بغداد ليست عاصمة العراق؟/2

عبد الامير الركابي

عام 1969 اصدرت مجلة "المورد"، عددا خاصا عن " بغداد"، بحجم ملفت طوله 30 سم وعرضه 22 سم ومن حوالي 700 صفحة/ حمل رقما هو الثامن بين مجلدات المجلة التي كانت وزارة الثقافة العراقية تصدرها وقتها، والرابع بين اعدادها/ شتاء العام المذكر انفا. لم يفت من اشرفوا على العدد، ان يصدّروه بمقولة من نوع مقولات الحداثوية الجاهلة، لرئيس الجمهورية الاول، بعد انقلاب 1968 / احمد حسن البكر، تقول : " كونوا معاصرين شرط ان تكونوا اصيلين، فالمعاصرة لاتعني ابدا انقطاع الجذور.. كما ان استيعابها لايعني التفريط بتراثنا الثقافي العظم"، ولا داعي لان نحاول تفسير هذه الرطانة، او التساؤل عما اذا كان مطلقها يدرك معناها، او اذا كان هو قائلها بالفعل، او لا؟، عبدالحميد العلوجي، رئيس التحرير، لم يفته كباحث مقتدر، تصدير العدد بمقال افتتاحي عنوانه "هدية المنصور الى صدام"، والعدد كما يمكن ان نتوقع، انطوى على عدد ضخم من المقالات والدراسات، بلغت 45 ، اغلبها مطول، وضعه اكاديميون واساتذه جامعات.
ماهو دال في العدد المذكور، ان احدا ممن شاركو فيه، لم يحاول على الاطلاق الاقتراب من دلالات مدينة، كل ماكتبوه عنها في العدد انف الذكر، يستوجب البحث عماوراءه، فالمدينة من جهة متحركة، اختلف تقدير الباحثين حتى في اعداد ساكنيها، مابين مليونين ومائتي الف، والغالبية يؤكدون ان مكانها الحالي لاعلاقة له بمكانها الاول، الذي هو شمال المدينة الحالية عند مقابر قريش، حيث تقع الكاظمية الحالية، وهي مدينة نشأت بفعل ديناميات متداخلة عالمية، يمتزج فيها الفتح الجزيري بالمشروع الحضاري العراقي، ويتلازمان كوحدة لا انفكاك لها، عبر مدينة اضطلعت هي بتكريسه عالميا على مدى خمسة قرون، كما انها مدينة غادرت ذاتها مرات، وانتقلت من كونها مدينة امبراطورية مرتكزة لديناميات البنية العراقية الامبراطورية، خلال واحده من اهم لحظات صعودها ودوراتها، الى مدينة "دول برانية" متعاقبة، غير عراقية، اقواميا ومن حيث الديناميات، بينما العراق غارق بين 1258 والقرن السابع عشر، وسط لحظة من لحظات "الانقطاع " المواكبة للبنبة التاريخية العراقية، تفصل عادة بين الدورات التاريخية الكبرى، هذا غير انها عادت من القرن السابع عشر، لتستعيد نوع جديد من الديناميات الذاتية ضمن شروط مختلفة كليا، نجمت عن عودة التشكل العراقي الثالث الراهن، يوم بدات المدينة تستعاد مجددا من دائرة الدول البرانية، بقوة فعل والتفاعل مع التشكل الوطن /كوني الجديد، مع كل الاختلافات، بين اللحظة الراهنة من التشكل، مقارنة بلحظة بناء المدينة في قلب الدورة الثانية العباسية/ القرمطية.
