تراثيات / بغداد العباسية الصلاة والبكاء لمكافحة الغلاء 3 و 4

تمثال الرشيد

تمثال عباسي3- الصلاة والبكاء لمكافحة الغلاء والفيضانات: ظهر تفاوت كبير بين مستوى العيش عند الطبقات الدنيا من العامة في بغداد العباسية والمدن الكبرى الأخرى وبين طبقات الخاصة والمترفين، وكان ظهور الإقطاع في العهد البويهي - لم ينتشر ويترسخ هذا النمط الإقطاعي ويسود على حساب النمط المشاعي  راسخ الجذور في أرض السواد خصوصاً،  و انقرض بانقراض دولة بني العباس، ولكن البريطانيين فرضوه فرضا  بعد احتلالهم للعراق في بداية القرن العشرين - حين  تقرر إعطاء الجند الإقطاعيات بدل الرواتب ما أدى إلى وضع إمكانات البلاد الزراعية والاقتصادية بأيدي الجند الترك والديلم فتدهور الوضع الاقتصادي في العراق بعامة و اصيب النظام النقدي والمالي بالركود وضعفت الفعاليات الصيرفية في عهد الدولة " الوزارة" البويهية. وحدثت موجات غلاء فبلغ سعر كر القمح سنة 358 في بغداد 90 دينارا ذهبا وكان الدينار بسعر 15 درهما (الكر مكيال عراقي انقرض يساوي 40 أردبا والأردب 80 كغم تقريبا .ع ل). ولكن موجات الغلاء كانت تحدث حتى في عهود الازدهار ففي عهد الرشيد وقع الغلاء بسبب غرق السواد ( جنوب و وسط العراق) وبغداد بالفيضان فأمر رجالُ الدين الناسَ بالإكثار من الصلاة والبكاء وكسر آلات الطرب كما يخبرنا الابشيهي في " المستطرف"، ولكن جمهور الفقراء فضل حلاً آخر هو الانضمام إلى حركات المعارضة المسلحة السرية المعادية للدولة كحركة القرامطة وغيرها، أما  الأعراب والبدو في الصحراء العراقية فراحوا  يصولون ويجولون و يهاجمون قرى وبلدات السواد وضواحي بغداد. وقد اتخذ المقتدر اجراءات استثنائية لمعالجة أزمة الغلاء ومنها التسعير الرسمي للمواد الغذائية خوفا من انتفاض  العامة ضده ثم تراجع جزئيا  و أطلق حرية تجارة القمح، كما لجأت الدولة في النصف الثاني من القرن الرابع الى تحديد سعر موحد ورسمي  للخبز خاص بالفقراء هو ثمانية أرطال بدرهم وتركت السعر حرا لسائر الفئات والطبقات الأخرى.

وكانت السلطات تساهم في الاحتكار ورفع الأسعار بفرض الضرائب العينية على الفلاحين، و إرغامهم على بيع انتاجهم بأسعار منخفضة للتجار بالتواطؤ مع هؤلاء التجار وقد بلغت الضرائب في عهد البريدي سبعين درهما. كان أعضاء الأسرة العباسية ورجال السلطة يخزنون الحبوب في بيوتهم ومخازنهم  و يحتكرونها  لرفع سعرها، وكان الخليفة يتدخل أحيانا فيأمرهم ببيعها في السوق بأسعار معتدلة.  واختلفت أسعار اللحوم من مكان إلى آخر في العراق العباسي ففي حين كان سعر الجدي في البصرة عشرة دراهم و في الأهواز المجاورة درهمين كان سعره في بغداد أكثر من ذلك بكثير وكان ثمن وجبة لحم مشوي لشخصين في بغداد بعشرين درهما، في حين كانت ملابس شَيْخ الإِسْلاَم الإِمَام الحَافِظ العَالِم أَبي الحَارِثِ اللَّيْثُ بنُ سَعْدِ القَلْقَشَنْدَي تساوي عشرين ألف درهم!

 أما الفقيه أبو يوسف القاضي ( أحد تلامذة الإمام أبي حنيفة النعمان ونديم الخليفة الرشيد. ع ل) فقد كان في جملة كسوته مائتا سروال خزٍّ بتكك أرمنية ( الخز: قماش ينسج من الحرير الخالص فقط "الإبريسم"  أو من خليط من الحرير والصوف وهو الكشمير في عصرنا. والتكك أحزمة و أربطة  مطاطية اشتهرت الأرمنية منها وكانت الواحدة منها تباع في بغداد  العباسية بسعر يتراوح بين دينار وعشرة دنانير. ع ل ).

