هل استفاد العراق من "الضجة" العالمية لمناهضة سد اليسو؟

فؤاد قاسم الأمير

من الجدير بالملاحظة أن الحكومة التركية الحالية ذات التوجهات الإسلامية، تتحدث عن مياه دجلة والفرات، والعلاقة مع دول الجوار، (أي العراق وسوريا)، بلغة تختلف عن لغة التهديد التي كانت تتحدث بها الحكومات التركية في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. وسنرى لاحقاً من هذا الفصل، بأن تلك الحكومات كانت تعتبر بأن جميع مياه دجلة والفرات هي مياه تركية بحتة تتصرف بها بالطريقة التي تريدها. لعل السبب الرئيسي في توجه الحكومة الحالية نحو جيرانها الجنوبيين، ونحو العالم العربي والإسلامي، هو تعبها من محاولاتها ومحاولات الحكومات التركية السابقة من دخول الاتحاد الأوربي، ورأت أن مستقبلها يتمثل برجوعها إلى محيطها. وقد يكون السبب أيضاً هون صدور "القانون" الدولي المتعلق بمياه الأنهار "المشتركة" في سنة 1997، والذي لم توافق عليه تركيا أصلاً، ولم يصادق عليه لحد الآن العدد الكافي من الدول. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، هو هل هناك تبدل "جذري" في الموقف التركي؟، وهل نتوقع الوصول إلى نتائج مرضية من خلال المباحثات معها؟. باعتقادي أننا سوف لا نتوصل إلى اتفاق ثنائي "ملزم" حتى مع الحكومة التركية الحالية، وأننا يجب أن نتجه إلى تدويل مسألة حقنا في المياه، وضرورة وضع ذلك من خلال اتفاقية ثنائية أو دولية أو أمر من مجلس الأمن الدولي أو أمر قضائي، وكان من الممكن استغلال مسألة سد اليسو للدخول في هذا الطريق.

لعل الكاتب الصحفي الوطني اليساري علاء اللامي هو من أوائل الذين أكدوا على أهمية تدويل هذه المسألة لنيل حقوقنا، وذلك من خلال عدد من المقالات نشرت في الأخبار اللبنانية و في مواقع عديدة منها موقع البديل العراقي و ذلك في تشرين الأول 2009(58).

أرى، ولغرض توضيح الأمر للقارئ، كتابة الملاحظات التالية:

 ( 1 )ـ لقد ذكر موقع صوت العراق في 3/9/2009، ونقلاً عن وكالة الأنباء الفرنسية ومراسل تلفزيون الجزيرة في أنقرة(59)، أن وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي تانر يلديز قال للصحفيين، قبيل اجتماع في أنقرة عقده مسؤولو الدول الثلاث وناقشوا فيه قضية تقاسم الموارد المائية للنهرين، "أننا نعترف بحاجات سوريا والعراق إلى المياه ... لكننا لا نملك الكثير منها ولا يمكننا زيادة المعدل كثيراً. كما أننا نعتبر هذا المعدل مناسباً جداً لهما"، موضحاً أن "تركيا زادت تدفق المياه من (500) إلى (517)م3/الثانية" وذلك بموجب اتفاق وقع في 1987. غير أن وزير الري السوري رد بأن "منسوب مياه الفرات القادمة من تركيا تراجع إلى معدل (400)م3/الثانية وليس (500)م3/الثانية". ولقد شدد وزير الطاقة التركي في مقابلته للصحفيين على "أن أية زيادة أخرى في حصة المياه لسوريا والعراق ستؤدي إلى وقوع مشاكل في إدارة المياه والطاقة (في تركيا)، وهو أمر لن تسمح تركيا بحدوثه"!!.

هل هذا الموقف التركي يمثل تبدلاً في السياسة، أم فقط تغييراً في اللهجة؟، وهل أن تركيا لا تملك فعلاً كميات أخرى لإطلاقها عندما حدثت المأساة في جنوب العراق؟. أما قولها لولا السدود التركية لما كان باستطاعتها تزويد سوريا والعراق بالمياه، فهو قول صحيح، إذ أنها حجزت الماء وحافظت عليه عندما كان متوفراً، وأطلقت قسماً منه، عند شحة الماء، وفي اعتقادي كان بإمكانها إطلاق كميات أكبر بسبب الخزانات العديدة المتوفرة في مشروع الكاب وكما أوضحنا سابقاً.