وكما هي العادة بما يخص علاقة العقل العراقي بقضايا العراق، يسد النقص الخطير،المتاتي من العجز والقصور عن مقاربة وادراك خصوصيات البلاد، وبنيتها وتكوينها التاريخي، باللجوء الى الاستعارة في الغالب، والوصفية المدققة، في افضل الحالات، مع عمومية منهجية طاغية. يستتبع هذا بالطبع نكوص بديهي ازاء قضية المدينة، بطابعها وشكلها ووظائفها المتعارف عليها اجمالا، مقارنة بالمدينة العراقية، وبالاخص تلك التي تقوم بصفتها قوة حاكمة، خارج الحيز المجتمعي في العراق الاسفل/ عراق السواد/ حيث "مجتمع اللادولة" التاريخي والابتدائي التأسيسي، الذي لاينتج سلطات منفصلة عنه من داخله، ويظل متعذرا كليا على الدول التي تقام في العادة خارجه، الى الشمال منه، داخل مدن محصنة اشد تحصين ممكن، ومعسكرة من داخلها، تمارس حلبها للريع بحسب المتاح، بتجريد الحملات العسكرية والغزو، قبل ان تعود لداخل اسوارها وقلاعها.
وبغداد لم تكن شذوذا على القاعدة، التي ننسبها لظواهر "الكيان المزدوج"، كيان الدولتين المصطرعتين ابدا، غير القابلتين للامحاء، واللتين تشكلان لزوما بنيويا في ارض مابين النهرين، ومكان ودور وموقع المدن الامبراطورية العراقية، المواكبه للدورات الحضارية، متغير بحسب الاشتراطات والمستجدات، التي تكون قد رافقت عملية عودة الديناميات والدورة الحضارية، ومع ان الدول التمايزية القاهرة المدينية التي نتحدث عنها، تظل محكومة عادة لعامل الاستحالة المضادة الصادرة من اسفل، اي من مجتمع لايحكم، ما يجبر الدول المدن المحصنة غريزيا، على البحث عن مبررات استمرارها خارج الكيان، تخفيفا لحدة صراع غير مضمون العواقب، والذي قد يفضي احيانا لانهيار البنية الحضارية برمتها، ومن هنا تاتي خاصية الامبراطورية المبكرة، والتي وافقت اول اشكال الدولة المدينة الاكدية.
والملاحظ في حالة بغداد، شروط نشاتها الاستثنائية، المميزه لها عن بابل، او غيرها من مراكز الامبراطوريات الاسبق، فهي نشات واقيمت ضمن افضل ظروف مساعدة لها على التحرر، و"الاستقلال" من الضغط المعاكس لمجتمع اللادولة، فعملية الفتح الاسلامي الجزيري الى الشرق، كانت منجزة، وهي امنت مدى هائلا يحاذي الصين والهند، يمكن لبغداد ان تشمله وتتفاعل معه، وتستمد وجودها وحيويتها منه، وبه، ومعه، باستقلال عن "العراق بذاته"، فلم تكن والحالة هذه عراقية، الا بما يخص الديناميات الدافعة المحفزة الاولى. 
وهذا الملمح يحيلنا، لماعرف تاريخيا بالمشروع الاسلامي، بالاخص الذي يركز على العقيدة من دون اخذ التكوين والبنية بالاعتبار، عدا العملية الدينامية الناجمه عن بنى المواضع المختلفة، والزمن الذي ظهرت فيه الدعوة، وتحولت لظاهرة كونية، فالشائع برغم وجود ظاهرة متاخرة مثل ابن خلدون جرى تضخيمها، هو ايكال الحدث الاسلامي الى وجه من وجوه الارادة السماوية دون غيره، بمعنى جانب وحيد منها، هو المتعلق بالعقيدة السماوية، لابالسماء بدلالة فعلها في الارض والانسان، ولم يعرف الى اليوم، من بين معارف وعلوم الاسلاميين والمستشرقين، او غيرهم من الحداثيين، تعرض للارادة الالهية الواقعية، وكيف تتجلى في الارض، فالاسلام المحمدي مثلا، ماكان ليصبح ماقد عرف به، لولا خاصيات الجزيرة العربية كمجتمع "لادولة احادي" ملحق، وظهير للمجتمع العراقي المزدوج، وممتنع على الامبراطوريات الغازية للمنطقة، لصعوبة لابل تعذراختراقه، والموضع المذكور، اي الجزيرة العربية، موضع اقتصاد غزو وكفاف، الانسان فيه يقتل ليعيش، مايجعله يرضع الحرب وفنونها بمجرد ولادته، كما ان المجال الصحراوي العربي، يتعرض ك "نظام حياة" الى اختناقات كلية، مصدرها انغلاق منافذ التجارة التي تمتد مابين الهند جنوبا، والشام والعراق شمالا، حيث القوافل المرتكزه في مدن قليلة، تجارية، نزاعة للمركزية القدسية من دون حكم، لتعذره، وانتفاء ضرورته "الجزيرة طلع لايحكم ولايحكم / قول عربي سائر" ماجعل مهمة نقل المجتمع الجزيري المحارب، من القبلية المتازمة بسبب الانسداد الناجم عن سيطرة الامبراطوريات الرومانية والفارسية، من قبيل تهيئة اعظم قوة حربية في التاريخ، ليس لها جيش لان مجتمعها جيش بذاته بالكينونة، وهنا يكمن السر الذي امن الفتح العربي للشرق حتى حدود الصين، خلال مدى زمني استثنائي.
