الفرات .. ومآله !

د.سعيد عدنان

أكان لأرض العراق ، لولا دجلةُ والفراتُ ، أن تعرفَ الخصبَ والنماءَ ، وأن تشهدَ قيامَ الحضارة في فجرها الأوّل ؟! أكان لها أن تُعرفَ بأرضِ السواد ؛ لولا هذا الفراتُ الذي ظلّ يمدّها بالحياة دهراً بعد دهر ؟! إنّ العراق ، في كلّ أحواله ، إنّما هو هبة رافديه : دجلة والفرات ؛ مثلما مصر هبةُ النيل . لقد أحبّ الناسُ الفراتَ وشُغفوا به ، واتّصلت حياتهم به ؛ حتّى حسِبوا أنّ موسمَ فيضانه شيء ثابت لا يتخلّف ؛ كطلوع الشمس وبزوغ القمر ، يدور أمره مع الفصول ؛ يشحّ في الصيف ، ويتضاءل في الشتاء ؛ حتّى إذا تصرّم الشتاء ، وبلغ أواخر أيّامه ، وأقبلت طلائع الربيع ؛ امتلأ النهر بمياهه المتدفّقة ذات الغَرِيْن؛ التي لا تلبث حتّى تطغى وتجاوز العِبْرَينَ ، وتغمر الأرض ببساتينها ، ومزارعها حتّى تُصبح نهراً كلّها . ولا تغيض المياه حتّى تُجدّد الأرضَ ، وتكسوها طبقةً كريمة من الطين ! حسِب الناس أنّ الفرات في موسم فيضانه ؛ ليس أمره مرهوناً بإرادة البشر ، وإنّما هو شيء كطلوع الشمس ، وبزوغ القمر ، وأنّه خالد خلودَهما ! وأنّه لا ينفكّ عن العراق وأرضه وأهله .
وقف الشعراء ، منذ القديم ، على النهر ، وهالهم مرآه وهو يصطخب ؛ فلا يكاد عِبراه يلمّان جوانبه . فلقد مرّ به النابغة الذبياني حين كان يقصد الحيرة ، ويمدح ملكها ، ورأى عنفه وصخبه ، وأدرك ما فيه من خير للأرض والناس ؛ فلمّا أراد أن يصوّر النعمان في عطائه ، وعلوّ منزلته ، وهو في مقام الاعتذار ، لم يجد غير الفرات يشبهه به ؛ يقول : 
فما الفراتُ إذا جاشتْ غواربُه ... ترمي أواذيُّه العِبرين بالزبدِ
يمدُّه كلُّ وادٍ مزبدٍ لجبٍ ... فيه حطامٌ من الينبوتِ والخضدِ
يظلّ من خوفهِ الملّاحُ معتصماً ... بالخيزرانةِ بعد الأينِ والنجدِ 
يدخل الفراتُ إلى العراق من ناحية الغرب ، ويشقّ طريقه متمهّلاً ، أومسرعاً ؛ يروّي الأرض ، وينشر الخضرة ، ويمدّ الحياة بأسبابها ، ويجمع الناس على مائدته ؛ فتقوم على ضفافه المدن والقرى ، ويستقيم أمر التاريخ ، وتنشأ الحضارة . ولا يبلغ النهر غايته ، هادئاً مطمئناً ، حتّى يكون قد أدّى ما عليه . وله في مسيره أحوال ؛ من الشدّة واللين ، والعنف والإسماح ؛ وكلٌّ قد عرفه الناس منه . وهم منه على موعد ؛ يعرفون الفصل الذي يفيض فيه ، والفصل الذي يشحّ فيه . 
وقف الجواهريّ عند الفرات في سنة 1935 يصف طغيانه ، وتفجّر مياهه قائلاً :
طغى فضوعفَ منه الحسنُ والخطرُ ... وفاضَ فالأرضُ والأشجارُ تنغمرُ 
وراعت الطائرَ الظمآنَ هيبتُه ... فمرّ وهو جبانُ فوقه حذرُ 
كأنّما هو في آذيّه جبلٌ ... على الضفافِ مطلٌّ وهي تنحدرُ
وأتمّ وصفه وهو في حال أخرى من حالاته ؛ إذ يذهب موسمه ، وتشحّ مياهه :
بينا هو البحرُ لا تُسطاعُ غضبتُه ... إذا استشاطَ فلا يُبقي ولا يذرُ 
إذا به واهنُ المجرى يعارضُه ... عودٌ ، ويمنعُه عن سيره حجرُ
كان الفرات يفيض ويشحّ ، ولكلٍ منهما موسمه ؛ وقد عدّ الناس ذلك من الثوابت التي لا تبديل لها حتّى كانت أوائل سنوات السبعين ؛ إذ أخذ النهر يشحّ شيئاً فشيئاً ، وشرع مجراه يضيق ، وطفق ماؤه يتبدّل لونُه ، وتختفي حمرتُه التي يحبّها الفلّاحون ، وتعلوه زرقة . لعلّ آخر مرّة فاض فيها النهر ، وطغى ، ورمت أواذيّه العِبرين بالزبد ، وملأت راياته الأرض ؛ كانت في سنه 1969 ، ثمّ ذهبت قوّته من بعد ، وارتخى جناحاه ، وصار الناس ينظرون إليه مشفقين عليه وعلى أنفسهم ، وعلموا ، إذ لا ينفع العلم ، أنّ رقبة النهر بيد البشر ، وأنّه تحت إمرتهم ، وأنّ نهرهم الحبيب ليس خالصاً لهم ، وأنّه بيد آخرين يستطيعون أن يحجبوا ماءه متى شاءوا .
لقد شهدتُ النهر في أيّام مجده ، في موسم الربيع ، إذ يأتي متهلّلاً متدفّقاً ، يحمل البشرى ، ويزرع الفرح ، وشهدتُه في موسم الصيف ؛ إذ يقلُّ ماؤه ، وتهدأ سَورته فيجري مترفّقا ، ويُتمّ نعمته بسقي الأرض وزرعها ، وشهدتُ فروعه تمتلئ بالسمك الداني من الناس رزقاً طيّباً لهم . ثمّ شهدتُه وقد حالت به الحالات ؛ فانقلب متضائلاً واهن الخطو ، خائر القُوى ، تتحلّب أوشاله ، لا يكاد يروي أقرب شجرة إليه !

إنّ قصّة الفرات ؛ إنّما هي قصّة العراق وأهله ...!