 ( 2 )ـ  ذكرت صحيفة الغارديان البريطانية(60) في 24/12/2008، في مقالة حول ابتهاج معارضي إنشاء سد أليسو بسبب "انسحاب" الشركات الضامنة الألمانية/النمساوية/السويسرية، وبهذا لا تستطيع تركيا الحصول على قروض لتشييده. وعند قراءة الخبر تجد أن الأمر لم يكن انسحاباً بل تجميداً مؤقتاً، لأن السد "لا يلبي طلبات حكومات الشركات الضامنة فيما يتعلق بالبيئة"!!، كما نرى أن معارضي إنشاء السد هم مجموعات حماية البيئة، ومنظمات حماية التراث والآثار العالمية heritage organizations، ومنظمات حقوق الإنسان، وذلك لأن السد سوف يغير الظروف البيئية في المنطقة ويغرق آثاراً تعود لحضارة ما بين النهرين وأهمها مدينة حسانكيف Hasankeyf حيث أن لهذه المدينة تاريخ يمتد إلى ما يقارب (100) ألف سنة، ولهذا تعتبر من أقدم المدن المسكونة لحد الآن، كذلك سيؤدي بناء السد إلى تهجير (50 ـ 80) ألف مواطن. بنفس الوقت فإن الحكومة التركية الحالية تؤكد على ضرورة بناء السد، الذي تبلغ كلفته 1.1 مليار باوند إسترليني (أي ما يزيد عن 1.8 مليار دولار)، لتوفير الاستقرار في المنطقة من خلال التنمية الاقتصادية، والقضاء على حركات حزب العمال الكردستاني، حسب ما تقوله الحكومة التركية. إن "التجميد" جاء بناءاً على اتفاق الحكومات الألمانية والنمساوية والسويسرية، بأن تمويل السد يجب أن يلبي متطلبات البنك الدولي لإقامة مثل هذه المشاريع، وعليه أن يفي بحوالي (150) شرط تتعلق بالبيئة ومواقع الآثار وديمومة الحياة الإنسانية في المنطقة، والعلاقة مع الدول المجاورة، ومنها أن الحكومة التركية لم تتشاور مع الحكومتين العراقية والسورية. علماً أن البنك الدولي سبق وأن رفض طلباً تركياً لتمويل سد على الفرات في منتصف ثمانينات القرن الماضي، ما لم تتعهد تركيا بتزويد سوريا والعراق بكمية تعادل (500) متر3/الثانية من مياه الفرات، واضطرت تركيا إلى الموافقة على ذلك، وتم تثبيته في الاتفاقية التركية ـ السورية التي وقعت في 1987!‍‍!.

مما يثير الاستغراب أن مسألة تأثير تشييد السد على العراق جاء كمسألة عرضية جداً، وأن من أوقف أو جمّد العمل به هي المنظمات الإنسانية الأوربية التي ذكرها تقرير الصحيفة. وكما يظهر أن إحدى هذه المنظمات هي "منظمة حقوق الإنسان الكردية" (Kurdish Human Rights Project KHRP)، والتي مقرها لندن. فلقد أرسلت وزارة البيئة العراقية في 22/8/2007، إلى السيد رئيس الوزراء العراقي نص البيان الذي أصدرته المنظمة أعلاه في 30/5/2007 باللغة الإنكليزية حول سد أليسو وضرورة إيقاف إنشائه، ولنفس الأسباب البيئية والإنسانية وحفظ التراث في المنطقة. ولكنه يقول أيضاً أن الممولين الأجانب السابقين كانوا قد سحبوا تمويلهم للمشروع في سنة 2002 بسبب فشله في تلبية المتطلبات الدولية وللعواقب الوخيمة الناتجة منه (المقصود البيئية والإنسانية وحماية التراث)، ولكن رغم ذلك تقدمت الشركات الألمانية/النمساوية/السويسرية لتمويل المشروع، (وذلك في سنة 2007)، رغم معرفتها بالمخاطر الناجمة عنه، وكذلك معرفتها وبأن "لدى الحكومة العراقية اعتراضات على المشروع".

كما يشير البيان إلى أن "تركيا تدعي أن اجتماعاً تم في آذار 2007 حول الموضوع، تم التوصل خلاله إلى اتفاق بين تركيا والعراق وسوريا بشأن خطط تركيا في إنشاء السد"!!.