الاهم من هذا، هو التوافق العضوي بين ملامح الحربية القصوى، والكونية، او اللاوطنية المتعذرة اصلا، فالاسلام الجزيري، وجد بالطبيعة، لابصفته دولة جزيرية، بل دولة فتح نزوعها وهي متجهة الى الخارج، بفعل محركات ودوافع ذاتية، اولها تعذر الدولة بنيويا، مع تازم البنية المجتمعية ضمن الاطار الكوني، فالروم والفرس قوتان خانقتان، باعتبارهما قاطعتا شريان الحيوية المتاح للجزيرة، ولبنيتها القبلية التي اصيبت وقتها بالاضطراب العميق، فعمتها حمى الاقتتال.
لكن هذا ليس كل شيء في الظاهرة التاريخية الاسلامية، وهو لا يفسرها بشمولها، او يضيء اهم جوانب ديمومتها، فالاسلام: عقيدة، وفتح، وامبراطورية. اي انه فعل موضعين متلازمين، كما هما في الاصل، فالابراهيمية التي ختم طورها النبوي محمد، عراقية الاصل، وما لاتستطيعه الجزيرة، عدا الفتح، العراق هو المؤهل للاضطلاع به، كما كان قد ثبت في الدورة الحضارية الاولى لارض الرافدين، من سومر الى بابل. بهذا لايكون الله قد حقق ارادته بالكلام، او بالجهد النبوي الاستثنائي، من دون قوة اسناد "العلّة" الحدثية والتكوينية، فالله يتعامل مع مجتمعات، وضع لها بالاصل قوانين كامنة داخل بنيتها، وهذا مايمكن ان يغيرها، ويحركها ويصنعها، ويهيء للنبوة ان تفعل فيها،وليس اي مجهود اخر من اي نوع كان، وان كان ضروريا، ولازما، ومقررا في لحظته وحينه.
وهنا يكمن الفرق بين اسلام عصر الانحطاط، الابن تيمي، الوهابي، الداعشي، والاسلام المحمدي الجزيري العراقي، الكوني المبررات والتحقق، حيث بغداد ترتفع لمستوى من القداسة الحضارية والعقيدية، استثنائي، يكاد يكون لا اسلام بدونه، فالاسلام بعد الفتح العسكري، ماكان ليصبح كينونه ومنظومة مفاهيم ومشروع حياة، تشمل الشرق الى حدود الهند والصين، اي النطاق الابراهيمي الراهن شرقا وغربا، من دون مدينة تؤمن الفتح الثاني، الاطول والارسخ ، فتستوعب كل هذه الشعوب، وتقيم مركزا كوزموبوليتيا، يتخطى متبقيات العصبية الاموية الفجه، الى المزج الكوني، للفرس والترك والاذريين.. الخ، وكل الاقوام الشرقية وتخلطها داخل بوتقة تفاعلية، استمرت وهاجة ودينامية لخمسة قرون، بلغت اعلى الذرى الممكنة، وقاربت الانتقال للراسمالية ( بعود الفضل في هذه الفكرة للدكتورالطيب تيزيني) فهذا ماقد اسلم تلك الشعوب وابقاها على الدين الجديد، فغرسه فيها تاريخيا وعمقا، لدرجة ان حوله الى كينونة عقيدية، فصارت تعبر عن نفسها به لاحقا، والى اليوم.
ـ يتبع 

Tags