بغداد ليست عاصمة العراق؟ 1

عبد الامير الركابي

قام التوجه الاستعماري والغربي الحديث على تصغير العراق، عامدا لطمس خاصياته البنيوية والتاريخية، كشرط لامهرب منه، لادراجه ضمن النموذجية الغربية، الامر الذي توزع كل الميادين التعريفية، المطبقة والمقترحة على هذه البلاد، بالاخص في مجال الدولة، و الكيان، او المجتمع، ساعد على تكريس مثل هذا النمط من الحرب على هذه البلاد، عمل نخبة عراقية منسوبة للحداثة، نقسمها الى نمطين، الاول هو المستمرة بقاياه البالية، حتى الان، ونطلق عليه اسم "نخبة الحداثة الجاهلة"، وهذه تتسم بتبني المنظور الغربي واستعارته، بجهل واميّة فجة، يكرسها جهلها بواقعها، وعدم ايلائها مهمة الكشف عن الاليات التاريخية، اية درجة من الاهتمام، وهذه وصلت اليوم اتعس فترات ترديها، بالاخص بعدما انهارت مشروعاتها المتوهمة الاولى، من دون ان ينبثق داخلها، او على اطرافها، عمل جيل آخر، يحمل دفق وثبة تاريخية، او " ثورة ثقافية عراقية"، تليق بالمكان الذي هي منه، حيث يبدا التأسيس وقتها للثقافة العراقية الحديثة، وهذه الثانية الوارثة للجهل هي "نخبة الجهالة المضاعفة".
والقضايا الدالة على النزوع القسري المفهومي الغربي، كما نوهنا، عديدة ومتشعبه، منها تركيز الانكليز بالذات، على بغداد بصفتها عاصمة العراق، والامر كما يبدو للوهلة الاولى وقتها كالتالي ، فبما ان المستعمرين قرروا او هم اجبروا على اقامة "دولة"، وكيان له حدود معلومة، فالمفترض والطبيعي ان يجدوا له "عاصمة"، على قياس ما كرسه الغرب من نموذج الدولة الحديثة، وفي حينه لم يلاق هذا الخيار اي اعتراض او تساؤل، من قبل العراقيين انفسهم، ولا من قبل "افنديتهم الجهلة"/ المقصود الجهل بخاصيات بلادهم/ . ولم تكن فكرة العراق مطروحة اصلا للنقاش، كما كان من المفترض، لو ان للعراق نخبة "وطنية عراقية بمعنى / امبراطورية كونية" لاتابعة للغرب ومفاهيمه ونموذجه، فلم ترد على بال هؤلاء مثلا، مسالة او احتمال راهنية "الكيان الامبراطوري"، وكبف تتجلى، او قد تترجم حديثا، بغض النظر عن تحدي او امكانية تحققها، بظل النموذج الغربي المهيمن نموذجا وواقعا.
والعراق كيان امبراطوري بنية، بغض النظر عن الدعاوى القومية العروبية المستعارة، والتي تقتل العروبة بالمفهوم الغربي للقومية، والعراق نشأ تاريخيا كذلك، وفكرة، او نمط الدولة الامبراطورية، عرفت بداية، واول ماعرفت في التاريخ، في ارض الرافدين منذ 24 قرنا، قبل الميلاد، والامبراطورية الاكدية، هي الام الاولى لكافة الامبراطوريات التي يعرفها التاريخ، كما ان سرجون الاكدي، اول من قال في التاريخ "انا حاكم زوايا الدنيا الاربع"، يوم كانت سلطته تشمل "عيلام / ايران" و " الاناضول/ تركيا الحالية" وساحل الشام ومصر، وصولا الى ليبيا. والمساحة المذكورة كانت خاضعه لسلطة امبراطورية، قاعدتها لاتتجاوز الثلاثين الف كيلومتر في جنوب العراق، ان آليات التشكل المجتمعي التي تقف وراء هذا الانبثاق التاريخي التأسيسي، وضعت للمدينة/ العاصمة في هذا الجزء من العالم، صفة مختلفة عن اية عاصمة عادية، الامر الذي ظل يتكرر، مع كل الامبراطوريات الناشئة تعاقبا على هذه البقعة من العالم، سواء في بابل او بغداد، فلا وجود لمايعرف بالعاصمة المحلية في العراق، وبغداد هي عاصمة امبراطورية، وعراقية بامتياز، مع انها ليست ولم تكن عراقية بالمنظور الغربي للدولة.
