صاريوفرها لها الريع النفطي. وتتفق ديناميات هذه الحقبة الاستثنائية الخطيرة تماما، مع القانون التاريخي للحكم وقيام الدول من اعلى وفوق المجتمع، نقابل الدفع الحاد المتاتي من اسفل، والذي يمنع على الدولة القاهرة التغلغل في المجتمع، او النجاح في اخضاعه، مماينحو بها دائما للبحث عن منافذ وتوسعات لها الى الشمال والغرب والشرق، لها تعود ظاهرة "الإمبراطورية" التي لازمت ووسمت على مر التاريخ منذ الإمبراطورية الاكدية الأولى في التاريخ، تشكل الدول القاهرة المركبة فوق مجتمع اللادولة، فنظام البعث والحزب الايديلوجي المحور سلطويا، مع حليفه، ماكان بمقدورهما تنفيذ ماهو منوطا بهما، لو لم تتوفر لهمما قوة ريعية هائلة، اغنت عن الحاجة للتوسع "الإمبراطوري" غير القابل للتحقيق في العصر الحديث مع قيام الدول والحدود، والقوانين الدولية المنظمة، الامر الذي كان وراء التصرف الغريب من قبل صدام حسين عام 1990 حبن اقدم على احتلال الكويت، مع انه بالمقاييس الكيانية البنيوية العراقية تصرف طبيعي وبديهي، منسجم تماما مع عمل الاليات الامبراكونية، فالنظام الريعي العقائدي بصيغته الحداثية الثانية، الأكثر تطورا واحكاما،وجد نفسه بعد الحرب العراقية الإيرانية 1980/1088 وقد اختل التوازن بينه وبين المجتمع بعد ماقد فقده من احتياطي مالي خلال الحرب، وماترتبت عليه من تغير في موقعه من المعادلة الصراعية الداخلية، وبالأخص احتمالاتها التي لاحت له وكانها نزع للعامل الأساس في ارجحية وجوده، ناهيك عن تعاظم المترتبات اللاحقة على الحرب وماتتطلبه من منجزات ملحة ارضائية، وكرشوة اعتاد النظام على تقديمها للمجتمع ضمن تكتيكات سيطرته واستمرارها. ليس ماقد فعله صدام وقتها من قبيل تصرف الدول الحديثة ومايحكمها من قواعد التصرف، بقدر ماهو منتج قانون تاريخي، نابع من اليات الامبراكونيا، وسلوك المستوى التسلطي الأعلى تحت ضغط وتهديد المستوى الأسفل وزخمه غير المتوقع والمفاجيء التمظهرات، تجلى في العصر الحديث، ضمن سياق الصراع، بين التدبيرات الغربية المتوالية، ورفض البنية المجمعية العراقية، بينما مفاعيل هذا الأخير تعود لتجاوز الشروط الحداثية الغربية ولاتتوقف عن فرض حضورها عليها. ان مايفتقر له المنظور الايديلوجي الانشائي الشعاراتي الاستعماري، كونه يحاكم الظواهر الوطنية وفق مخططات مستعارة وجاهزة، تعجز أحيانا، ان لم يكن غالبا ودائما،عن الارتقاء لمستوى الظواهر الواقعية بصفتها الامبراكونية، فهؤلاء لايملكون عن نظام صدام حسين سوى كلام لايستحق الاهتمام، من قبيل الطبقات التي يفترضون وجودها، او اطلاق صفات الديكتاتورية والفاشية اعتباطا، بلا أي محاولة تفسير لمنشاها وسياقها وموقعها، والاهم الاليات التي تحكم وجودها وسيرورتها، وبما ان هؤلاء يتحدثون عادة عن مكان يفترضونه ويتوهمونه لايمت للعراق بصلة، فلقد عاشوا عميانا مازومين سياسيأ وفكريا، فلم يدركو الاليات المتجاوزة لطبيعة التدبير المركب بعد ثورة تموز على مجتمع المشاعة، ولا كانوا والحالة هذه، يستطيعون رصد الحراك المجتمعي، والمتغيرات التي طرات عليه واصابته بناء على تراكمات دولة الصراع الأولى بعد 1920. لاوجود للعراق الفعلي الحقيقي والمعاش في ترسانه النظر الاستعماري الايديلوجي على الاطلاق، مع ان هؤلاء لايكفون عن الحديث عن "العلم"، و " النظرية العلمية"، و "عصارة الفكر البشري"، في وقت ظلوا فية عميانا، ياخذون الناس الى العمى والجهل المطبق، عمى العيش خارج الزمن المعاش، يستعيرون واقع غيرهم، وينوهمونه واقعا لهم بالتخيل وممارسة مرض التماهي التاريخي المجتمعي، بالضبط كما يفعل المسلم "المثالي غير العلمي" بنظر هؤلاء، حين يستعير الماضي العائد لمايزيد على 1400 عام، ليعيشه كانه اليوم، وباعتباره حدث الساعة والراهن، وبين رؤية تستعير حاضر الآخرين، واخرى تستعيد