 ( 3 )ـ كانت وزارة الخارجية العراقية قد أرسلت رسالة في 20/1/2007 إلى وزير خارجية ألمانيا تحدثت فيها عن المشكلة المائية في العراق، مع ذكر أن "وكالات الأنباء تناقلت قيام تركيا مؤخراً بوضع حجر الأساس لإنشاء سد أليسو على دجلة دون علم العراق، مخالفة بذلك المعاهدات الدولية ومبادئ وأحكام القانون الدولي اتي تنظم استخدام المجاري الدولية بين الدول المتشاطئة عليها ... الأمر الذي سيؤدي إلى آثار كارثية في العراق لأن نسبة كبيرة من السكان العراقيين تعتمد في تأمين احتياجاتها على مياه نهر دجلة. كما سيؤدي تنفيذ هذا السد، في السنوات الجافة إلى تقليص المياه المتدفقة بشكل حاد، وخاصة بعد إكمال منظومة سد أليسو ـ جزرة،حيث سيتم تحويل المياه إلى أراضي هذا المشروع قبل عبورها الحدود الدولية التركية العراقية".

كما أن الرسالة قد ذكرت أن "من المتوقع أن ينخفض الوارد المائي من دجلة والبالغ (9.7) مليار متر مكعب/السنة"، ولهذا برأيي فإن النتائج الكارثية سوف لا تأتي "في السنوات الجافة" فحسب، وإنما ستكون نتائج كارثية مستمرة خصوصاً في ضوء مشاريع الري المتأخرة في العراق في الوقت الحالي.

واختتمت رسالة وزارة الخارجية العراقية بالطلب من وزارة الخارجية الألمانية بذل مساعيها "لمنع شركتي ستراباج  وأيس زبلن اللتين أعلنتا استعدادهما للمساهمة في إنشاء سد أليسو من الإقدام على هذه الخطوة، ما لم  يتم التوصل إلى اتفاق عادل يضمن حقوق العراق في النهرين الدوليين ... مؤكدين في نفس الوقت حرص العراق على إقامة أفضل علاقات التعاون وحسن الجوار مع الجارة تركيا".

إن الرسالة جيدة لغرض إشراك دولي لحل الموضوع، ولكن كان يجب أن لا توجه إلى ألمانيا فحسب، بل إلى مجلس الأمن الدولي أو على الأقل إلى الاتحاد الأوربي، فلقد ضيعنا فرصة في تبيان الوضع السيء للعراق، في زمن يتعاطف العديد من شعوب العالم مع شعبه.

بعد أسابيع من الرسالة أعلاه، استلمت وزارة الخارجية العراقية/الدائرة القانونية رسالة من وزارة الموارد المائية مؤرخة في 8/4/ 2007، أرفق فيها ملاحظات الوزارة الأخيرة على التقارير المرسلة إليها عن مشروع سد أليسو، والتي تسلمها الجانب العراقي من الجانب التركي في 14/12/2006، وتطلب من وزارة الخارجية تسليم الملاحظات إلى الجانب التركي، كما أرسلت صورة من هذه الرسالة إلى سفارتنا في أنقرة. لقد كانت ملاحظات وزارة الموارد المائية جيدة، وتتضمن العديد من النقاط الإيجابية منها ما يلي:

  • إن الجانب العراقي استلم الدراسة التفصيلية للمشروع في كانون الأول 2006، بينما قام الجانب التركي بوضع الحجر الأساس له في بداية آب 2006، والذي يعني عدم اهتمام الجانب التركي برأي الجانب العراقي، وأن الأمر جزء من الشكليات، لاسيما وأن أقساماً كبيرة من الدراسات المتعلقة بالمشروع لم تسلم إلى الجانب العراقي.

  • إن مقدار النقص المتوقع في دجلة الداخل إل العراق سيكون (6)كم3/السنة، علماً أن التقرير أعطى معلومات ناقصة عن سعة الأراضي الإروائية التي سيقوم المشروع بسقيها.

  • ستكون نوعية المياه لما بعد السد ذات نوعية رديئة لأنها ستتضمن المياه المسترجعة من الأراضي المسقية لعدم وجود مبازل أو مجارٍ لتصريفها بعيداً عن مجرى النهر، والتي ستكون ملوثة، إضافة للمياه الملوثة نتيجة الخدمات المدنية في المناطق الجديدة المستصلحة.

  • أوضح التقرير التركي أن السد يقع ضمن منطقة زلزالية يصل تأثيرها إلى (6) درجات على مقياس رختر، وأن التصميم أخذ بنظر الاعتبار عوامل الأمان، في حين أن تأثير الهزة إذا حصلت مع وجود (10.4)كم3 من الماء تتطلب دراسة معالجة أي انهيار أو تصدع يحصل في السد جراء الهزة، سيما أنه لا يوجد خزان آخر عند مؤخر السد لحجز الموجات الفيضانية الهائلة.

