"مذكرات سجين" بقلم الشاعر إبراهيم البهرزي "2" : جماعة 56

ملصق إبراهيم البهرزي خلال فترة سجنه

أكثر رواد السجون عددا بعد المتهمين بالارهاب هم المتهمون والمدانون بالنصب والاحتيال وفقا لاحكام المادة ٤٥٦ من قانون العقوبات ، لذا صار يطلق عليهم اختصارا ( جماعة ٥٦) كنت تحدثت في مقال سابق عن هيمنة الاٍرهاب على سكان القرى فأثار الامر حفيظة بعض المنحدرين من القرى توهما باني أسيء لشريحة من المجتمع انا في الأصل منها ، وهذا ناشئ من القراءات العجلى او النوايا المسبقة عند القراءة وهو اجحاف بحق القارئ والكاتب والموضوع حيث كان.

حسنا ، ها انا اتحدث عن فئة من المتهمين والمدانين هم في غالبيتهم العظمى من سكنة المدن ، فالنفس البشرية في هفواتها وظلمتها لا تقتصر على بيئة اجتماعية معينة، فكما يترك الجهل ثغرة في النفس لعبور دوافع الجريمة الإرهابية فان الفطنة والحذلقة التي تسم أهل المدينة. يمكن ان توظف لأجل الشر بجهلها وذكاءها، بفطنتها وسذاجتها، يجد الشر مدخلا للنفس بسبب الطموح الغير مشروع لنوال مكاسب ومغانم دون وجه حق ( وأحيانا أسوة بالآخرين ! كما يقولون، ويعنون بالآخرين محدثي النعمة من أهل السياسة والطوائف والمناصب الاعتباطية الذين يعرف هؤلاء حق المعرفة ما كانوا عليه وما صاروا اليه )

هؤلاء هم عكس أولئك الذين تناولناهم في موضوعة الاٍرهاب ، فأغلبهم من الشباب. المنفتحين على الحياة ومن سكنة المدن ( وبعضهم سليل عوائل معروفة ) وممن يتمتعون بروح النكتة واللامبالاة ازاء كل التوقعات.

صنف عجيب:

سالت احدهم وهو المدان بمبالغ تتجاوز الملياري دينار :

هل تتوقع ان. يطلق سراحك يوما ؟

قال ضاحكا : بالتأكيد .. وليس بعيدا

قلت وماذا ستفعل بعد إطلاق سراحك

اجاب : اعود الى نفس عملي طبعا !

ويقصد النصب والاحتيال ( او التقفيص )

لا يملك هؤلاء طبعا ثمن السكائر في السجن ، لا يزورهم احد من اهاليهم ، هم جزر منفردة ، وحين تسألهم. أين ذهبت كل تلك الأموال التي. نهبوها

يقولون لك : راحت !

وفِي جلساتهم الخاصة التي تمتد طول الليل. تسمع منهم سيرة حياة البذخ التي استهلكت اموالهم ( احدهم. وبتأكيد من كل رفاقه ممن يعرفونه قبل السجن صرف اكثر من مليار دينار على مطربة لبنانية دون ان يحظى بالنوم معها ! وهو سعيد بذلك غير نادم على كل ما صرف )

يمتلك هؤلاء البشر حسا مأساويا بالحيف :

فلان وعلان من سقط المتاع ما كانوا ليمتلكوا دراجة هوائية

صاروا يملكون أحدث السيارات. ويحظون بأجمل النساء. ويمتلكون أفضل العقارات ، بماذا هم أفضل منا ، هم نصبوا على الشعب ونحن ننصب على الحكومة !

هكذا كانوا يبررون جناياتهم

ان السفاهة التي يمارسها بعض محدثي النعمة من أهل المناصب. وأهل السياسة وابناءهم المراهقين ،من مغالاة في البذخ متأتية من حرمان عتيق وخراب عميق متوغل في نفوسهم. يدفع البعض الى الإيمان المطلق بزوال كل رادع عن مال الدولة واموال الناس ، فهولاء القيمون على الأمور. ينهبون كما شاؤوا ويتمتع ابناءهم من عديمي المواهب والكفاءات. بكل متاع الدنيا  علنا ، فلم نحرم أنفسنا ويحرموننا هم من هذه الغنائم ؟

يملك البعض من الناس خليطا من الجسارة والابيقورية يدفعهم لاقتحام اكبر الخطايا دون اي تفكير بالعواقب ، وهم على حق احيانا في قناعاتهم حين يضربون لك الأمثال بمن. نهب. وأفلت من العقاب ، متخذين من هؤلاء حجة على إمكانية إفلاتهم من اي عقاب أسوة بالآخرين المعروفين كما يقولوا !

