التعلّق والانفتاح: محاولة للفهم

رعد أطياف

كلّما داهمتنا أشكال المعاناة وألحّت في إيلامنا، هربنا إلى أقنعتنا ونظاراتنا لنضاعف لمعاناتنا صوراً نفسيةً مضاعفة وتتفاقِم فينا المشكلة بدلاً من حلّها. الأقنعة تحجب الرؤية، والنظارات تحكمنا بألوان عدستها الخاصة. إن الشعور بالضيق يدفعنا للتفتيش عن حلٍ ما، فنسرع للبحث عن قناع مناسب. وأحد الأقنعة المناسبة هو الكحول - مثلاً- للتخفيف عن ألم المعاناة، وبعد فترة من الزمن يتحول الكحول إلى عادة، وهذه الأخيرة تضغط علينا باستمرار لتلبية طلباتها، وإن لم نخضع لمنطق العادة فسوف تتبرعم معاناة جديدة تنضاف في سجل المعاناة التي لا تنتهي. بمعنى، أن العادة ستنتقم لنفسها! وتطالبنا بمزيد من الجشع.

 الهروب من المعاناة يدفعنا للتعلق بعلاج وقتيّ للسعادة، فنحن نشعر في هذه اللحظة بألم يجتاح الذات، فلابد من تطوير آليات للهرب، والهاربون يشعرون بالخوف، فيتشبّثون بأي شيء يضمن لهم النجاة. لكنّ التعلّق بهذا الشيء معاناة، والاستمرار عليه محض معاناة. كلّنا - باستثناءات بسيطة- متورطون بهذه الأقنعة، فحينما نشعر بالخوف، وبدلاً من مواجهة الحالة لفهمها والانفتاح عليها، نرتدي قناعاً سميكاً لإخفاء هذا الخوف، فيسقط هذا الشعور في قاع الذات العميق ليعاوّد الظهور مرّةً أخرى إن وجد الظروف المناسبة.

ثمّة سؤال دائماً ما نطرحه على أنفسنا: ماذا نفعل بالتعلّق وكيف نمارس فعالياتنا الذهنية والسلوكية إن لم نتعلّق؟. في الحقيقة هنالك لبس وتشويش في فهم التعلّق، فنتصوّر أن اللّاتعلّق يٌجهٍز على كل فعالياتنا الحياتية ويصيبها بالشلل، فتغدو كل محاولة لنبذ التعلّق ليست سوى طرح مثاليّ لا علاقة له بواقع الأمور، أو في أحسن حالاته لا يخرج من الخطاب الوعظي. يمكننا أن نساهم في تبديد هذه الإشكالية من خلال الفهم الصحيح للتعلّق، ذلك إنّ التعلّق لا يعني قطع الصلة بين الذات وموضوعاتها، وإنّما النظر إلى هذه الموضوعات على أنّها متدفقة وزائلة وحتمية الفناء، ونمضي بممارسة حياتنا، فالنتيجة التي تترتب على هذه المقدمة، هو أن نستبدل التعلّق بالانفتاح، وهذا الأخير يمنحنا فهماً واضحاً للحرية، والحرية تزودنا برؤية مباشرة للواقع؛ نرى الأشياء كما هي لا كما تبدو لنا ونحبسها في هوياتنا الضيّقة.

فعلى سبيل المثال، إنّ عدم التعلّق بالأصدقاء لا يعني نبذهم والتخلّي عنهم، بل يجب مساعدتهم قدر المستطاع والتفاني من أجل رفع معاناتهم كلّما سنحت لنا الفرصة، ما علينا سوى التبصّر بهذه العلاقة من أنها سوف تتلاشى يوماً ما ونتلاشى معهم. إن كل ممتلكاتنا وما حزناه في هذه الحياة مصيره التلاشي، وما الحياة سوى فقاعة، وأسباب الموت تافهة للغاية.

ماذا سيترتب على التعلّق بهم، وماذا سيترتب على الانفتاح عليهم؟ في الأولى سأتعامل معهم على أنهم خالدون، وفي الثانية على أنهم زائلون. في الأولى يضاعفون معاناتي، وفي الثانية سيضاعفون من الرحمة والشفقة!!. في علاقات" الحب" تصل المعاناة لأقصاها، لأنّ العلاقة جرى تقييمها على أساس التعلّق، وليس على أساس الانفتاح. في الحالة الأولى تغدو العلاقة مشروطة، ولمجرّد أن ينفرط عقد الشرط تتحوّل إلى ألم لا يطاق يستنزف الكثير من ذاكرتنا النفسية. أمّا في الحالة الثانية، نتمنّى للمحبوب أقصى حالات الرحمة والشفقة، ونتمنّى أن لا يؤذيه أي شيء في هذا الكون. في هذه الحالة- الغائبة عنّا مع شديد الأسف- يكون التفهّم والانفتاح هو عنوان الحب، مثلما يقول مولانا جلال الدين الرومي" من التفاهم يولد الحب".

خلاصة الأمر إن التعلّق قناع يحجب الرؤية الحقّة، الرؤية المباشرة للأشياء. والانفتاح يمنحنا رؤية منفتحة على الواقع مع خاصيّة العبور المستمرة، وينبغي الأخذ بنظر الاعتبار أن الانفتاح ليس زرّاً نضغط عليه فينتهي كل شيء، بقدر ماهو تمرين مستمر ومسؤولية وانضباط. الانفتاح واللاتعلق لا يعني ترك الأشياء ونبذها، بقدر ما يعني التبصّر فيها على أنها مؤقتة وفانية.

علينا أن لا ننزعج ونشعر بالكآبة من حقيقة الفناء، فكل شيء في هذا الكون عرضة للفناء؛ ملابسي عرضة للفناء!، وطعامي الذي أتناوله كذلك، أبواي الذان أنجباني ماتوا وسجّلوا بصماتهم في سجّل الغابرين الذين كانوا هنا ثمّ أدركهم الفناء، وأصدقائي كذلك، حتى قطتي التي راعيتها كثيراً وأحببتها للغاية ماتت هي المسكينة!. إن الثابت في هذا الكون هو عدم الثبات؛ فكل شيء محكوم بالتدفق والصيرورة والانحلال.

وختاماً، يقول أحد المعلمين:" لا تتعلّق بأيّ شيء، وانفتح على كل شيء".

عن العالم الجديد