4- أصول الخمط بالتضمين : ولكي نقارب مستوى الغنى الفاحش عهد ذاك "حوالي القرنين الثاني و  الثالث الهجريين"، نعلم، مثلا،  أن الثري يعقوب بن الليث الصفاري ترك في بيت ماله بعد موته خمسين مليون درهم ومليون دينار، و تلك كانت ثروة هائلة آنذاك. وكان الخلفاء يوزعون الخدمات العامة كالبريد و ضرائب الخراج وغيره بطريقة التضمين " الضمان" والاحتكار و هذه النظام الاستثماري ما يزال قائما في العراق حتى اليوم وخصوصا في تضمين "علوات = أسواق" الخضار والسمك والحمامات من  أملاك الأوقاف أو البلديات...الخ. وقد كرس ضعف الدولة نظام "التضمين"  إذ لجأ الكثير من الولاة والقادة إلى ضمان الأراضي من الخليفة ( المالك الفعلي لخيرات البلدان وخصوصا العراق الذي كان يوصف ببستان قريش وبلاد فارس وارمينيا وإذربيجان  وأفريقية "تونس الحالية" وبلاد المغرب...الخ ) فيوافق الخليفة على إقرارهم على ما تضمنوا وكان ما يقدمه الولاة أقل بكثير من خراج ما يستولون عليه ففي سنة 296 هـ ضمن ابن أبي الساج أرمينيا وإذربيجان مقابل 120 ألف دينار أي ما يعادل عشر دخلها تقريبا والذي بلغ في عهد المأمون 17 مليون درهم. وكان العسكريون يحصلون على أرباح طائلة من المدنيين. ويذكر ابن الجوزي أن الوزير حامد بن العباس ( قاتل الشهيد الحلاج ) أهدى بستاناً بعد أن أنفق عليه ألف دينار ذهبي.

وفي حين تذكر مصادر التراث ( كقوت القلوب لأبي طالب المكي مثلا) أن النبي العربي الكريم اشترى ثوبا بأربعة دراهم وسراويل بثلاثة دراهم وقومت ثياب التابعي سفيان الثوري ونعلاه بدرهم وأربعة دوانيق فأن ما حدث لاحقا أي القرن الثالث الهجري كان عجيبا: يروى أن  كساء الطبري كان يساوي 400 أربعمائة درهم، وسُرِقَ ثوبان لمحمد بن طاهر قيمتهما 1500 ألف وخمسمائة دينار ذهب، وكان ثمن كفن الخليفة المعتضد 16 قيرطا ذهبا... يتبع،  عن مظاهر الصراع الطبقي  سراويل الخز قريبا.

الصورة : تمثال برونزي نادر جدا للخليفة العباسي هارون الرشيد وهو عبارة عن قطعة شطرنج، عثر عليه في إقليم خراسان و يعود – كما يرجح كاتب النص الفرنسي الذي احتوى هذه الصورة وقد عثرت عليها مصادفة خلال بحثي عن صور من ذلك العهد - يعود لسنة 850 ميلادي تقريبا ( توفي الرشيد في 805 م ) وهو بأبعاد 8.6 × 3.4 سنتمتر نص باللغة الفرنسية في خلال بحثي عن صور من ذلك العهد. يصف الكاتب  التمثال كالتالي:  يرتدي - الخليفة الرشيد - عمامة كبيرة الحجم إلى حد بعيد، بوجه ملتحي ، يرتدي رداء طويلا يغطي ذراعيه  إلى المعصمين . وقد ثنى يديه على ركبتيه في هيئة المفكر. يتميز لباسه بكثرة الطيات والثنيات على الجزء الخلفي وتزين عمامته شراشيب و خطوط  تتمركز حول القمة. التمثال مصبوب من البرونز  في جزأين وهو يُعلق حول محيط الكتلة أو الجسم  من الأمام. داخل التمثال أجوف. المؤسف أن الكاتب لم يذكر مكان وجود هذا التمثال في الوقت الحاضر وأرجح ان يكون موجودا في متحف اللوفر.