وكما يذكر عبدالعزيز الدوري في كتيبه المهم عن بغداد، فان المدينة اقيمت ليس بقوة دفع آليات محلية او وطنية ضيقة، بل كانت من قبيل الهروب من المجتمع، فقد ذهب العباسيون قبلها الى الرمادي، ثم الى الهاشمية في الفرات الاوسط، وجربوا اقامة مركز حكم لهم هناك، الا انهم لم يامنوا جانب المجتمع المخالف لتركيب الدولة التمايزية، فوقعت انتفاضات اجبرتهم على الابتعاد عن ارض السواد بالقدر الاقصى الممكن، وعبدالعزيز الدوري مؤرخ نبيه، قد يكون الاقرب من بين الحداثيين الجهلة، الى تلمس جوانب من الخاصيات التاريخية العراقية، وهو مثلا ينبه في كتابه عن "تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري"، الى خاصية يؤكدها البلدانيون، تشير الى ان العراق: واحد موحد، مع انه ليس واحدا، من حيث الجغرافيا على الاقل، فالعراق عراقان، عراق السواد، وعراق الجزيرة، بغض النظر عن تجاهله لاثر ذلك على البلاد مجتمعيا، كما انه لم يسبق له ان نوه بالخاصية الامبراطورية، لهذا الموضع، وهو يعتبرها بداهة ونحصيل حاصل.
والاهم من ذلك انه وغيره ( برغم انه يعتبر كما يقول المفكر المغربي عبدالله العروي راس مايطلق عليه "مدرسة التاريخ العراقية الحديثة" ) وشيخ المؤرخين العرب فعلا، وعن جدارة، انحازوا الى التعميمَين "الاسلامي" في الماضي / وهو اي الدوري بالذات تعصبي قومي/ وغربي وضعي، بما يخص المنهجية الراهنة، وبما يخص تاريخ الدورة الحضارية العراقية الثانية، فقد طمست هذه الحقيقة، لصالح حضور العرب المسلمين وتعريبهم للمواضع التي انتقلوا اليها، فلم ينظر اليها على اعتبارها لحظة تحرير للاليات الحضارية التاريخية العراقية المعطلة بفعل الحضور الفارسي الاستعبادي المدمر للخاصيات، الامر الذي يبدا من عام 636 حيث عادت الاليات التاريخية العراقية للحضور والفعل( مع انه بالامكان الملاحظة بان بدايات مثل هذه العودة والانبعاث، قد تكون اسبق من لحظة الفتح الاسلامي، بدلالة معركة ذي قار، كمظهر مهم، سبق وصول الاسلام للعراق، وتوافق مع بدايات الدعوة، اذ ان اخبار الانتصار الذيقاري وصلت للنبي محمد وهو محاصر في شعب مكة، فاستبشر به خيرا، وقال قولته "اليوم انتصفت العرب من العجم" ).
الفارق بين الفتح العربي للعراق 636 وبناء بغداد عام 862 هو قرن وربع القرن، كانت كافية لان يعود العراق "عراقا"، ولان يصبح العرب الذين مرت عليهم ثلاثة اجيال، عراقيين ماخوذين بقوة مفعول الديناميات العراقية، لاشيء يصلهم بماضيهم الجزيري، وليسوا هم لوحدهم، بل الاسلام كله، ففي بغداد، ينتهي طور الفتح الذي اضطلعت به الجزيرة والشام، اثر الدعوة وتحقيق جيشها الموكول للعقيدة على يد النبي محمد، ليبدا طور "الامبراطورية والمشروع الحضاري"، الذي تتكفل به عادة ارض الرافدين باعتبارها المؤهلة له، ومحور الفعالية الحضارية الاعلى والارفع في محيطها، مايعني مسالة غاية في الاهمية، تخص مجمل المنجزات الموكوله الى الفعالية الامبراطورية الحاضرة في العراق وقتها، ومنها المدينه ( العاصمة الامبراطورية) الكونية، المتجاوزة دورا وفعلا للعصبوية العربية الشامية، وللحصرية العربية القومية.