  • لقد اعترضت وزارة الموارد المائية على تصاريف النهر التي أوردها التقرير، إذ أنها لا تلبي الحد الأدنى للمحافظة على بيئة النهر. كما اعترضت على التصميم فيما يتعلق بالثروة السمكية وهجرة الأسماك وتكاثرها، وغيرها من الأمور.

ويختتم رد وزارة الموارد المائية، وتحت عنوان: "ملاحظة عامة مهمة"، بأنه "يؤكد اعتراضه على انفراد تركيا في إنشاء السدود ... وضرورة التوصل إلى قسمة عادلة للمياه، والأخذ بنظر الاعتبار القوانين الدولية والعرف وحقوق العراق المكتسبة في مياه النهرين، والاستخدام الأمثل للموارد المائية، وعند إنجاز ذلك ليس هناك اعتراض على قيام كل دولة باستثمار حقها المتفق عليه بالاتجاه الذي ترغب فيه سواء كان ذلك في إنشاء السدود أو مساقط لتوليد الطاقة، أو التوسع في المساحات الزراعية".

بالواقع أن ما تقوله وزارة الموارد المائية صحيح، فليس هناك اعتراض على بناء السد بحد ذاته، ولكن ينبغي أن يتم ذلك بعد تثبيت كمية حق العراق في مياه دجلة. إن نقص (6)كم3/السنة من مياه دجلة يعتبر كمية هائلة جداً، ولا يمكن حجزها عن العراق ، فهي تكفي لسد  احتياجات ( 6 ) ملايين نسمة لكافة المتطلبات الزراعية والصناعية والخدمية حسب المقاييس العالمية، (أي 1000م3/السنة/الفرد)، ولثلاثة ملايين نسمة لمقاييس العراق غير الكفوءة!!. علماً أن تركيا ستجيب على مثل هذا الطلب بأنها تخزن المياه في الفترة الرطبة، (أي وفيرة المياه)، ولا يوجد في العراق حالياً مكان لخزن هذه الكمية، إذ أن سد الموصل في خطر ومنخفض الثرثار مالح!!.

هذا ولا نعرف كيف فهم الأتراك رد الجانب العراقي، إذ مما جاء في نهاية الفقرة (2) أعلاه، نرى بان تركيا تدعي أن هناك اتفاقاً تم في آذار 2007 على الخطط التركية!!، وجواب وزارة الموارد المائية أعلاه يخالف ذلك.

 ( 4 )- نعود إلى صحيفة الغارديان البريطانية، في 1/7/2009، وتحت عنوان: "تركيا تخطط لإعادة العمل في مشروع السد المثير للجدل"(61)، لتقول "أن وزير البيئة التركي أكد على أن العمل سيبدأ مجدداً على سد أليسو، حيث انتهت مدة الستة أشهر للتوقف المؤقت بسبب التمويل"، وتضيف أن "هذا التصريح خيّب آمال مجموعات البيئة التي اعتقدت أن العمل بالسد قد توقف بعد أن أعلنت الشركات الألمانية/السويسرية/النمساوية أنها سحبت ضمان التمويل في كانون الأول 2008". وأضاف الوزير التركي، نقلاً عن الصحيفة، بأنه "تم عمل كبير، لكي تكمل التصاميم وفق المعايير الدولية"!!. وقال متحدث باسم وزارة الاقتصاد السويسرية إلى وكالة رويترز للأنباء أن "سويسرا لا تزال تدرس المسألة وسوف تقرر سوية مع ألمانيا والنمسا كيف ستسير الأمور"!!. وتقول الصحيفة أيضاً أن "رئيس الوزراء التركي أردوغان يقول أن سد أليسو يمثل تحولاً اقتصادياً كاملاً في المنطقة ويساعد على إنهاء تمرد حزب العمال الكردستاني".

مما جاء في  أعلاه نرى أن تركيا مستمرة على إكمال هذا المشروع، ومن المحتمل جداً أنها مستمرة على إكمال جميع مشاريع "كاب" على دجلة، مما سيؤدي إلى كارثة كبيرة للزراعة في العراق.

في هذه الأثناء تحرك الآخرون ولم تتحرك الحكومة العراقية!!، ففي الوقت الحاضر، في شهر تشرين الثاني، تدور عريضة في أوربا والعالم، موجهة إلى رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي، وإلى أنجيلا ميركيل المستشارة الألمانية، وإلى هانز رودلف ميرز رئيس الكونفدرالية السويسرية، وإلى وينر فايمان المستشار النمساوي، تطلب "إعلان حسانكيف ووادي دجلة/تركيا، كموقع لليونسكو وجزء من التراث العالمي"(62)!!. حيث تطالب العريضة بإيقاف العمل بسد أليسو، للأسباب الإنسانية لأهالي المنطقة، ولحماية مدينة حسانكيف الأثرية، و حماية البيئة في نظام نهر دجلة في تركيا، وعن حماية " السلحفاة رقيقة القشرة Euphrates Soft-shell Turtle" المعرضة للانقراض!!. ولكن العريضة لم تتحدث عن ملايين العراقيين المعرضين للعطش والجوع والتشرد، وباعتقادي أنها تركت هذا الأمر للسلطات العراقية، التي لم تتحرك لحد الآن، ـ حسب علمي ـ، كان الأمر لا يعنيها!!.

