أكذوبة حزب الدعوة وتفجير بيروت 1981

نصير المهدي

اليوم مر ستة وثلاثون عاما على حادثة مشهورة طواها النسيان وهي حادثة تفجير السفارة العراقية في بيروت في منتصف هذا الشهر من عام 81 وكما تعلن داعش مسؤوليتها عن أي عمل مهما كان بسيطا كما حوادث الدهس بالسيارات التي تسمع بها من نشرات الأخبار فقد سارع حزب الدعوة الى إصدار بيان يتبنى فيه تلك العملية حيث فجر وكر المخابرات العراقية في بيروت كما قال بيانه بسيارة يقودها الانتحاري أبو مريم .
لم يختلف ادعاء حزب الدعوة ذاك عن الكثير من الإدعاءات من حزب قام على كذبة إخترعها صدام حسين لتصفية خصومه ومعارضيه وراح ضحيتها آلاف العراقيين حيث كان الإعدام سيفا مسلطا على رقابهم بتهمة الانتماء الى حزب الدعوة ولو أحصي الشهداء العراقيون الذين قضوا على يد نظام آل المجيد بهذه التهمة لتجاوزوا أعداد منتسبي الحركات السياسية العراقية جميعا وبمختلف أطيافها وفي فترات العسر والرخاء معا لكن من يراجع صحافة الحزب التي كانت تصدر في الخارج وربما كان الحزب العراقي الوحيد خارج العراق الذي يصدر ثلاثة صحف : الجهاد في طهران والموقف في دمشق وصوت العراق في لندن لن يجد أثرا أو ذكرا لأولئك الضحايا وظروف إعتقالهم وإغتيالهم في سجون صدام ولولا قوانين رعاية الشهداء والسجناء لما عرف بهم أبدا . 
ما يهمني في هذا الأمر أن أسلط الضوء على أحداث تاريخية ربما لا يعرفها من لم يعايشها أولا ثم أكشف للناس ملابسات بعض الأمور وأخيرا أعيد الاعتبار للضحايا بالقدر الذي أستطيع مع امكاناتي الفردية المحدودة ولكن بموقف ضمير حر وفيهم من أعدم من عائلتي وأعمامي من لا يلتقون بحزب الدعوة فكرا أو سلوكا فضلا عن التنظيم الذي ناقشناه في موضعه منذ سنوات وساشير الى الأمر في ختام هذا الموضوع . 
وقد كان والى يومنا هذا نظام صدام وحزب البعث من جهة وحزب الدعوة في الجهة الأخرى يتخادمان في أكاذيبهما فكل كذبة من هذا تخدم ذاك والطرف الثاني يتلقفها لأنها مفيدة له أيضا وبهذا أعلن حزب الدعوة مسؤوليته وبعد ما يقارب الشهرين من الحادثة عملية الاغتيال المزعومة لصدام في الدجيل أو محاولة إغتيال عدي في المنصور والتي ظهر وبالتفصيل لاحقا كل ما يتعلق بها إعدادا وتنفيذا وبعض شهودها أحياء الى يومنا هذا . 
ولقد تحديت علنا علي التميمي على صفحات الفيس بوك وهو كان مسؤول حزب الدعوة في سوريا ولبنان يومذاك قبل أن يتولى المسؤولية نوري المالكي أن يقدم أدنى دليل على أمرين أولهما وجود حزب الدعوة التنظيمي والحزبي في أي تاريخ قبل مؤتمر طهران في أيلول 80 ومسؤولية حزب الدعوة عن عملية السفارة العراقية في بيروت وشخصية " ابي مريم " الوهمية . 
لقد كشف قاضي التحقيق اللبناني في تقريره المنشور في الصحف اللبنانية والذي أخذ صفحتين كاملتين من جريدة السفير اللبنانية يومذاك وهذه إشارة للباحثين الأكاديميين كل ملابسات وتفاصيل عملية السفارة العراقية في بيروت وخلص الى نتيجة قاطعة وهي أن عملية التفجير قد تمت من داخل السفارة وهي نتيجة لأمرين لا ثالث لهما أن تكون بسبب وجود متفجرات في قبو السفارة أو أن نفقا قد حفر تحت السفارة ووضعت العبوات الناسفة في أماكن محددة بحيث ينهار مبنى السفارة واستبعد كليا فرضية السيارة المفخخة التي يقودها الانتحاري الذي إدعاه حزب الدعوة . 