وتستحضر ماض اصبح في قلب التاريخ البعيد، يتم القضاء على الحاضر، ولايعود للنخبة المقسمة والموزعة على التيارين المذكورين، سوى مهمة تغريب/ من غربة/ مزدوج للواقع والانسان والوطن. تبدا التدبيرية الثانية أصلا بإقرار ضرورة قبول نظام حزبي ايديلوجي، وبافق قد يوحي بخيارات كانت وقتها غير مقبولة إقليميا وعالميا، فاغراء الاتجاه نحو المعسكر الشرقي، لم يكن مسقطا كليا، مع الاخذ بالاعتبار ان مثل هذه المخاوف كان لها مايبررها، وهو نفسه الذي برر الموافقة على سيادة حزبين من أحزاب "جبهة الاتحاد الوطني " التي اسقطت النظام الملكي، وكانت راس حربة مجتمع اللادولة وثورته، مايرجح استمرار الزخم الشعبي، وتجدد ضغطه من اسفل، بما قد يسقط مفاعيل التحوير التي اضفيت على الحزبين المذكورين، فيعيداهما لاصلهما كممثلين للمجتمع الأسفل، بدل الاطار السلطوي من اعلى، المتحالف مع الاطار الدولي الاستعماري الغربوي، وهذا ماكان قد طبع بطابعه كل تاريخ وسنوات عمل حزب البعث، فهو برغم ماقد تمتع به من إمكانات اعانته على التحرر من المجتمع، وهيأت له فرصة قتل الزراعة كحيز تتركب عليه إرادة اجتماعية مناقضة، والتحول بمقابلها الى موظف اكبر، يستوعب كامل، او معظم طاقة العمل الاجتماعية، الا ان هذا التحوير بحد ذاته، لم يكن يبدو كافيا لتحقيق السيطرة الكابحة من دون ممارسة قمعية منظمة، و إيجاد أجهزة قمع عالية الدقة والمهارة، فكانت أجهزة امن ومخابرات نظام البعث، الأكبر في الشرق الأوسط والأكثر احكاما فلا وجود على سبيل النثال من يضاهي في المنطقة "ناظم كزار"، مع ان كل هذا لم بكن كافيا رغم ذلك لتامين الهيمنة المطلقة المطلوبة، فكانت منظمات الحزب وتوسعها المطرد بلا توقف، ( وصلت اعداد المنتسبين للحزب الحاكم في اخريات أيام البعث الى مايقرب من 3 ثلاثة ملايين ونصف منتسب) فكانما كان جوهر سيا سة البعث، قائمة على هوس عنوانه تحويل الشعب الى حكم، أي الى الغاء الفاصل بين الحيزين لصالح الحيز الأعلى. ولم يكن هذا من قبيل التخطيط الواعي للقيمين على النظام مافوق الشمولي، ولا هو قد اعتمد بناء لنظرية في الحكم، بما فيها النظريات والنماذج المعروفة بانظمة الحزب الواحد السوفيتية وغيرها من نظم المعسكر الاشتراكي، بقدر ماهو نتاج واقعه وماهو منغمس فيه من معركة بلغت بين حيزين متصارعين متناقضين درجة من الاحتدام التاريخي المصيري، مما كان يفرض مقاييس واعتبارات من اسفل تزيد باطراد من سقف عملية الاحتواء الشامل فتترجمها إجراءات ترضوية أحيانا، وقمعية على صعيد مواز، الى ان انقلب المسار، وعادت العوامل الإمبراطورية الإقليمية الموروثة للفعل، بالصعود الإسلامي المطرد، ودقت انتفاضة النجف ومن ثم الثورة الإسلامية الايراينة ناقوس النهاية، فاختلت القاعدة التي كادت تصبح راسخة، مع تحول القومية والوطنية العلمانية الى نموذج غالب منذ بداية القرن، وبالذات بعد الحرب العالمية الثانية. يومها انتهى نظام صدام حسين وقد اصبح من دون افق، وبلا بداهة ايديلوجيه تبرر وجوده، وعاد قانون الصراع بين المستويين يتخذ منعرجات غير مالوفة، تذكر بتلك التي أدت الى انهيار الإمبراطورية البابلية، وبعدها العباسيه، وظهر وقتها انه من المستحيل الانتصار على مجتمع اللادولة، الا بافق ريعي استثنائي، كان في الدورتين الحضاريتين السابقتين البابلية والعباسيةامبراطوري زراعي تجاري، وصار اليوم ريعيا نفطيا وحداتيا ايديلوجيا، اذا مااختنق او تناقص تناقصا خطرا، لاحت فورا بوادر استعادة المجال الأسفل لفعاليته، مع اختلال البنية الفوقية العليا المتضخمة، وتعاظم احتمال افضائها الى الحالة الفريدة، حيث لادولة من اعلى ولادولة من اسفل. في ظل الامبراكونية كبنية وتكوين، يعمل الضغط من اسفل على اكراه المستوى الأعلى على اتباع مايتجاوز طاقته، ويتجاوزه في نهاية المطاف. ـ يتبع ـ