يمر عبدالعزيز الدوري، على فكرة او امكانية إتخاذ البصرة او الكوفة، عاصمة، مع انهما المدينتات اللتان اسستا للدورة الثانية 636 ـ 1258/ الدوري لايعرف مفهوم الدورات والانقطاعات/ غير ان ذلك من قوانين التشكل الامبراطوري الكوني العراقي الاساسية، ومن خاصياته التي يتجاهلها او ينكرها اصحاب الرؤى المحلية الضيقة، فالعراق ينمو ويتشكل من اسفل، ليرتقي الى اعلى، فيدمج الاعلى، بفعل ديناميات توحيدية بنيوية، خلال زمن من الصراعات والاحداث الحادة، ليلحقه في الدينامية العامة، حدث هذا في الدورة الحضارية الاولى، ابتداء من سومراولا، وحدث في الدورة الثانية، الكوفية البصرية، كما في الدورة الثالثة الحالية، المبتدئة من القرن السابع عشر من المنتفك/ سومر الحديثة/ ، بعد ان تراجعت مفاعيل الانقطاع الحضاري المستمرة من سقوط بغداد1258، مع اضافة متغيرات جديدة، خاصة بالدورة الثانية، حصلت مع قيام بغداد كدلاله على بدء اكتمال البناء الامبراطوري الكوني، بوجود عاصمته العليا، الموكولة وجودا لمحركات ومبررات فوق وطنية.
ومن الاجحاف ان نتوقع من الدوري انتباها لخاصية "المدن تحت التراب"، على ضخامتها الاسطورية، ومع ان ارض السواد تعج بها، فاذا كان للمدن من مقبرة، فان المدى من بغداد الى البصرة، هو مكانها ابتداء من "اريدو" مدينة الالهه، تتزعمها بابل العظيمة، وعشرات، ان لم يكن اكثر، من المدن والممالك، التي تقوم لتندثر حجرا وحكومات، في دورة استحالة، ترفض الدولة الوطنية التمايزية القاهرة، على النمط المصري الاحادي.
ومن باب اولى والحالة هذه، ان تذهب الفكرة بازاء ظاهرة مدينة، لاتنتسب الى المتعارف عليه في عالم المدن، الى التحري فيها بذاتها، من دون اسقاط من خارجها، مع عدم نسيان الاقرار العالمي بان "المدينة" هي اكتشاف رافديني. الا اننا على سبيل المثال وفي الاخص ابان الحداثة الجاهلة، كنا اصغر، وعاجزين عن الارتقاء لمستوى ظاهرة مدينية هي نتاج بنية كيانية ارقى غير مكتشفة اصلا، ولايجب الاستغراب هنا كثيرا، فالقدرات العقلية البشرية عادة ماتكون، وقد تظل على مدى قرون، اعجز من ان ترى للتاريخ، والظواهر المجتمعية نظرة عليّه، والغرب الحديث نفسه، لم يعرف "علم الاجتماع" و "المادية التاريخية" الماركسية، قبل القرن التاسع عشر، ذلك مع العلم ان تر كيب العراق، وبنيته المجتعمية والكيانية، اعقد بمراحل من البنية الاوربية الطبقية، المنتمية لانماط المجتمعات الاحادية، وان تكن ارقاها، واعلاها دينامية، بمقابل البنية العراقية المجتمعية المزدوجه. 
ـ يتبع ـ

 

Tags