المهدي المنتظر والزمن الدنيوي

رعد أطياف 

لعقيدة المهدي المنتظر عند الشيعة الإمامية خصوصية تنفرد بها عن باقي المذاهب الإسلامية، وإن كانت روايات المهدي منتشرة في كتب الفريقين. تنفرد الشيعة الإمامية بعقيدة المهدي من أنه حي يرزق لكنّه غائب، وهو الآن في غيبته الكبرى ولاظهور حتى يأذن الله. وقد عمد فقهاء الشيعة إلى تعطيل بعض الأحكام الشرعية كالحدود والتعزيرات كونها تحتاج إلى إمضاء من طرف الإمام المعصوم.

وقد نعثر هنا على جذر عَلماني بصورة نسبية في هذه الجزئية، ذلك إن العَلمانية إقرار بالحكومة الزمنية الدنيوية بمعزل عن الحكومة التي تأخذ أحكامها من طرف الغيب. فضلا عن الجزئية الأخرى التي تتصل بالعَلمانية من كونها عملية مستمرة لعَلمنة أنماط الوعي واعتبار النٌظُم البشرية هي النقطة المرجعية في إدارة شؤون الناس. لم تعد الناس تلتجأ إلى عرّاف لشفائها من أمراضها ، ولم تعد المعاملات الفقهية هي الحاكمة في تعاملاتنا اليومية ؛ فالطب والهندسة والقانون والإدارة والاقتصاد والفلسفة وباقي العلوم الإنسانية، هي من تسيّر حياتنا الفكرية والمعيشية.

ويمكن لعقيدة المهدي أن تشكل إقراراً ضمنياً بهذه الحقيقة وتمضي قدماً للاعتراف الواضح بالدولة العَلمانية المحايدة الي لا تكره الناس على عقائدها، ولا تضفي عنواناً دينياً على مؤسساتها الحكومية. من هذه الناحية سيتفرغ الدين للفضاء العام وممارسة طقوسه الروحية بمعزل عن أي وصاية أو إقصاء أو قمع لحريات الآخرين. سيكون الدين أحد الروافد المهمة في المجتمع بعد أن يتخلص من كل حمولاته الآيدلوجية وسد المنافذ أمام المتفعين والانتهازيين الذين لايهمهم الدين بقدر مايهمهم مطامعهم الشخصية. ستكون المرجعيات الدينية رموز روحية مهمة في الفضاء العام وتساهم في رفد الوعي المجتمعي بالنصح والإرشاد وتعميق الحس الأخلاقي بين الأفراد، وتتحول إلى صمّام أمان من الناحية الأخلاقية.

وبهذا تكون المناصفة عادلة بين الطرفين : الزمن الدنيوي لمؤسسات الدولة، والعامل الروحي والاخلاقي للمرجعيات الدينية دون أن يصطدم الطرفان في إدارة شؤون كل منهما. لايمكننا صرف النظر عن التحديات الكبرى لنشوء دولة عَلمانية واضحة المعالم في ظل مجتمع يضع مفردة العَلمانية في قاموسه الرجيم، ويهاجمها بطريقة تعبوية وآيدلوجية حفظاً لمصالح الجماعات المتنفذة التي تحتكر القيمومة الدينية لنفسها. فمن هذه الناحية لايمكن التفكير بالعَلمانية بطريقة "خلاصية" – على حد تعبير جورج طرابيشي – ومن السابق لآوانه الحلم على هذه الطريقة التي يكون فيها حرق المراحل المعيار الوحيد الذي نستند عليه !. ينبغي تعميق حس التضامن بين أفراد المجتمع والوصول إلى قناعة راسخة بضرورة وجود دولة محايدة لا تتخذ من الهوية الدينية عنواناً لها، ولا تقصي الدين في الفضاء العام ( كما يحلم الكثير!)، وإنما علاقة تضامنية تبتعد عن كل أنواع التهميش والإقصاء.

عن صفحة الكاتب على الفيسبوك