إن التحرك لإثارة الموضوع عالمياً يجب أن يتم الآن، لا أن يترك للجفاف القادم في السنة المقبلة، ونثير  الأمر لأسابيع ثم نتوقف إلى السنة التي تليها وفي هذه الأثناء تمضي تركيا في تنفيذ كامل مشروع "كاب"، وتضع العراق أمام الأمر الواقع. هنا يجب أن أذكر القارئ بأن من المحتمل أن تأتي سنة أو سنتان بأمطار جيدة، كما تتحدث بهذا الصحف العراقية في هذه الأيام عن أمطار جيدة لهذا العام!!، ولكن الاتجاه العام سيكون الجفاف، وجفاف قاس وتصحر وكثبان وعواصف رملية، هذا ما ينتظر العراق، إلاّ إذا تحركنا في داخل العراق أولاً لتحسين الري، وكذلك التحرك الخارجي لتدويل مسألة المياه العراقية.

وقد يأخذ التحرك لإثارة موضوع نقص المياه وعلى نطاق دولي أشكالاً عديدة، فإذا كانت الحملة العالمية ضد تشييد سد أليسو قد بدأت، و لا تزال مستمرة، من قبل بعض المنظمات الدولية المهتمة بالبيئة أو حقوق الإنسان أو حفظ التراث، فإن إثارة احتمال جفاف منطقة الأهوار العراقية قد يأخذ منحى مشابهاً. في الواقع إن منطقة الأهوار لها صدى عالمي واسع ومنذ فترة طويلة جداً، فهي إحدى الحالات الطبيعية النادرة في العالم، وأن قيام الحكم السابق بتجفيف قسم منها، أكسبها مزيداً من الشهرة . لقد كتب عنها مئات المقالات والدراسات والكتب والبحوث، وأخذت الأفلام الوثائقية العديدة، تمت مئات المحاضرات والمناظرات، حول هذه المنطقة لسبب أو لآخر ومنها محاولات إعادة إحيائها بعد الاحتلال. لهذا يجب أن يعرف العالم وبشكل واسع، إن أول المتضررين من الجفاف في العراق سيكون جزء كبير من هذه المناطق، إذ ستجفف حتماً أما بتخطيط مسبق للمناطق اللازم تجفيفها، أو أن تجفف بغير تخطيط مسبق نتيجة الإهمال وعدم وصول المياه إليها.

لقد جاء في الأخبار المحلية، أن وزارة الخارجية العراقية طالبت الأمم المتحدة، في 15/11/2009، بالتدخل لمعالجة جفاف الأهوار جراء النقص الحاد بالمياه عبر دعوة دول الجوار إلى وقف "تهديداتها للموارد المائية في العراق"(63)، ويضيف الخبر، "أن وزير الخارجية بعث إلى الأمم المتحدة رسالة تسلط الضوء على ظاهرة جفاف الأهوار تضمنت طلباً بالتدخل لإبداء المساعدات الممكنة وحض الدول المتشاطئة مع العراق على وقف تهديداتها المائية". كما طالبت الخارجية دول الجوار "بتغيير سياستها على نحو يضمن حقوق العراق المائية التي يكفلها القانون والعرف الدوليان ... وتنفيذ التزاماتها ... والعمل على إطلاق حصة مائية كافية لتغذية الأهوار العراقية".

إن هذا الأمر يعتبر خطوة جيدة، والمفروض توسيعها وجعلها أحد المداخل لتوضيح المأساة للرأي العام العالمي من خلال تبيان النتائج الوخيمة التي لحقت بالبيئة الإنسانية والطبيعية عام 2009 بسبب عدم وصول كمية كافية من المياه إلى الأهوار.

جزء من الفصل السابع من كتاب " الموازنة المائية في العراق وأزمة المياه في العالم، علما أن هذا الكتاب قد صدر قبل إقرار اتفاقية القانون الدولي حول مجاري الأنهار لأغراض غيرملاحية سنة 2014 من قبل الأمم المتحدة