وقد كتب بالطبع الكثير عن عملية السفارة ووضعت تحليلات عديدة من جانب مناصري نظام صدام وأتباعه يومذاك وربطت بأسماء وجهات رسمية إيرانية وسورية وشخصيات وأسماء وروايات أرسين لوبينية ولكن الحقيقة القاطعة هي ما توصلت اليه لجنة التحقيق اللبنانية التي تم تجاهل قرارها النهائي من قبل الطرفين . 
وقد كان حزب الدعوة يتباهى في ذكرى هذه المناسبة بمسؤوليته عن تلك العملية ويشيد ببطلها المخترع والمدعو " أبي مريم " وكما هو معلوم قتل في تلك العملية حوالي الستين من موظفي السفارة من بينهم أو من أشهرهم بلقيس الراوي زوجة الشاعر السوري الشهير نزار قباني ولكنه أي الحزب نسي العملية بعد أن صار في السلطة ربما خشية أن تصنف تحت عنوان عمليات الإرهاب وطوي أمرها كليا . 
في فترات العمل السري تضطر الأحزاب والحركات السرية الى إخفاء أسماء أعضائها وشهدائها وأسرارها ولكن حزب الدعوة اليوم في السلطة منذ أربعة عشر عاما و" أبو مريم " المزعوم له حق على حزب الدعوة كونه ضحى بحياته والجود بالنفس أقصى غاية الجود فلماذا لا يتم الكشف عن شخصه واسمه الحقيقي ولم يعد أحد اليوم يخشى انتقام نظام صدام وأتباعه من عائلة الشخص كما جرت العادة من قبل . 
ألفت الانتباه أيضا الى ضرورة المقارنة بين صورة السفارة وصور حوادث كثيرة استخدمت فيها سيارات مفخخة بل شاحنات مفخخة وكانت النتيجة مختلفة عن هذا الذي نراه في الصورة والذي يؤكد قرار المحقق اللبناني ومن ذلك حادثة تفجير الخبر المشهورة وحادثة تفجير وزارة الخارجية العراقية وأخيرا المحاولات الكثيرة التي حاولت كسر الصمود البطولي للجنود القلة المدافعين عن مشفى الكندي في حلب وقد استخدمت شاحنات ملئت بالمتفجرات التي تطورت في نوعيتها خلال السنين الست وثلاثين التي مضت مقارنة بحادثة السفارة العراقية في بيروت والتي أعلن الحزب عن تفجيرها بسيارة مفخخة فضلا عن الخبرة المكتسبة والإحتراف في الحوادث موضوع المقارنة ومثلها الكثير مما رأينا مشاهده في الصحف والقنوات الفضائية . 
الآن وبعد ستة وثلاثين عاما وبعد كل تلك الأكاذيب والادعاءات التي كان حزب الدعوة يسوقها وقد قبض ثمنها سلطة ومالا وإمتيازات من يرد الاعتبار الى الضحايا الذين كانوا يكابدون التعذيب الوحشي الذي لا مثيل له ومن يعوض الضحايا وأهليهم عن تلك الأيام السوداء الرهيبة ومن المعروف أن نظام صدام وكثيرا ما كان ينتقم من تلك الحوادث بالأبرياء والعزل وبالجملة حيث لا يتوقف العقاب والانتقام عن عائلة بل يتعداه الى عشيرة كاملة .

* موضوع ذو صلة : 
https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1670806766533764&set=a.1473263359621440.1073741828.100008133698983&type=3&theater