يتحدث هؤلاء. عن علاقات واسعة وشراكات مع أولي الامر في بعض مفاصل الدولة والحكومة مؤكدين انهم ما كانوا ليمكنهم ان يمرروا احتيالاتهم لولا التسهيلات والشراكات. مع هؤلاء الذين ما زالوا بمناصبهم يمارسون الحيل الرسمية والشرعية مع شركاء اخرين سيدفعون الثمن بدلا عنهم مقابل ثراء عاجل سرعان ما يتبدد ..

انهم يتحدثون عن مافيات مقننة متضامنة مع بعضها تمتد الى كل السلطات المتنفذة مالية وسياسية وحكومية وأمنية وقضائية ودينية بحيث يصعب الايقاع بها ويستحيل تثبيت واقعة الادانة بحقها بسبب هذه المظلات المتساندة

سأتحدث عن مثالين فحسب

(ل.ك) عمل سائقا لأحد الوزراء الذين استوزروا مرارا ، وفِي احدى حقائبه الوزارية وجد صاحبنا (ل ) ان الناس صارت تتقرب اليه بحكم كونه سائق الوزير لتمشية سلف مالية من المصارف ، يقول لي انه وجد ان هذه السلف تعطى على الهباء ( على الماكو) اي ان اي فرد متنفذ يمكنه ان يقدم مجموعة أوراق من السهل توفيرها. ليحصل على قروض بالملايين وأحيانا بالمليارات ، بدا له بعد ان تعلم من هؤلاء الطرق اللازمة ،اضافة لعلاقاته بموظفي تلك المصارف ان السبيل الى الثراء صار في متناول اليد  قدم استقالة من وظيفته كسائق للسيد الوزير واستأجر أرضا متروكة واستلم قرضا بالملايين انشأ ببعضها حقلا للدواجن ومن خلال هذا الحقل. صار. يستلم الفروض ويدين ويستدين بآلمال اليابس الذي عنده ( يسمون النقد مالا يابسا ) وصار يصرف ويبذر فأجل السداد للدولة بعيد ، خمس سنوات وأكثر ، وألف عمامة ستقلب خلالها ! ، تعرف خلال اعمال البذخ على ( فنانات !) من بغداد صار يستضيفهن في حقله ، ترك زوجته وهي قريبته ، وصار يصول ويجول في عوالم المتعة. مبددا جوعه القديم

حتى حانت ساعة السداد

لم يبق في الحقل ما يكفي لسداد عشر القروض والديون التي تتراكم بالفائض

وها هو الان محكوما بدين يبلغ ثمانمائة وخمسون مليون دينار

من أين ستسددها يا (ل) ؟

من أين اسددها وابي قصاب فقير يشتري الذبيحة بالدِّين ؟

لا احد يسدد لأحد

المهم (فنانات ! ) ويصفق بيديه ضاحكا ...

الاخر هو (ر.ج) في أواسط العشرينات من عمره وهو سليل عائلة متمكنة بلغت حجم مديونيته حتى الان اكثر من ملياري دينار ،

ويقول. ان الديون الأكبر لم تظهر بعد !

كان هذا مع شبكة اخرى من المتنفذين مطلقي السراح. يقفص على الفلاحين ، يأتي لهم بسندات أراضي زراعية ويأخذ. مستمسكاتهم الرسمية للحصول على قروض لمشاريع زراعية. ، حقول أبقار ، منظومات ارواء ، معامل علف ، استيراد معدات واليات زراعيةً، يرتب كالقروض بالتعاون مع اعلى المستويات. ويستلمون الصكوك ويتقاسمونها ويعيد المستمسكات للفلاحين بحجة ان المعاملة. لم تنجز بعد ،مع بضعة ألوف من الدنانير يرضى بها الفلاح صاغرا

قلت له من أين لك كل هذه المساحات من الاراضي

قال انها من وقف السيد عبد القادر الكيلاني !

ثم يضحك مستطردا:

لو حسبنا وقف السيد الكيلاني الذي اخذنا عليه قروضا. لوجدنا ان هذه الاراضي. تفيض عن العراق وتغطي ايران وباكستان وافغانستان

كانوا يزورون تلك العقود بعلم وتواطؤ جميع الجهات ولكل ثمنه وأجره

بعض القروض لن يحين سدادها قبل عشرة سنوات ، يكون كل المساهمين في فبركتها قد اشتروا فللا وعقارات في عواصم الدنيا

الجميلة ، وموت ياحمار لما يجيك. الربيع

وأين راحت. هذه الملايين

يقول( مال الماي للماي ومال اللين للبن )

هو يعرف جيدا انها مال حرام !

ويضحك عاليا ، شركائي الكبار لن يتركوني وحيدا في السجن ، هكذا يقول. مطمئنا

لكنهم تركوه يستجدي السكائر. ويعمل عنقرجيا ( ينظف الفضلات )

وغير هذين المثلين. نصابون شتى في مختلف مفاصل الدولة ،

وفي كل مفصل طريقة نصب عجائبية ... يتبع