أوراق من الذاكرة(5)

مناجم الحديد الحسينات

في بداية ربيع1993التحقت بمشروع التحري عن البوكسايت في الصحراء الغربية، خارج قوس احتياطياته المؤكدة، في محاولة لتعزيزه، وشملت منطقة العمل الجديدة (شرق الرطبة، غرب وجنوب الكيلو-160، والتي تمثل نقطة وسطية، فيها) وقد كان مقر ادارة العمل والسكن ،في بناية دار الضيافة لمنطقة الكيلو-160. وتم تقسيم فريق العمل على الغرف على عاتق افراده، ومدى انسجامهم مع بعض. وقد اشترك معي في الغرفة، زملاء من بغداد وخانقين والموصل، خلاصة التنوع العراقي بمذاق يساري. في وقت ازداد شراسة الحصار المفروض، والتي أنتج مفاعيل مؤلمة على العراقيين وعلينا على حد السواء، فأختفى السكر من مائدتنا، ما اضطر بعضنا جلبه معهم، وتكررت وجبة السمك/الجري، بسبب رخصها، وكانت اغلب مشترياتنا من مدينة الرمادي.

هالنا ما شاهدنا في جولتنا الاستطلاعية المبكرة، من تدمير لآلة الحرب العراقية (مواقع مضادة للجو، اليات، مرابط صواريخ...)وكانت جميع المواقع المدمرة محاطة بكثافة بقنابل غير متفجرة، ما تطلب تحديد هذه الأماكن على الخرائط، وجلب فريق معالجة القنابل لأجل ازالتها وتنظيف المنطقة منها.

اعمالنا اليومية كانت إعداد خرائط جيولوجية للطبقات الصخرية المتكشفة، بالتزامن مع حفر أبار في المناطق ،المرشحة لتواجد البوكسايت، وكنت مكلف، بتفسير الصور الجوية، والفضائية، في تحديد، التخسفات /البالوعات المطمورة، والتي يتواجد فيها البوكسايت تحديدا. المخفف لضغوطات العمل والقلق ومشاعر الوحدة في سكون الليل الصحراوي، بضع كؤوس من عرق قرى الموصل، واحاديث عن مستقبل الورطة التي وضعنا بها رأس النظام. وهل كانت سبب ام نتيجة في جلب قطار النظام العالمي الجديد، الى منطقتنا؟ وكيف سيطلق رصاصة الرحمة على القطاع العام، رمز الوطنية ولحمتها؟ وكيف سيشعل حرائق الإلهاء، وينصرف في قضم العراق ووجوده؟ احيانا أحاديثنا تقرب من الهمس، وأحيانا تتحول الى موجة من الشتائم، تنفض بضحكات مدوية، والسخرية من كل شيء. الحالة التي عكرت أجواءنا ،ملاحظتنا بقايا بصادق دموي في مغسلة غرفتنا، واحتمال إصابة احدنا بالسل الرئوي، وبعد التأكد من شكوكنا، استفسرنا عن الاشخاص الذين يدخلون غرفتنا في اثناء عملنا، فذكّروا(ثابت الراوي)/مسؤول مخزن الفرقة، أرسلناه مع احد الزملاء، الذي لديه طبيب من أقاربه يعمل في مستشفى الرمادي، من دون اثارة مخاوف وشكوك ثابت. وفعلا كانت نتيجة الفحص، حالة متقدمة من الإصابة بالسل الرئوي، ما استدعى ذهابنا جميعا الى مستشفى الرمادي، لإجراء الفحوصات، والتأكد من سلامتنا.

بعدها أدخلناه الى مستشفى معني بمعالجة التدرن، وضمن مدينة الرمادي، وذكر الطبيب المعالج بأن علاجه، يأخذ وقتا ليس بالقصير، بسبب شحة الدواء، والغذاء، كما أشار الى زيادة إعداد المرضى في عموم المحافظة. كل ذلك زاد من سوداوية المشهد في مصفوفة ثلاثية: الحصار، المرض، العمل المضني.... يتبع.